مع كل اطلالة لموسم من مواسم الصوم, ينقشع غبار الحياة عن صور طفيلية تقتحم واقعنا من حيث لا نحتسب, ولشدة التصاقها بجوانب حياتية مختلفة فإنه لا تكاد تخطئها عينا احد من الناس, وايضا لا يكاد احد يأبه لمضامينها في الوقت نفسه, وهي في تعاقبها وتكرارها المريب , يضاف اليها في كل مرة من (الرتوش) و(التحسينات) والاثارة ـ واحيانا السآمة ـ ما يجنبها الشكوك والشبهات. الصورة الاولى: لأرتال الحملات الترويجية التي تقرع سمع المستهلك الصائم وبصره ليل نهار, دون استحياء ولا وازع من ضمير لمفاهيم ضيف كريم مثل شهر الصوم وخصوصيته, وفي تناقض صريح واصرار لا يعرف الكلل تفسد على الناس رؤية الدروس والاخلاقيات التي شرع الصوم من اجلها.. فهي تشجيع لحوح على التبذير والاسراف (والشراء بأكبر قدر من المال) دونما حاجة, والصوم تربية للنفس على الاقتصاد في النفقة.. وهي اثارة للنزعة الاستهلاكية عند الفرد, والصوم توجيه لبناء الاقتصاد وتنميته بالمحافظة على مدخرات المجتمع واستخدامها بعد ذلك استخداما استثماريا رشيدا دون التفريط في اقتناء الضروريات.. وهي نزق محموم لاشباع الرغبات والطمع باغرائه بالجوائز التي تفقده رشده وصوابه, والصوم تفجير لطاقات الصبر ومجاهدة النفس في رحلتها نحو غاياتها الكبرى.. واخيرا وليس آخرا, هي دعوة للتسكع في الاسواق جريا وراء جمع اكبر قدر من بطاقات اليانصيب (ملاحظة: أؤثر ألا اخوض في مدى شرعيتها) والصوم تدريب على بذل الجهد للفاعلية والانتاج في اصعب الظروف. والمتأمل لهذه الصورة يلمح فيها خيوط توجه خطير, يرمي الى تحويل موسم الصوم وعيد الفطر الذي يعقبه الى شيء شبيه بأعياد الشكر واعياد الميلاد والمهرجانات وغيرها من احتفالات امم الارض ذات الديانات والمعتقدات المتناقضة تماما مع شرعة الاسلام ومنهاجه, وان يحتفل المسلمون ـ وهم في عقر دارهم ـ برمضان وبسائر اعيادهم كما تحتفل تلك الامم بأعيادها.. فاذا زعم احد ان الامر ليس كذلك وانما هو تنشيط للسوق او تحريك للاقتصاد, فالامر اذن ادهى وأمر.. لان تنمية الاقتصاد لا تتأتى من تحويل المال الذي هو وقود الاقتصاد الى سلع مستهلكة, بل بتحويله الى ادوات وآليات منتجة, اما الحملات الترويجية فلا تعدو كونها جرعات منشطة ولها اثارها المدمرة على المدى البعيد. الصورة الثانية: لا تقل بؤسا ولكنها اكثر اثارة للغثيان. انها صورة الفنادق والمقاهي وهي تتهلل مرحبة بمقدم رمضان وكأنها معاقل للعلم والعبادة والجهاد, اما في واقع الامر فهو ترحيب باقتناص فرصة افساد اموال الناس واوقاتهم تحت ستار هذا الشهر, ومن اجل تحقيق مآربها فإنها تتفنن في استغلال سفاهة روادها من الرجال والنساء الذين يتهافتون اليها تهافت الفراشات الى النار (للعلم فقط: اكثر من 50% من اولئك الرواد ليسوا مسلمين, ذلك لان الاجواء التي تهيؤها الفنادق لا تمت الى الاسلام بشيء ولهذا فإنهم يجدون فيها ضالتهم بعد يوم قضوه في الاكل والشرب والعمل بكامل طاقتهم). وفي تلك الاجواء تضيع على روادها من المسلمين البلهاء الساعات تلو الساعات, في تدخين الشيشة والاحاديث التافهة والضحك. ـ رغم ان احوال المسلمين في اصقاع المعمورة ليس فيها ما يسر الخاطر ـ حتى اذا ما تنفس الفجر انفض السامر, وخرج المسلمون من ليلة مباركة صفر اليدين, وهكذا تجتر الحياة في رمضان دورتها في منوال بادي البؤس, ثم يرحل رمضان وليس لهم من دروسه وتربيته إلا ذكريات ملوثة بالدخان والضجيج. الصورة الثالثة: للقنوات التلفازية وهي تمارس على المشاهد وصايتها الفكرية والاخلاقية وتحقنه يوميا بجرعات من الاعمال الفنية الهابطة, وليت الامر يقف عند هذا الحد بل يسمونها زورا وبهتانا (برامج رمضانية) وانها (احياء لليالي الشهر الكريم) ! ولو جئت بأفسق انسان على وجه الارض لما تجرأ على ان ينعتها بتلك النعوت, لان ما يسمع في تلك البرامج والمسلسلات ويرى من الغثاء لاسيما جيوش المغنيات والممثلات المتبرجات الى حد الاغراء واثارة الشهوة.. مما لا يليق ان يعرض في مواخير الخنا في اي شهر من اشهر العام, ناهيك عن ان تقتحم به ابيات المنيبين الى ربهم بالتوبة والضراعة, وفي شهر مقدس في السماء والارض بدعوى احياء لياليه.. او ان يتطفل على موائد الصائمين زمرة من المهرجين الذين لا هم لهم إلا استجداء القهقهات بما يتنافى والقيم الروحانية لعبادة سامية كالصوم. ولعمر الله كأن اجهزة الاعلام تتولى ـ في مثابرة شيطانية ـ مهمة اسرع عملية هدم يمكن ان تخطر ببال اي مخرب, اذ لا يكاد الصائم يفرغ من افطاره, حتى يداهمه ذلك الهجوم اللااخلاقي المتستر بقناع الترفيه.. ويبدو لي ان اعلامنا يبني منهجيته وسياساته الاعلامية على توجيه رسالته الى مشاهد لا هم له إلا اشباع غريزته وبهيميته, ومن ثم تصبح مثل هذه الاعمال الفنية ذريعة تواري بها اجهزتنا الاعلامية سوأة افلاسها الفكري الذي يعشعش في اروقتها.. وثمنا لفاتورة تبعيتها المشينة للاعلام الغربي. هذه الصور في نظري رسالة اهانة وتشويه لمعاني شهر كريم وعدوان صارخ على مقدساتنا ومشاعرنا, فقد ارتبط رمضان منذ عهد النبوة وعلى امتداد عصور من حضارة الاسلام بالعطاء والابداع والجهاد وطلب العلم وحمل مشعل هدية البشرية الضالة الى مكارم الاخلاق.. انه شهر بدر الكبرى, وفتح مكة, وبلاط الشهداء وعين جالوت, حتى اذا ما انطفأت جذوة الايمان في جوارح المسلمين, واطلت برأسها وسائل الاعلام الناهلة من مشارب الاعلام الصهيوني المتأمرك.. لم يكن ينقصنا إلا ان تستيقظ التجارة وصناعة الفندقة من غفوتها, وعينها الشرهة على البقية الباقية مما ادخره الناس من الوقت والمال والروحانية من اجل صومهم فتأتي عليها جرافات المهرجانات والفنادق والفضائيات.. تأتي والله المستعان على ما يصفون. * كاتب من الامارات * مهرجان كلمة فارسية مركبة مكونة من (مهر) ومعناها السلطان, و(جان) ومعناها الفداء, وهو احد اعياد المجوس.