ثمة تواريخ محورية وأرقام واحصائيات حاكمة ينبغي ان توضع في الذهن باستمرار, ونحن في معرض طرح واجابة التساؤلات المتعلقة بقدرة كوكب الأرض وموارده وامكاناته على تلبية احتياجات سكانه من البشر المتزايدين باطراد من حيث العدد وايضا من حيث نوعية هذه الاحتياجات والمتطلبات . من هذه الأرقام مثلا: وقت ميلاد المسيح عليه السلام, أو منذ نحو 2000 سنة قد تقل أو تزيد كان عدد سكان الدنيا يبلغ 250 مليون نسمة تقريبا, وبمعنى آخر كان سكان العالم وقتها يتساوون أو يكادون مع عدد سكان أمريكا في وقتنا الحالي. في عام 1650 للميلاد تضاعف سكان كوكب الارض ليصل عددهم الى نصف مليار نسمة وهي الفترة التي بدأت فيها تجارة العالم القديم مع العالم الجديد (نصف الكرة الغربي) تزدهر وخاصة في مجال التبادل المنظم للأغذية والموارد المعدنية والزراعية اللازمة لتقدم الحضارة البشرية ودخول العالم ــ من ثم ــ ولو بصورة وئيدة متدرجة الى عصر استخدام القوى المحركة بطاقة البخار وبعدها الكهرباء في اطار انفجار الثورة الصناعية التي بدأت مع العهد الماضي. في عام 1830 الذي يتوقف عنده المؤرخون والباحثون كثيرا.. ولا عجب فهو عصر ثورة لويس فيليب الديمقراطية في فرنسا وعصر التوصل الى طاقة البخار وتسيير أول قاطرة بخارية على يد ستيفنسون في انجلترا وهي ايضا السنة التي شهدت وجود مبعوث عربي من مصر.. الازهري اللماح رفاعة رافع الطهطاوي دارسا ومترجما ومضطلعا على حضارة الغرب في باريس وعاقدا العزم على ان يعود الى وطنه كي يزود بني قومه بكل ما استوعبته قريحته الواعية الفارزة النافذة من ثمرات حضارة الفرنسيس كما شاهدها وعاينها, وكانت كتاباته وابداعات تلاميذه أول البذور التي ألقيت في تربة النهضة العربية المعرفية التي شهدها النصف الأول من القرن التاسع عشر. عام 1830 بالذات له أهمية في محيط الديموغرافيا (دراسات السكان) إذ شهد وصول سكان العالم الى حافة المليار نسمة من البشر. 1930 جاء بعد قرن من التاريخ السابق ليضيف المليار الثاني الى حجم سكان كوكب الأرض. 1970 لم يعد أمر المضاعفة في حجم السكان يستغرق كما في السابق قرنا من الزمن, بل هاهي خمس وأربعون سنة, جيل ونصف جيل من البشر ليس الا, يمضي فاذا بعام 1970 يأتي ويشهد شعار كوكبنا وقد تضاعف عددهم ليصل الى أربعة مليارات نسمة. ذروة النمو الانساني وعلى سبيل التحصيل يتساءل العالم الامريكي جويل كوهن أستاذ الديموغرافيا بجامعة كولومبيا في كتابه الصادر عام 1997 بعنوان (كم من البشر تستطيع الأرض ان تتحملهم؟) : ــ اننا نتوقف بالذات عند السنوات الخمس الفاصلة بين عامي 1965 و,1970 في هذه الفترة بلغت البشرية ذروة تزايدها وتكاثر أفرادها وهي ذروة لم تشهدها على مر التاريخ البشري المسجل أو المعروف, وبعد هذه الذروة شرعت الامور في التغير, وبدأت الزيادة في سكان العالم تميل الى الانخفاض ولو على سبيل التدرج أو التذبذب في بعض الاحيان. ومعنى هذا ــ يضيف الباحث المذكور ــ فأي شخص يعيش فوق كوكبنا وقد تجاوز سن الاربعين, يكون قد شهد على مدار حياته تضاعفا في حجم سكان العالم. ومعنى هذا ايضا: ان كوكب الأرض أمضى كل سنوات تاريخه المكتوب, وفي عام 1830 للميلاد لكي يصل بعدد سكانه الى أول مليار, في حين ان اضافة مليار من الافواه والاحتياجات والبشر لم تستغرق سوى 12 سنة فقط لا غير. كثرة الناس وتحسين المعيشة مع هذا كله, فقد تحسنت الصورة الاجمالية لحياة الانسان فوق كوكب الأرض.. زاد السكان ولكن ارتقت حياتهم وارتفعت مستويات معيشتهم.. لماذا؟.. لأن هذه الزيادة كانت تحمل بين طياتها مزيدا من الافكار والقرائح والاجتهادات والابداعات منها ما جاء وحياً للعبقرية أو المواهب التي جادت بها السماء على غيرهم من أبناء الانسانية, ومنها ما تفتقت عنه الأذهان بحكم الاحتياجات الماسة والمتطلبات الملحة والمقتضيات التي لم تكن لتتحمل التأجيل, فالحاجة ــ كما يقولون ــ هي أم الاختراع. انهم يعيشون أطول وفي كل حال فالارقام ترسم الصورة الشاملة لهذا التحسن العمومي ــ كما قد نسميه في أحوال البشر رغم تناميهم من حيث العدد وسرعة الايقاع ــ الارقام بايجاز تقول: ــ الأجل البشري المتوقع عند الميلاد (وهو في مقدمة مقاييس التقدم البشري من حيث المستوى الصحي ومكافحة المرض وحسن التغذية ورعاية الطفل والأم.. ويكاد يكون عمدة المقاييس التي يأخذ بها تقرير التقدم البشري الصادر سنويا عن الأمم المتحدة) هذا المقياس ارتفع من حيث متوسط الحياة للبشر, والحياة عطية من لدن فاطرها عز وجل ــ من 4.46 سنة في الفترة 1950 ــ 1955 لتصل في آخر الفترات المحسوبة لعصرنا وهي 1990 ــ 1995 الى 4.64 من السنوات, أي ارتفعت بفضل ترقية الحياة البشرية بواقع 18 سنة.. بسم الله ما شاء الله. وعلينا ان نضيف الى هذه الارقام المطلعة الصماء وضعا أو تأويلا يفسرها بمعنى ان هذا الارتفاع في متوسط الآجال المتوقعة لحياة المواليد من البشرية فازت بايجابياته الاقطار النامية في العالم الفقير الثالث بأكثر مما حظيت به نظيرتها المتقدمة النمو في العالم الصناعي الأول (لم نتحدث عن العالم المصنّع الثاني الذي كان يعرف باسم المعسكر الاشتراكي وقاعدته روسيا) اذ ان بركات حكم الكرملين الحالي حولت روسيا للأسف الى نموذج لسوء الادارة وتخبط التخطيط وتحالف الرأسمالية الطفيلية مع عصابات المافيا مما أدى ــ كما هو ملاحظ ومشهود الى تدهور المستويات الصحية وانهيار مؤسسات الرعاية وسقوط مظلة الضمان الاجتماعي ومن ثم انحدار مستوى الأجل المتوقع للحياة في طول الاصقاع الروسية وعرضها. الوجه المظلم من الصورة ولكن, لأن لكل شهر ثمنا, ولكل نهار ليل يفضي اليه, وكل ايجاب ينبغي ان يتفاعل مع سلب كيما يتم التفاعل المنشود, فقد أدى التحسن في مستويات المعيشة البشرية الى نشوء مشاكل مرتبطة به.. صحيح هي مشاكل نجاح, لكنها مشاكل وأزمات في التحليل الأخير. وفي هذا الاطار تنشأ المنظومات الاجتماعية ــ الاقتصادية ــ الثقافية البالغة التعقيد على نحو ما يشهده عالمنا اليوم: ارتفاع المستوى الصحي معناه, ارتفاع معدلات أعمار البشر وهو ما يفضي الى ضغوط أشد على مؤسسات رعاية الشيخوخة ومتطلبات اكثر من حيث مالية الاسرة ومواردها. وفي هذا الاطار ارتفعت الدعوات الخاصة بمركز المرأة في المجتمع بدأت بدعوى حملت شعار (الانصاف) وأدت ومازالت الى دعوة اخرى تحمل شعار (التمكين) وكلها تدور حول اسناد ادوار اقتصادية وانتاجية للمرأة وادى هذا بدوره الى ان جاءت بالشكوى دوائر شتى اذ كانت معدلات البطالة تحسب على أساس غير المشتغلين من الذكور المؤهلين, فاذا بها تزيد الى حد فادح منذر بخطر, واحيانا مؤذن بنوع من الانفجار الاجتماعي, من خلال حسابها حاليا على اساس غير المشتغلين وايضا غير المشتغلات من النساء المؤهلات. وبدا ان النجاح في (انصاف) المرأة, ثم النجاح في (تمكين المرأة يمكن ان تصحبه مشكلاته من حيث وقت المرأة المتاح لصالح مؤسسة اجتماعية جوهرية اسمها الاسرة, ولصالح خدمة اجتماعية جوهرية اسمها رعاية وتنشئة الطفل ولصالح مؤسسة محورية ثالثة قد تحمل اسم الوئام العائلي والتفاعل الاجتماعي, ناهيك عما سببه نجاح (التمكين) اياه من مشكلات وضغوط واعباء من حيث صحة المرأة ووقت فراغها وقدرتها على التركيز او الابداع وما قد ينتابها من سلوكيات التوتر والاجهاد باختصار ــ يضيف الباحث الامريكي ــ جويل كوهن قائلا. ــ باختصار نؤكد ان السؤال المتعلق بكيفية اعالة كوكب الارض للبشر الذين يعيشون فوق سطحه, لم تعد اجابته مقصورة على الشأن السكاني وحسب بل انها تمتد لتشمل ايضا قضايا الاقتصاد ونوعية البيئة والانساق ــ الاوضاع الثقافية التي يعيش فيها الانسان. عن الحاضر نتكلم ولقد بدأنا هذا الحديث بأرقام مستقاة من سجل الماضي.. من اولى منعطفات تاريخ البشر المسجل ــ المكتوب عبر الالفي سنة الاخيرة ــ ومن هنا بات جائزا طرح السؤال الهام. ــ وماذا عن الحاضر؟ لقد بلغ سكان العالم في عام 1997 حجما قوامه 8.5 مليارات نسمة ومن شأنهم كما اسلفنا في حديث سبق ان يتضاعفوا في غضون 40 عاما حيث تقدر الزيادة السكانية السنوية بمعدل 5.1 في المائة وان كان المختصون يتوقعون انخفاضا يطرأ على هذه الزيادة. ومع كل التهاني التي قد يزجيها بعض الناس, ساسة او علماء الى أنفسهم على تحسين مستويات معيشة البشر فوق سطح الكوكب, الا أن هذه الزيادة السكانية المتوقعة على مدار النصف الاول من الألفية الزمنية المقبلة, سوف تأتي وفي طياتها انقسام رهيب بين قاطني القرية الالكترونية العالمية فهو انقسام حاد بالغ الوضوح يقسم هذه القرية الى عالمين: ــ عالم الاغنياء. ــ عالم الفقراء. ومن عجب ان عالم الاغنياء سيظل على الارجح محافظا على مستواه الثري الموفور الميسور, فيما قد يمعن عالم الفقراء, ما لم تتداركه رحمة السماء ــ في ربقة الفقر واسار المسغبة ومغبة الحرمان.. فما بالك مع ما تشهده افريقيا وهي ساحة الفقراء في كوكبنا, من حروب اقليمية ونزاعات قطرية تصل احيانا الى مهاوى الاقتتال الدموي بل الوحشي بين البشر.. الى حد قد تعجب فيه أو ان الغابات والادغال الافريقية من هذه النزعة الوحشية المدمرة بين جيرانهم من البشر وقد جنحت بهم الى الامعان ــ سادرين ــ في سفك الدماء مع ما يصاحب ازهاق الارواح من تدمير الهياكل الاقتصادية والمؤسسات الاجتماعية ومن هلاك الحرث والنسل كما يقولون في سطور التراث. ان متوسط انجاب المرأة (الفقيرة) في افريقيا سيبلغ 6.5 حالات ولادة (الارقام هنا تدل على معدلات رياضية وليس على افراد فليس هناك نصف مولود او ثلثي انجاب) والمرأة في العالم الثالث تنجب في المتوسط 4.3 من المواليد في حين ان المرأة ــ النظير ــ في العالم الغني المتقدم لا تزيد ولاداتها على 6.1 حالة. صحيح ان كثرة السكان قد تعني للوهلة الاولى كثرة الايادي المنتجة, ولكن الصحيح ايضا ان ملايين الوافدين الى الحياة فوق الارض من الافارقة قد لا تسعدهم المعدلات الاقتصادية الراهنة سواء للحياة في منازلهم السوداء, او في اصقاع العالم النامي (الفقير) بشكل عام. شكل الانقسام بالأرقام ولنستعرض في الختام أبعاد صورة هذا الانقسام الكوكبي الى عالم الاغنياء وعالم الفقراء والصورة اكتملت ابعادها في عام ,1995 وهذه الابعاد تقول بايجاز شديد, وبلغ متوسط الدخل في اغنى اقطار العالم نحو 19 الف دولار للفرد سنويا وكان ذلك انجازا مرموقا بكل المقاييس. بلغ حجم المتمتعين بهذا الدخل الوفير المرموق نحو 2.1 مليار نسمة اي نحو فرد واحد بواقع كل خمسة افراد من سكان الكوكب الارضي. أما الباقون من اخوة البشرية ابناء آدم وحواء, وحجمهم يبلغ 5.4 مليار انسان فقد انقسموا بدورهم الى فئتين فرعيتين وقد نطلق عليهما الاوصاف التالية: الفقراء المستورون (حوالي 5.2 مليار نسمة) وبلغ دخل الواحد منهم نحو الف دولار ليس الا. الفقراء المدقعون (حوالي 2 مليار كائن بشري) وبلغ متوسط دخل الفرد منهم نحو 400 دولار في السنة او فلنقل دولارا واحدا بغير ثان او ثالث في كل يوم. على أن الاحصاءات لا تسكت عند هذا الحد انها تواصل رسم صورة التناقض المؤسسية التي يعيشها كوكبنا الارضي الطيب الصبور انها تمضي كي تقول: هناك واحد من كل ثلاثة يعيشون فوق كوكب الارض مصاب بداء السل. وايضا واحد من كل اثنين من سكان هذه المعمورة محروم من مرحاض, مجرد مر حاض من المرافق الصحية. وهناك 2 مليار انسان لم يقرأوا في حياتهم حرفا ولا كتبوا طول عمرهم كلمة في دفتر, ومازالت أميتهم قذى في عين هذا الكوكب. وثلثا هذين المليارين من النساء راسغات لا يزلن في اغلال الأمية وله الله ذلك الشاعر العربي المعاصر الذي جذب نفسا عميقا من سيجارته ثم ارسل, دون ان يطرف له رمش, بيته الشهير: الأم (مدرسة) اذا اعددتها اعددت شعبا طيب الاعراق واذا كانت (المدرسة) مصابة بالأمية فقل على الاعداد والشعب والاعراق يا رحمن يا رحيم. والى حديث الختام.