نعيش في عصر يُعلي من شأن القرار الذكي والمنطق الصارم، ونحب أن نرى أنفسنا كائنات عاقلة تزن الأمور بميزان دقيق قبل أي خطوة مصيرية، وعلى هذه الصورة قامت فلسفات ومؤسسات، وبُنيت نظريات في الاقتصاد والسياسة تفترض فرداً يحسب مصالحه بدقة ويختار ما ينفعه، غير أن روبرت غرين يصدمنا في الفصل الأول من كتابه «قوانين الطبيعة البشرية» بحقيقة مغايرة يسميها «قانون اللاعقلانية»، فيقرر أن اللاعقلانية هي حالتنا الأصلية، وأن العقلانية مهارة نادرة لا نولد بها، ونكتسبها بالتدريب والممارسة..!

والحق أن غرين لم يأتِ بجديد بقدر ما أعاد إحياء جدل قديم حول سلطة العقل، ففي ذروة عصر التنوير، حين كان العقل يُعدّ طريق الخلاص من الخرافة، كتب ديفيد هيوم أن العقل خادم للأهواء، يدلّنا على الطريق، أما الرغبة فهي التي تدفعنا إلى السير فيه، وما كان تأملاً فلسفياً عند هيوم أكّده العلم في زمننا، فقد أوضح عالم النفس دانيال كانمان أن أغلب قراراتنا يصنعها تفكير حدسي سريع، ثم يأتي العقل المتأني فيكتفي في الغالب بالمصادقة عليها.

ويظهر هذا الوهم جلياً في علاقتنا بآرائنا، فحين نستبسل في الدفاع عن موقف ما، قلما نسأل أنفسنا إن كنا نحتكم إلى الحقائق، أم إلى كبرياء يأبى التراجع وصورة عن الذات نخشى أن تتصدع، فالعدول عن الرأي يبدو لنا هزيمة شخصية، كأن الفكرة صارت جزءاً من ذواتنا، ونحن نميل دون أن ندري إلى قناعات الجماعة التي ننتمي إليها خوفاً من العزلة، ثم نقنع أنفسنا بأنها ثمرة تفكير مستقل، وقد ضاعفت المنصات الرقمية هذا الميل، إذ تحيطنا بمن يشبهوننا وتكافئ الانفعال السريع على حساب التأمل، حتى صار النقاش العام في أحيان كثيرة ساحة لتبادل اليقينيات أكثر منه بحثاً مشتركاً عن الحقيقة..!

غير أن الاكتفاء بهذا التشخيص يوقعنا في ثنائية مضللة، تجعل العاطفة خصماً للعقل، والعقلانية انتصاراً عليها، فقد درس عالم الأعصاب أنطونيو داماسيو مرضى ضعفت استجابتهم العاطفية إثر إصابات دماغية، فوجدهم محتفظين بذكائهم وقدرتهم على التحليل، لكنهم عاجزون عن اتخاذ أبسط القرارات، كتحديد موعد أو اختيار مطعم، فيقلّبون الخيارات طويلاً دون أن يترجح أحدها، فالعقل يحصي المزايا والعيوب، أما الترجيح بينها فيتولاه الشعور، وهكذا يتضح أن العاطفة التي اتهمناها طويلاً بإفساد أحكامنا هي ما يمكّننا من الحكم أصلاً.

وإذا كانت العاطفة شريكة في كل قرار نتخذه، فأين تكمن المشكلة إذاً؟

تكمن في العاطفة التي تؤثر فينا ونحن لا ننتبه إليها، فحين ندرك ما نشعر به، فنقول لأنفسنا إننا خائفون أو غاضبون أو غيورون، يصبح الشعور أمام أعيننا ونستطيع أن نتعامل معه، أما حين لا ندرك وجوده فيتسلل إلى قراراتنا في صورة أفكار تبدو منطقية، ولنأخذ الغضب مثالاً، فمن يغضب من زميله ويعرف أنه غاضب يؤجل ردّه حتى يهدأ، أما من لا ينتبه إلى غضبه فيقنع نفسه بأن زميله مقصّر ويستحق العقاب، ويجمع لذلك الأسباب، ثم يتخذ قراراً قاسياً وهو يحسبه عادلاً ومدروساً، والعقلانية بهذا المعنى أن ننتبه لما نشعر به ونفهم أثره في قراراتنا، فلا نكتم مشاعرنا ولا نتركها تقودنا دون وعي، وطبيعتنا الانفعالية لا تعفينا من تحمّل نتائج ما نقرره، فما دمنا نعرف أن مشاعرنا تؤثر في قراراتنا، صار علينا أن ننتبه لها ونراقبها.

ولا يكفي أن ننتبه إلى مشاعرنا فقط، فالعقل نفسه قد يخدعنا، ولذلك يحتاج الإنسان إلى ألا يتعامل مع قناعاته كأنها حقائق نهائية، وأن يكون مستعداً لتغييرها، فمن يقول لنفسه «قد أكون مخطئاً» يبقى مستعداً لسماع الرأي الآخر والتعلم منه، أما من يثق بعقله ثقة مطلقة فيرى في كل اعتراض هجوماً عليه، فيتمسك برأيه ويغلق الباب أمام أي نقاش، وحين يقبل كل طرف احتمال أن يكون مخطئاً، يتحول الخلاف إلى بحث مشترك عن الصواب، ومن هنا يبدأ الحوار الحقيقي، وهذا التواضع المعرفي هو ما نفتقده اليوم، في زمن يتسابق فيه الناس إلى إصدار الأحكام، ويُعدّ فيه التريث ضعفاً، والاعتراف بالخطأ هزيمة.

وفي عالم صُمّم بإحكام ليخاطب غرائزنا ويستثمر اندفاعنا، يصبح أعقل الناس من يشك في عقلانيته، ويتوقف قبل أن يحكم، ويسأل نفسه بصدق عما يحركه حقاً، فاللاعقلانية طبيعة فينا، أما الوهم الحقيقي فأن نحسب أنفسنا في منأى عنها.