السفر والترحال والذهاب البعيد عن أماكن الاقامة الأبدية, كلها ممارسات يقوم بها الإنسان لحاجته الماسة لاستنشاق هواء آخر حين يعز الهواء في أماكن السكنى الثابتة , ولحاجته أيضا للبحث عن عوالم مختلفة تكسر رتابة اللون الواحد والصوت الواحد, ولحاجته للانفراد بنفسه وتأمل ما تركه الزمن فيها, وهل ما زالت كعهده بها أم انها تغيرت بفعل فاعل قد يكون هو دون أن يشعر! قديما كان الناس يسافرون حسب (دعاية) الشاعر القائل): سافر, ففي الأسفار خمس فوائد تفريج هم, واكتساب معيشة وعلم, وآداب, وصحبة ماجد اليوم لا تحتاج لقطع المسافات لتحصل على العلم أو الآداب أو رفقة الأخيار أو اكتساب المعيشة, فكلها صارت في متناول اليد بفضل تطورات السوق والمراكز التجارية , وانفتاح العالم يفتح لك آفاقا لا تخطر على بال. ولكن لتفريج الهم, انت بحاجة دائمة للانتقال في الجغرافيا.. أي للسفر. والسفر حين لا يكون استجابة لدواعي الصفقات التجارية أو مهام العمل الرسمية أو المرافقات الإنسانية أو أية مقتضيات مشابهة, يصبح سفرا جميلا في اتجاه الذات, والتأمل والمتعة المتحررة من القيود المعتادة, وكم نحتاج إلى سفر يحررنا من قيود أنفسنا أولا والآخرين ثانيا. تماما كما قال أحد الكتاب (أنا لا أسافر لأذهب إلى مكان ما, ولكن لمجرد السفر, أسافر من أجل السفر, ان القضية الكبرى عندي هي التحرك بعيدا) . ففي الاسفار حين نعرف تماما حقيقة اختراق الامكنة وحواجز الجغرافيا وما يوفره لنا ذلك من فرص التلامس مع بشر مختلفين في اماكن اخرى, ربما عرفنا اهمية ان نعيش قليلا بمنطق الطيور التي تزرع الكون دون تردد. ان السفر فرصتنا الجميلة للتلامس مع انسانيتنا وشخصياتنا بشفافية وصدق بعيدا عن بروتوكولات الحياة الاجتماعية المعتادة الملوثة بطقوس الاعتياد والروتين والملل. وحده السفر احيانا يجعلك تكتشف حدود نفسك وطاقات روحك ومدى قدرتك على التعاطي مع التفاصيل الجميلة والمناخات المختلفة التي يمنحك اياها السفر, كما يتيح لك ان تعب منها قدرا من الجمال والكشوفات ما كان يخطر على بالك يوما. يقول احد الكتاب : ( الاسفار هي الجزء الطائش من حياة البشر الجديين والجزء الجدي من حياة البشر الطائشين) والعبارة تذهب عميقا في قلب ضرورة كسر المعتاد وقلب الحياة التي صارت ابدية الملامح بكل تفاصيلها حيث الشخص الجاد يحتاج لشيء من الطيش الجميل والصراخ الطفولي, اما الطائش الابدي فيحتاج شيئا من الهدوء واكتشاف افاق ذاته بعيدا عن غربة المدينة الاسمنتية وصراخها المادي اليومي. وحده السفر والتغيير يضفي الوانا اخرى اكثر جمالا على هذه اللوحة الحياتية التي نصر على ان نرسمها احيانا بلون واحد فقط, نحن سكان المدن التي لاتعرف الالوان الطبيعية عادة!!