أصبح راسخاً لدينا كمختصين في علم القيادة وتطوير القيادات أن القياديين لا تصنعهم قاعات التدريب وحدها، بل تصقلهم التجارب والمواقف والقرارات الصعبة. فعندما شرعت في إعداد أطروحتي للدكتوراه عن القيادة في القطاع المالي، تكشفت لي جوانب خفية في شخصية القائد منها أن المعرفة بنظريات القيادة لا تعني بالضرورة المقدرة على ممارستها، وأن بعض القيادات تتقن الحديث عن التمكين أكثر مما تنجح في ترجمته إلى واقع عملي.
ومن واقع تجاربي في إعداد برامج تصقل مهارات القياديين في منطقتنا، وجدت أن التدريب الأكثر تأثيراً هو الذي ينتقل فيه المتدرب من مقعد المستمع إلى موقع المسؤولية. فالمرء يتعلم القيادة بممارستها، وتزداد فرص نجاحه حين يجد إلى جواره من هو أكثر خبرة، يحاوره ويوجهه دون أن يصادر قراراته. ومن هنا تأتي أهمية التوجيه القيادي الشخصي (Coaching) خصوصاً أن القائد قد يشعر بالعزلة في موقعه، ويتحرج أحياناً من البوح بمخاوفه، أو التحديات التي يواجهها أمام مرؤوسيه.
غير أن إعداد القادة لا يكتمل من دون تمكينهم. وهناك فارق جوهري بين التفويض Delegation والتمكين Empowerment. فالأول إسناد مهمة أو صلاحية محددة، أما الثاني فهو بناء الثقة والكفاءة والاستقلالية والقدرة على اتخاذ القرار وتحمّل تبعاته. فقد يفوض المدير عشرات المهام، لكنه يظل محتفظاً بكل القرارات المهمة، فيترك وراءه موظفين منشغلين بأمور هامشية، دون أن تصقلهم التجارب الحقيقية.
والمفارقة أن القائد الناجح نفسه قد يصبح عائقاً أمام استدامة القيادة، حين يحتكر المعرفة والصلاحيات والعلاقات، حتى تصبح المؤسسة معتمدة عليه في كل صغيرة وكبيرة. وهذا يقودنا إلى تساؤل بديهي: هل القائد الذي تتوقف مؤسسته عند غيابه يُعدّ قائداً ناجحاً بالفعل؟
كما أن منح الصلاحيات وحده لا يكفي. فقد أظهرت دراسات الباحثة إيمي إدموندسون أهمية «الأمان النفسي» في تشجيع التعلم والمبادرة داخل فرق العمل. فالموظف الذي يخشى الإهانة أو العقاب لمجرد الاعتراف بخطأ أو طرح رأي مخالف، قد يتردد في استخدام الصلاحيات الممنوحة له. ولذلك ينمو التمكين في البيئات التي تسمح بطرح الأسئلة وخوض التجارب والتعلم، دون أن تتغاضى عن المساءلة.
ولذلك نولي كأعضاء مجالس إدارة أهمية خاصة لما يسمى بـ«خطة التعاقب القيادي»، أي مَن سيخلف مَن في الإدارة عند شغور المنصب. وهي ليست مجرد قائمة بأسماء البدلاء على طريقة كرة القدم، بل هي عملية مستمرة لاكتشاف المواهب وتأهيلها واختبار جاهزيتها بشكل مستمر. فالاستدامة لا تتحقق بوجود قائد استثنائي، بل بوجود منظومة تستطيع إعداد قادة متعاقبين. ولذلك تسعى الجهات العامة والخاصة إلى توفير برامج تدريبية قيادية رفيعة المستوى لصقل كوادرها البشرية.
ومن هذا المنطلق، استوقفني توجه مركز محمد بن راشد لإعداد القادة نحو ترسيخ استدامة التمكين القيادي، وتكريم القيادات التي تستثمر في إعداد الصف الثاني عبر «وسام محمد بن راشد للقيادة» الذي ناله هذا العام معالي مروان بن غليطة مدير عام بلدية دبي. وروعة هذه المبادرة في أنها تجاوزت إنجازات الفرد الشخصية إلى أثره الممتد في نفوس الآخرين. وقد رأينا ذلك جلياً في أحد التقارير المصورة لـ «البيان» للموظفين الذين عبّروا بمشاعر عفوية عن حبهم لهذا القائد الذي مكنهم وآزرهم في السراء والضراء. ونال القيادي الفذ معالي محمد القرقاوي وشاح محمد بن راشد في تكريم مستحق لرجل دولة.
أرى أن القيادة الحقيقية لا تُقاس بما ينجزه القائد في حضوره فحسب، بل بما يستطيع الآخرون إنجازه في غيابه. وهذا هو مربط الفرس.