منذ بدايات القرن العشرين اهتمت الكويت بالتعليم باعتباره ضرورة حضارية وسبيلها نحو النهضة والارتقاء واللحاق بالأمم المتقدمة. وفي الوقت نفسه قام الكويتيون، ولا سيما الميسورون منهم ممن سافر إلى الخارج وتعرف على أنماط المعيشة فيه، وشاهد معاهد العلم والإقبال على التعليم، بدعم توجهات الحكومة لجهة نشر التعليم وافتتاح المدارس والمساهمة في العملية التربوية والتعليمية، فأثمرت تلك المساعي عن ظهور مدارس نظامية كالمباركية والأحمدية والصباح في الأعوام 1911 و1921 و1948 على التوالي، علاوة على انتشار عدد من الكتاتيب المتقدمة والمتنوعة في دروسها ومناهجها، واستقدام مدرسين أكفاء من فلسطين ومصر والعراق وبلاد الشام.



وقبل استقلال الكويت سنة 1961 وتحولها من الإمارة إلى الدولة، بأكثر من عقدين تقريباً، استثمرت البلاد جزءاً معتبراً من مداخيل النفط في قطاع التعليم عبر تطبيق نظام تعليمي شامل ومجاني يغطي كل المراحل، وبناء المزيد من المدارس والمعاهد المتخصصة، وابتعاث البنين والبنات إلى الخارج للالتحاق بالجامعات العربية والأجنبية بهدف إعداد كوادر وطنية مؤهلة لقيادة البلاد إدارياً وتنموياً.



ومما ورد في الأدبيات التربوية الكويتية أنه تم في عام 1936 تشكيل أول مجلس للمعارف برئاسة الشيخ عبدالله الجابر الصباح، رحمه الله، وهو المجلس الذي تحول إلى «دائرة المعارف» ثم شكل نواة وزارة التربية والتعليم بعد الاستقلال. وفي عام 1937 أشرف هذا المجلس على تأسيس «المدرسة القبلية» كأول مدرسة نظامية للبنات، وهي المدرسة التي خرّجت أول دفعة من الحاصلات على شهادة الثانوية العامة سنة 1956، وقد تم حينها ابتعاث سبع منهن إلى مصر لاستكمال دراستهن الجامعية على نفقة الدولة.



والحقيقة أن للشيخ عبدالله الجابر دوراً محورياً وطليعياً في تطوير العملية التربوية والتعليمية والارتقاء بأحوالها وأجهزتها ومناهجها ومنسوبيها منذ تسلمه دائرة المعارف، ولا سيما الشق المتعلق بتعليم الفتيات. إذ كان لشخصيته القيادية المتنورة والمؤمنة بأهمية التعليم، وضرورة أن تنال المرأة الكويتية نصيباً مماثلاً ومساوياً لما يتمتع به شقيقها الرجل من فرص، دور محوري في إقناع مجتمع الكويت القبلي، الذي كانت تغلب عليه الأمية وقتذاك، بفوائد إرسال الفتيات إلى المدارس.

فقد عرف من واقع خبرته الطويلة والمسؤوليات المتنوعة التي أنيطت به، أن التيار القبلي المحافظ سوف يقف له بالمرصاد، وسوف يتفنن في استخراج أسانيد من بطون الكتب القديمة للقول بأن إخراج النساء من بيوتهن إلى المدارس مفسدة وفتنة وفسوق وتغرب وغير ذلك من الادعاءات والمزاعم. وهذا بالضبط ما حدث حينما قامت قيامة البعض المتشدد، وانطلقت حملة شعواء من المساجد ضد المشروع إلى درجة أن المدرسة القبلية لم تشهد تسجيل أي فتاة عند افتتاح أبوابها.



لكن عبدالله الجابر لم يأبه، ولم يتراجع، ولجأ إلى أساليب الإقناع والترغيب. وكان مما فعله إرسال بناته إلى المدرسة والإعلان عن ذلك على الملأ، ثم إرسال مجموعة من فتيات الكويت المتعلمات إلى بيوت العائلات الكويتية لإقناعها بضرورة إرسال بناتها إلى المدارس مع وعد بتلقيهن المزايا والمساعدات والإعانات الحكومية شهرياً، الأمر الذي ساهم كثيراً في تراجع المعارضين عن مواقفهم السابقة.



كانت تلك مقدمة ضرورية للحديث عن رائدة من رائدات التعليم في الكويت، وإحدى أوائل الطالبات اللواتي غادرن البلاد في ستينيات القرن العشرين، ضمن أول دفعة ابتعاث إلى الخارج على نفقة الدولة للالتحاق بالجامعات المصرية، قبل عودتها إلى بلدها، حاملة شعلة التنوير لخدمة بلدها وبنات جنسها.



حديثنا هنا هو عن السيدة الفاضلة «سعاد السيد رجب الرفاعي». وسنستعين في توثيق مسيرتها ونشاطها وآرائها ودورها التربوي والاجتماعي والتثقيفي بالعديد من المصادر المنشورة، ولا سيما كتابها الموسوم «مذكراتي» الذي أصدرته في عام 2011 عن مؤسسة فهد المرزوق الصحافية، علاوة على ما ورد في المقابلات الصحفية والتلفزيونية التي أجريت معها في أوقات مختلفة.



بداية لا بد من الإشارة إلى أن دواعي توثيق سيرتها تكمن في تجربتها الثرية على مدى 30 عاماً، كانت خلالها شاهدة على أحداث ومتغيرات كثيرة، ومعاصرة لعدد من الشخصيات المؤثرة في تاريخ الكويت التربوي، خصوصاً وأنها تدرجت أثناء ذلك بين مختلف المناصب، بدءاً من معلمة، مروراً بالتوجيه والمراقبة، قبل أن تصبح أول وكيلة للتعليم العام بوزارة التربية والتعليم الكويتية. هذا ناهيك عن أنها شكلت نموذجاً للمرأة الكويتية العاملة التي نجحت بامتياز في التوفيق بين واجبات عملها في الدولة ومهامها الأسرية.

وعن هذه النقطة تحديداً قالت في حوارها مع صحيفة «القبس» (19/5/2021): «تجربتي الشخصية لا تختلف كثيراً عن تجربة العديد من النساء اللواتي لم يتركن الاهتمام بأسرهن لمصلحة عملهن، وهذا هو الأساس، فقد حملتُ عبء تربية أبنائي بنفسي ولكن من دون أن أتجاهل دور الأب وهيبته رغم انشغاله، فزوجي، رحمة الله عليه، د. نائل النقيب، كان جراحاً، وطبيعة عمله تلك فرضت أن أتحمل بنفسي مسؤولية البيت بأكمله وأرعى أبنائي حتى يتفرغ هو لعمله، وكان دائماً يقول (لولا سعاد ما نجحت في أدائي لعملي كطبيب)».

وعن دور الأم في المنزل وعما إذا كان قد تراجع قالت: «هناك من النساء من تراجع دورهن حيال الأسرة، لكنهن قلة، حيث انخفضت مسؤولياتهن برغبة منهن»، مشيرة إلى «أن التوفيق بين الأسرة والعمل ليس بالمهمة الصعبة، كما أن تربية الأبناء يجب ألا تترك لغير الأم».

تحدث عنها وزير التربية الكويتي الأسبق الدكتور يعقوب يوسف الغنيم في مقدمة كتابها «مذكراتي» الواقع في 430 صفحة من القطع المتوسط، فقال إنها أخت عزيزة وتنتمي إلى شجرة كريمة من السادة الرفاعيين، وأثنى عليها وعلى والدها وزوجها باعتبارهم من أعلام الكويت.

وكتب عنها أيضاً وزير التربية الأسبق الدكتور حسن الإبراهيم في المقدمة الثانية للكتاب فأشار إلى أن كتابها فيه ثلاث رسائل يمكن استشرافها. ففي الرسالة الأولى تصف المجتمع الكويتي في الأربعينيات والخمسينيات، والرسالة الثانية تتمثل في الوصف الدقيق والرسائل غير المباشرة التي تدعو القارئ إلى المقارنة بين وضع التعليم في ذلك الوقت والوضع الذي وصل إليه في الوقت الحاضر. وأضاف: «تريد الست سعاد في الوصف الجذاب للتعليم في الكويت أن تقول إن المدارس في الكويت في ذلك الوقت كانت مراكز جذب، لا طرد، بسبب تنوع النشاطات الثقافية والرياضية داخل المدارس».



ولدت «سعاد السيد رجب السيد عبدالله الرفاعي» في منطقة الجبلة (القبلة) من العاصمة الكويت في عام 1939، ابنة لأسرة كريمة معروفة. فوالدها هو السيد رجب السيد عبدالله الرفاعي، وهو علم من أعلام الكويت، ومن الرعيل الأول المتنورين والمثقفين. ولد في عام 1897، وكان نابغاً في الرياضيات، وقارئاً نهماً في الأدب والشعر، ومحباً لأخبار العرب ونوادرهم وتاريخهم، وتميز بشخصية مرنة واسعة الأفق والخيال.

وتقلد منصب مدير المالية بدائرة المعارف، وكان عضواً في مجلس المعارف لسنوات طويلة، وفي مطلع ستينيات القرن العشرين اختير ليشغل منصب أول سفير لدولة الكويت في تونس.

أما والدتها، فهي شريفة السيد طالب السيد رجب النقيب، ابنة السيد طالب باشا النقيب (1862 ــ 1929)، الزعيم السياسي العراقي، الذي كان مرشحاً لتولي عرش العراق، وبعد أن فاز الأمير فيصل بن الحسين (الملك فيصل الأول) بالعرش، صار أول وزير للداخلية العراقية، وهو ينحدر من أسرة تولت نقابة الأشراف في البصرة، وكانت ذات مكانة بارزة في العهد العثماني.

دخلت سعاد مرحلة الروضة في المدرسة القبلية، وفيها درست المرحلة الابتدائية والإعدادية، وواصلت دراستها حتى نالت شهادة الثانوية العامة.

وبعد ذلك حصلت على بعثة تعليمية إلى مصر، فسافرت برفقة ست طالبات كويتيات إلى القاهرة، حيث التحقت هناك بكلية الآداب في جامعة عين شمس، وتخصصت في علم النفس والفلسفة، وتخرجت في سبتمبر 1961.

أخبرتنا عن مرحلة طفولتها ومراحل تعليمها الأساسي داخل مدارس الكويت المتواضعة آنذاك فقالت إنها ارتبطت بالوطن، وإنها كبرت داخله وكبر معها عشق الكويت «وطني الذي أعطاني ما أريد، ولا أدري كم أعطيه»، والولاء لحكامه الذين عاصرت منهم 8 شيوخ بدءاً بالشيخ أحمد الجابر وانتهاءً بصاحب السمو الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، وأن مدارسه زرعت فيها، منذ أن كانت طفلة صغيرة بضفائر مزينة بشرائط بيضاء، مجموعة قيم نبيلة حرصت بدورها على أن تنبتها في وجدان أبنائها.

وتحدثت عن الدراسة في زمنها فقالت ما مفاده أن المدرسة كانت آنذاك جذابة وتشكل لها ولزميلاتها متعة، بساحاتها وعلومها وأنشطتها اللا صفية ومكتبتها المكتظة بقصص الأطفال وروايات المشاهير، فنهلت ثقافتها الأولى من مكتبتها المدرسية ومن الكتب التي كان أخوها عبد المطلب يزودها بها، وأضافت: «كانت المدرسة مرتعاً للعلم عقلاً وجسداً، وكان الكتاب المدرسي المقرر يضم بين صفحاته السلوكيات المطلوبة وبتداخلات محببة توصلها المدرسة لعقولنا».



وأخبرتنا أيضاً أنها كانت تطمح للدراسة الجامعية في بريطانيا، لكنها تفاجأت برفض والدها، الذي كان مرنا في تعامله معها وكان من أكبر المؤيدين لتعليم البنات وحصولهن على الشهادات الجامعية. تقول سعاد إن والدها برر رفضه بمصاعب التغرب والوحدة في بلاد بعيدة كبريطانيا، لكنه وافق على سفرها إلى مصر بسبب قربها وسفرها مع زميلات لها وسكنهن هناك معاً تحت إشراف مشرفات من وزارة المعارف الكويتية.



بعد عودتها إلى وطنها تم تعيينها معلمة لتدريس مادة الفلسفة في ثانوية المرقاب، فقالت عن هذه النقلة في حياتها: «لم أشعر بالرهبة أو القلق، ولم ينتابني التوتر وأنا أخطو خطواتي الأولى إلى ثانوية المرقاب، بل كنت سعيدة وأنا أدخلها معلمة بعد أن كنت طالبة فيها، حيث وجدت أكثر معلماتي وقد أصبحت الآن زميلة لهن، ورأيت بعض الطالبات ممن لم يتخرجن بعد ومجموعات أخرى في سن مناسبة للمرحلة».



في عام 1963 نالت ترقية فأصبحت وكيلة لمدرسة الخالدية، ثم نالت ترقية أخرى فأصبحت بموجبها ناظرة للخالدية لمدة عام واحد، ثم انتقلت إلى ثانوية الجزائر كناظرة لها، وذلك على إثر تحويل مدرسة الخالدية لمبنى الجامعة، وفي العام نفسه (1963) تزوجت من الطبيب الجراح نائل النقيب، رحمه الله. وفي عام 1967 حصل زوجها على بعثة دراسية إلى المملكة المتحدة لتحضير الماجستير، فسافرت معه، لكنها اضطرت للعودة إلى الكويت، فعادت للعمل بوزارة التربية والتعليم، كموجهة تربوية، فعملت موجهة لمدة سنتين ثم موجهة أولى لمدة ثلاث سنوات لمادة الاجتماعيات للمرحلة الثانوية.

ثم عينت مراقبة إدارة التعليم الثانوي، وبعد سنتين تم تعيينها مديرة للتعليم الثانوي، ثم أصبحت وكيلة وزارة مساعد للتعليم العام، فكانت أول وكيلة فعلية تمارس مهام الوكالة في الوزارة، لأن وكيلة الوزارة وقتها فضة الخالد (زميلتها في دفعة المبتعثات إلى مصر) كانت بدرجة مديرة عامة.

استمرت سعاد الرفاعي (أم هذيل) تعمل كوكيلة للتعليم العام مذاك إلى ما بعد تحرير الكويت، حينما عملت في ديوان وزارة التربية لمدة شهرين ثم قدمت استقالتها في عام 1991 إلى وزيرة التربية والتعليم آنذاك الدكتورة موضي الحمود، وتقاعدت عن العمل، منتقدة في كتاب الاستقالة أوضاع وزارة التربية والتعليم.

خلال فترة عملها في وزارة التربية والممتدة لحوالي 30 عاماً (من 1961 إلى 1991) قامت سعاد الرفاعي بالعديد من الزيارات الرسمية لبعض الدول العربية والأجنبية على رأس وفد رسمي كويتي للاطلاع على تجارب هذه الدول وتبادل التعاون في مجال التربية والتعليم. من تلك الزيارات زيارتها إلى البحرين في عام 1985 للاطلاع على نظام التعليم بمملكة البحرين، حيث صرحت قائلة: «إن الهيكل التنظيمي، وإن كان محتواه متقارباً مع هيكلنا التنظيمي في الكويت، إلا أن لديهم تجارب متجددة وجريئة».

وأخيراً فقد أنجبت سعاد الرفاعي لزوجها الجراح نائل النقيب ابنهما البكر هذيل الذي تخصص في طب وجراحة العظام، وتوفي في فراشه جراء سكتة قلبية في 13 أكتوبر 2012، ورثته أمه بمقال بعنوان «ما كنت أحسب أني سأبكيه» وأنجبت سعاد لزوجها أيضاً ابنتيهما: ريهام وهي أكاديمية حاصلة على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية، ولميس رئيسة قسم النشر الإلكتروني بجامعة الكويت.