قبل عام من الآن, بدت ادارة الرئيس كلينتون في حالة من التخبط الشديد, حيث كانت مونيكا لوينسكي المتدربة بالبيت الابيض سابقاً وبطلة الفضيحة الشهيرة قد قدمت لتوها شهادة ناقضت فيها ما جاء في شهادة الرئيس وانتقدت سلوكه, وادى هذا الى فتح الباب على مصراعيه للأزمة المطولة التي اوشكت على الاطاحة بالرئيس كلينتون. وفي الوقت نفسه, كانت واشنطن لا تزال تحت تأثير الصدمة من التفجيرات المدمرة التي طالت السفارتين الامريكيتين في كل من نيروبي بكينيا ودار السلام في تنزانيا, وادت الى مقتل اكثر من 200 شخص واصابة ما يزيد على الخمسة آلاف شخص. تعرضت الادارة الامريكية لضغوط مكثفة من اجل التحرك رداً على هذه الهجمات, ان لم يكن لأسباب اخرى فعلى الأقل من اجل اظهار ان الولايات المتحدة ليست مشلولة ولا ضعيفة للحد الذي يجعلها عاجزة عن ايجاد طريقة للرد على من هددوا حياة المواطنين الامريكيين على هذا النحو. وفي العشرين من اغسطس ,1998 زعمت الادارة الامريكية بأنها ردت على الهجوم باطلاق 79 صاروخ كروز على ما اعتبره الرئيس اهدافاً للارهابيين في افغانستان والسودان, وكان كلينتون حازماً وواثقاً من نفسه عندما شرح تبريره للأهداف التي تم اختيارها, ولم يترك هو ومستشاروه, في الايام التي اعقبت ذلك مجالاً للشك فيما يتعلق بثقتهم التامة بأنهم قد وجهوا ضربة قوية للارهابيين. وفيما يتعلق بالهجوم على السودان, اشار الرئيس كلينتون الى الهدف بقوله انه مصنع (مرتبط بشبكة بن لادن.. المتورطة بانتاج مواد لتصنيع اسلحة كيماوية) وفي التصريحات التي اعقبت اعلان الرئيس, كان مسؤولون آخرون بارزون في الادارة الامريكية اكثر دقة ووضوحاً فعلى سبيل المثال, اشار ساندي برجر, مستشار الرئيس لشؤون الامن القومي, الى الهدف في السودان بوصفه بـ(مصنع يزعم انه للأدوية.. وهو جزء من مجمع صناعي عسكري للسودان) . واستطرد برجر قائلاً:(لا شك لدي.. ولا شك لدى جهاز الاستخبارات في ان هذا المصنع كان يستخدم في تصنيع مادة كيماوية تدخل في صناعة غاز الاعصاب) . وقام مسؤولون آخرون بترديد هذه التهمة, فقد قال وزير الدفاع وليام كوهين ان (المصنع الذي تم قصفه في الخرطوم كان ينتج المادة الكيماوية الاساسية التي تتيح انتاج نوع من غاز الاعصاب (في اكس) واشار الجنرال شيلتون رئيس هيئة الاركان المشتركة بشكل لافت الى ان (جهاز الاستخبارات واثق من ان هذه المنشأة متورطة في انتاج اسلحة كيماوية) . وعلى الرغم من جميع هذه التأكيدات, الا انه ثارت في الولايات المتحدة اسئلة جادة منذ اليوم الأول للهجوم تدور بشكل اساسي حول التوقيت والدافع وراء عمليات القصف, ومن جانبها, رحبت عناوين الصحف الرئيسية بالهجمات واعتبرتها (ضربة موجهة للارهاب) كما ان زعماء الكونجرس من كلا الحزبين قدموا دعمهم الكامل للرئيس كلينتون. لكن محرري الصحف والمعلقين على الاخبار كانوا اكثر انقساماً في ردود افعالهم وقد تراوحت الآراء في صحيفة (بروفيدنس جورنال) التي جاء في افتتاحيتها:(يتعين على امريكا ان تقف موحدة في وجه الارهاب وتدعم تحرك كلينتون) الى صحيفة (بيورياجورنال) التي علقت قائلة: (ان طيش وأكاذيب الرئيس قد جعلت من الصعب تصديق اي شيئ يقوله) اما في استطلاعات الرأي, فقد وقف ثلثا الشعب الامريكي مع الرئيس والثلث الباقي شعر بأن الهجوم كان محاولة من جانب البيت الابيض للتغطية على قضية مونيكا لوينسكي, ان مسألة التوقيت والدافع من وراء الهجوم لا يمكن التوصل الى قرار بشأنها في ظل الدلائل المتوفرة, وسيستمر بلا شك, الجدل بخصوصها بين معارضي ومؤيدي الادارة الامريكية. اما ما اصبح واضحاً فهو انه على الرغم من ادعاءات الادارة الامريكية بـ (اليقين) فإن هناك الآن شكوك جدية فيما يتعلق باستهداف مصنع الشفاء للأدوية في السودان لقد جاءت اولى التحديات لموقف الادارة الامريكية في غضون ايام من الهجوم في 20 اغسطس عندما جاء خبراء وقالوا ان مصنع الشفاء كان مصنعاً للأدوية وتحدث أناس زاروا السودان مؤخراً, عن تجوالهم في المنشأة من دون قيود وكيف انهم لم يروا اي دليل على وجود ارتباط عسكري من اي نوع بالمصنع, واخيراً تم تقديم سجلات لاثبات عدم وجود علاقة بين المصنع وأسامة بن لادن. وخلال العام الماضي, استمرت حقائق جديدة بالتكشف, حيث تحرى صالح ادريس, صاحب المصنع, الولايات المتحدة لا بسبب تدميرها لمصنعه فحسب, وانما بسبب تجميدها لارصدته في الولايات المتحدة (البالغة 24 مليون دولار) والزعم بأنه متورط في نشاط داعم للارهاب. ولكي يكسب تعويضاً عن الاضرار التي لحقت بأعماله ويبرئ ساحته من التهمة, حشد ادريس فريق دفاع امريكي رفيع المستوى كان من اعضائه البارزين محام من العرب الامريكيين هو جورج سالم, وقد اجرى فريق الدفاع الذي حشده ادريس دراسات للمصنع وجلبوا فرقاً من الخبراء لمصنع الشفاء من اجل تقويم المزاعم الامريكية واعد الباحثون عدداً وافراً من التقارير خلصت جميعها الى نتيجة مفادها انه لا يوجد هناك دليل واحد يثبت التهم الامريكية التي تقول بتورط المصنع في تصنيع مواد اساسية للاسلحة الكيماوية. وخلال هذه المدة, واصلت الادارة الامريكية اصرارها بأن لديها الدليل الذي يثبت موقفها ازاء مصنع الشفاء, ولكنها قالت انه لا يمكنها الكشف عن ادلتها دون ان تعرض للخطر مصادرها السرية واجراءات جهاز الاستخبارات. ولان الولايات المتحدة لن تستطيع الرد في المحكمة بالبينة والحجة على النتائج التي توصل اليها فريق ادريس في مايو من هذا العام, اضطرت وزارة المالية الى الافراج عن ارصدة ادريس البالغة 24 مليون دولار. والآن يتقدم ادريس بقضيته التي رفعها على الحكومة الامريكية والتي يطلب فيها تعويضاً مقداره 30 مليون دولار عن الاضرار التي لحقت بمصنعه ومع مرور الوقت, يمكن ان يعاد بناء مصنع الشفاء من جديد ولكن الضرر غير المباشر للهجوم, الا وهو الضرر الذي اصاب مصداقية الولايات المتحدة كمدافع عن القانون الدولي, قد يكون من الصعب اصلاحه. لقد كان الاهتمام بالقانون الدولي هو الذي جعل بعض الاشخاص في الادارة الامريكية يمتنعون عن تأييد الهجمات, فالنائب العام, على سبيل المثال, الذي لم يكن طرفاً في القرار الاولي لشن الهجوم, ظل غير مقتنع بالتبرير الذي ساقته الادارة لعمليات القصف. ومما يجدر تذكره انه عندما تم شن الهجوم كان رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالية الامريكية والمئات من عملائه في كينيا وتنزانيا يحققون بعمليات تفجير السفارات الامريكية ولقد كانوا يأملون برفع دعوى تستند الى ادلة قاطعة يمكن استخدامها لادانة المتورطين في الهجمات الارهابية. وبصفتهم مسؤولين عن تطبيق القانون, عبر رجال التحقيقات عن معارضتهم للضربات الجوية للسودان وافغانستان, حث انهم شعروا بأن (الدلائل المتوفرة غير كافية لتلبية معايير القانون الدولي) وغير كافية لتبرير عمل انتقامي من هذا النوع. وافادت الانباء كذلك بأن وكالة الاستخبارات العسكرية التابعة للبنتاجون, والتي تم ايضاً استبعادها من المشاورات الاولية التي افضت الى عمليات القصف, قد انتهت الآن من اجراء فحصها الخاص (للادلة) التي قادت الى قصف مصنع الشفاء وكانت الخلاصة التي توصلت اليها الوكالة هي ان قرار القصف كان يعتمد على (استخبارات رديئة ومعرفة سيئة) . ويزداد يوماً بعد يوم اعتراف مسؤولين آخرين في الادارة الامريكية في احاديثهم الصحفية التي لا يذكرون فيها اسماءهم بأنه كانت لديهم تحفظات جدية بشأن تبرير الهجوم على السودان. وبعد وقت قصير من عمليات القصف الامريكية, اشارت مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الامريكية في محاولتها التعبير عن جدية وتصميم الولايات المتحدة على محاربة الارهاب, الى ان هذه الهجمات كانت البداية لما اسمته بـ (حرب المستقبل) . لكن اذا كانت هناك اية دروس يمكن تعلمها من هذا الوضع برمته, فهي ان الحرب ضد الارهاب يمكن شنها بأفضل الصور من خلال الحفاظ على احترام القانون الدولي وعن طريق بناء تحالفات قوية وفاعلة قادرة من الناحية السياسية على عزل ومعاقبة من يلجأون للعمليات الارهابية. اما تجاوز القانون الدولي والتصرف بشكل متهور فيعرضان المصداقية للخطر, ولا يسع المرء والحالة هذه سوى ان يأمل الا يتكرر هذا الخطأ في المستقبل. رئيس المعهد العربي ـ الامريكي