على مدى الاسابيع الثلاثة الماضية تناول محمد عبدالعزيز الباهلي قضية التعليم الخاص في الامارات, ناقدا ومحللا جوانب القصور ومواطن الخلل من وجهة نظره.اليوم نقدم الجزء الاخير من هذا الموضوع, آملين تجاوب الجهات المعنية وكل المهتمين بهذا القطاع المهم والحيوي, سعيا للوصول الى الحقيقة كما هي وحرصا على المصلحة الوطنية ومستقبل اجيالنا الناشئة . وبالرغم من صدور القرار الوزاري رقم (757) لسنة 1981 والذي ينص على (منع الاختلاط بين الجنسين في الصفوف وجميع مرافق المدرسة من الرابع الابتدائي وحتى الصف الثالث الثانوي, وكذلك منع الاختلاط في الهيئات التدريسية بحيث يكون جنس المعلم او المعلمة مماثلا لجنس الطلاب ذكورا واناثا وانه لا يجوز ان يعلم المعلم صفوف الإناث في أية مرحلة دراسية, أو المعلمة صفوف الذكور باستثناء المرحلة الابتدائية) , فإن 90% من تقارير الزيارات الميدانية للمدارس الخاصة طوال السنوات الماضية كانت تشير وتؤكد على ان 80% من المدارس الخاصة مازالت مستمرة في تجاوز تلك النصوص مما دعا وزارة التربية والتعليم الى اصدار تعميم رقم (94/2) لسنة 1998 تحذر فيه المدارس الخاصة من خطورة الاستمرار في تجاوز تلك النصوص القانونية والقرارات الوزارية السابقة. وفي ظل عدم التقيد بالقرارات الوزارية وغياب التصنيفات الفعلية لمستوى كفاءة تلك المدارس العلمية والاكاديمية, فإن الاوضاع قد تزداد سوءا خاصة في عدم وجود هيئة رقابية فاعلة تختص بقياس جودة تلك المدارس وصلاحيتها اكاديميا, وذلك عن طريق ارشاد وتوجيه افراد المجتمع الى المدارس الخاصة ذات الكفاءة الاكاديمية والمنهاج المتوافق مع هوية المجتمع المحلي الذي يعيش فيه الطالب, خاصة وانه يغيب عن اذهان افراد المجتمع المحلي وسط هذا الضجيج الاعلاني المتكرر سنويا سواء بصورة مباشرة او غير مباشرة حول المدارس الخاصة بما تتضمنه من نصوص اعلانية كلها تؤكد على (جودة التكوين التعليمي الذي سوف توفره المدرسة وانها سوف تلبي جميع طموحات الطلاب وانها سوف تفتح امامهم سبل النجاح في الدراسة والحياة والمستقبل) . الا ان مثل هذه الاعلانات المغرية لا تعكس بالضرورة حقيقة وواقع كل ما يحدث في غالبية المدارس الخاصة, ولا يمكن اعتمادها كدليل على ان هذا القطاع الموازي لقطاع التعليم العام في صحة جيدة او على انه يمتلك الآليات والشروط التي تخوله الارتقاء بمدارس هذا القطاع. تشويه متعمد يقول احد اعضاء مجلس ادارة احدى المدارس الخاصة ذات الكفاءة الاكاديمية (اننا في حقيقة الامر نعاني من صراع خفي ومنافسة غير شريفة والتي تستخدم فيها اساليب غير اخلاقية, بقصد التشويه المتعمد لصورة المدرسة لدى الآخرين مثل التقليل من جودة التعليم داخل المدرسة وخلق بعض التصورات الوهمية ذات المدلول غير المستند على حقائق علمية والتشكيك في منهاج المدرسة التعليمي وفي مخرجات المدرسة العلمية. وليس لدى بعض اصحاب تلك المدارس مانع في سحق المدارس المنافسة داخل سوق العمل التعليمي بكل الاساليب والحيل حتى يخلو الجو لها ويتم كسب السوق التعليمي لصالحها) . ان الخوف الذي يستبد بنا من اشكال هذا الصراع هو ان يأخذ اشكالا سياسية قد تدمر منظومة التعليم عندنا خاصة مع تلون الجنسيات المتعددة على ارض هذه الدولة. في حمى هذا الصراع هناك خوف من ان تتحول بعض المدارس الخاصة الى ان تكون عبارة عن واجهات اكاديمية وفكرية) لبث افكار معينة المراد منها تحقيق ارباح طائلة مقابل بيع الناس المزيد من الارقام بشتى الحيل والاساليب المشروعة وغير المشروعة, وذلك عن طريق انتشار الدروس الخصوصية المباشرة وغير المباشرة والتي يخترق من خلالها المدرس الامانة العلمية ويتساهل في اعطاء الدرجات العلمية. لكن اخطر مافي هذا الموضع هو تسرب اسئلة الامتحانات الى بعض الطلاب, سواء كان هذا التسرب بطريقة مباشرة كالتي يتم الاتفاق على قيمتها مقدما حيث اثبتت التقارير ان احد الاساتذة في احدى السنوات السابقة باع مادة الاحياء فقط بمبلغ 35 الف درهم, وغير مباشرة مثل وضع اسئلة اخر العام للمناقشة مع الطلاب بحيث تكون مطابقة تماما لاسئلة الامتحان النهائي بقصد او من غير قصد, والنتيجة هي انتاج طالب هزيل علميا وتعليميا يظل مصيره المستقبلي معلقا دون نتيجة, امام ثورة العمل الطاحنة ومشكلات المهارات الفنية المطلوبة في سوق العمل الوظيفي, وهذا ما قد يمثل (كارثة حقيقية للمجتمع بأكمله) . غياب الضبط الاداري امام كل تلك المتغيرات التربوية والصراعات المحمومة, تعاني المؤسسة التربوية من نقص شديد وحاد في المجال البشري والاداري والفني الذي يفترض ان يشرف ويسيطر على مجريات الامور داخل دهاليز مثل تلك المدارس. فمثلا: مقابل 85 معهدا خاصا في امارة دبي فقط يشرف موظف اداري واحد, ومقابل 100 مدرسة خاصة يشرف عليها ثلاثة موظفين اداريين بينما في احدى الدول الخليجية مقابل 65 معهدا خاصا يشرف 12 موظفا اداريا ومقابل 100 مدرسة خاصة يشرف قطاع كامل بجميع اجهزته الادارية والفنية واقسامه المختلفة ويرأسها وكيل وزارة مساعد لقطاع التعليم الخاص. وعلى مستوى المناهج ليست هناك ادارة متخصصة التخصص الفني المطلوب والذي يسمح لها بوضع تقييم شامل لكل انواع مواد العلوم الحديثة المطبقة داخل تلك المدارس, وكل ماهو موجود عبارة عن اشراف شكلي من قبل افراد قد لا يملكون التخصص الفني اللازم لتقييم مثل هذه المناهج. وعلى مستوى التوجيه يعاني التوجيه الفني والاداري من نقص شديد في قدرته على توجيه مدرسي المواد الاساسية الالزامية مثل اللغة العربية والتربية الاسلامية والاجتماعيات وذا فعلا ما يشكو منه الكثير من ادارات المدارس الخاصة وتطلبه باستمرار, ويفتقد التوجيه جذريا بخصوص المواد الدراسية الاخرى, خاصة فيما يتعلق منها بمواد العلوم الحديثة والتي تدرس باللغة الانجليزية. اما على مستوى المدارس الخاصة فهناك تجاوزات كثيرة لشروط عمل المدرس, منها ارتفاع ساعات الحصص الدراسية التي يؤديها المعلم مقابل تفاوت صارخ بين ما يأخذه مدرس في مدارس الخمسة نجوم ومدرس آخر في مدارس الاربعة نجوم او الثلاثة نجوم, رغم تساوي المؤهلات الدراسية والخبرات التربوية. وهناك بعض الشكاوى الكيدية وتأخر في دفع الرواتب الشهرية وضعف في الرقابة الادارية,. حيث عبر عنها احد الطلاب الدارسين قائلا: (أية اداة مدرسية وأية رقابة ادارية؟ انها عملية تجارية فقط... الطلبة يسجلون في المدرسة ويدفعون الرسوم, وهذا هو الذي يهم ادارة المدرسة واغلبية الطلاب لا يعلمون عن المناهج شيئا ما داموا ينجحون آخر العام) . واخطر مافي غياب الضبط الاداري هو تدخل بعض من صفوة رجالات المدارس الخاصة) وبقوة, سواء كان ذلك بطرق مشروعة او غير مشروعة. وهذا يتضح عندما يتم الكشف عن تجاوزات بعض من تلك المدارس لقوانين ونظم ولوائح وقرارات وزارة التربية والتعليم والتي قد تتمثل في تجاوزات تربوية او تعليمية او مالية او اخلاقية او اعطاء بعض الشهادات الشكلية والتي قد تشكل خطرا على مصداقية المؤسسة التعليمية, والاهم من ذلك انها قد تمثل (كارثة قومية) . ويقابل كل ذلك في اكثر الاحيان عجز القوانين والقرارات والتعاميم الصادرة من المؤسسة التربوية... الهجرة المعاكسة لا شك انه بجانب الهجرة الطلابية التي حدثت من التعليم العام الى الخاص لأسباب يتم ذكرها سابقاً, فان مدارس التعليم الخاص هي ايضا لم تنج من حدوث هجرة معاكسة فيها الى مدارس التعليم العام مرة اخرى, حيث لوحظ في السنوات الاخيرة ان هناك بوادر هجرة معاكسة بدأت تنمو تدريجيا من بعض المدارس الخاصة الى التعليم العام, والتي لم يتم رصدها بدقة من قبل المؤسسة التربوية وذلك للأسباب التالية: ــ صعوبة المناهج الاجنبية المطبقة في مدارس التعليم الخاص وكثافتها وعدم قدرة الطالب الاماراتي على التكيف فكريا وعلميا وتعليميا معها, وذلك يرجع الى قوة السباق الرهيب الذي يحدث بينها نحو التسرع في طرح مثل تلك المناهج والنظم التعليمية, دون ان تكون هناك دراسات علمية مسبقة لها توضح قدرة تلك المناهج على التكيف مع المستوى العمري والفكري والاجتماعي والحضاري للطالب الاماراتي, وايضا عدم التدرج في اعطاء المعلومات, حيث يفاجأ الطلاب اثناء انتقالهم الى مراحل دراسية مختلفة بنقلة نوعية مفاجئة من البسيط الى الاصعب جدا مما يؤدي الى شعور الطالب (بصدمة اكاديمية) مما يؤدي بالكثير من الطلاب الى ترك مقاعد الدراسة. ــ الاحساس المتزايد الذي بدأ يشعر به اولياء امور الطلاب وايضا الطلاب انفسهم داخل المدرسة بعدم وجود فارق بين ما يتم تعليمه في بعض المدارس الخاصة وبين ما يتم تعلمه في مدارس التعليم العام, سواء كان ذلك على مستوى المنهج الدراسي او البيئة المدرسية او المبنى المدرسي, هذا ما لم يكن اقل بكثير مما يتعلمه الطالب في مدارس التعليم العام. ــ عدم قدرة الكثير من اولياء امور الطلاب على الالتزام بدفع المصاريف الباهظة الثمن, والخوف الذي صاحب بعضهم من تلاعب بعض المدارس الخاصة بالنتائج الدراسية في ظل ضعف الرقابة الادارية الصارمة وتخريج بعض الطلاب الضعاف علميا واكاديما وغير القادرين على الكتابة السليمة بلغتهم الوطنية (اللغة العربية), حيث اشارت تقارير موجهي مادة اللغة العربية الى ان الكثير من الطلبة وصلوا الى مراحل متقدمة من الدراسة وهم لايستطيعون كتابة جملة مفيدة او قراءة سليمة وهذا الأمر يرجع الى عدم اتجاه تلك المدارس الى اختيار مدرسين من مستويات متقدمة او من ذوي الخبرات وحملة الشهادات الجامعية حيث اتضح من الزيارات الميدانية لتلك المدارس انه لا يهم لديها ان تأتي بمدرسين من ذوي الشهادات المتدنية واستخدامهم للتدريس بأكثر من مرحلة دراسية واكثر من تخصص دون تأهيل يذكر, على اعتبار انهم (ارخص) من غيرهم واقل تكلفة على المدرسة فهي تبحث عن (الرخيص) وهذا ما يسمى في العرف التربوي (بتجارة الأمية) . ــ التجاوزات التي تحدث في بعض المدارس والتي بدأ اولياء الامور يخافون منها, خاصة فيما يتعلق بموضوع الاختلاط في المراحل العليا ولما تخلفه من اثار اجتماعية, وايضا فقدان الابناء للهوية الوطنية والذاتية الثقافية العربية الاسلامية. ــ التحسن التدريجي الذي بدأ يحدث في التعليم العام والتجارب الجديدة والعديدة والتي كان اولها افتتاح المدارس النموذجية. غياب الدراسات العلمية لا شك في ان غياب الدراسات العلمية والتحليلية والنقدية الجادة كان له تأثير بالغ في تحديد مستوى جودة المخرجات التعليمية لهذا القطاع الموازي لتعلم العام. وهذا الغياب فتح الباب علي مصراعيه لعمل التظاهرات الاعلانية المتضمنة لوعود غير حقيقية واعطى مجالا لبعض المدعين لترديد مقولات لا تستند الى دلائل علمية صادقة. ان هذا النوع من التعليم الذي يجري في مدارس التعليم الخاص منذ ان بدأت عملية التعليم في الدولة لم يخضع الى عملية مراجعة او تقويم, فلم يتح لأحد المختصين او الباحثين ان يعرف جدوى هذا النوع من التعليم ولا نوعية افرازاته النفسية والفكرية والتربوية والاخلاقية في عقول الاجيال التي تخرجت من هذه المدارس حتى غدت تلك الممارسات التربوية نفسها نوعا من السلفية الاجتماعية. ان احدا من الباحثين التربويين لم يحاول ان يلقي سؤالا مشروعا حتى الآن عن اهم النتائج المرجوة من هذا القطاع التعليمي حتى يمكن الاستفادة منه في مشروع استراتيجية التعليم المستقبلية, خاصة وان هذا القطاع من التعليم يزخر بالعديد من القضايا التربوية التي قد تفتح بابا واسعا لانجاز الكثير من الدراسات العلمية والنظريات التربوية, حيث يوجد في هذا القطاع مايقارب من 80 جنسية دارسة وثقافات متعددة وديانات مختلفة وتجارب تربوية وتعليمية متنوعة واشكال عديدة من الاساليب والبدائل التعليمية الشارحة. فهل حان الوقت لوضع استراتيجية المراجعة الشاملة لهذا النوع من التعليم؟ _ كاتب وباحث من الامارات