قرأت مؤخراً خبراً عن إطلاق الدفعة الأولى من برنامج الزمالة العالمية، الذي تنظمه هيئة الثقافة والفنون في دبي، بالتعاون مع منتدى المدن الثقافية العالمي، لإعداد جيل جديد من صنّاع السياسات الثقافية. أعجبني في الخبر أن دبي لا تفكر في الأنشطة الثقافية، التي تقام اليوم فقط، بل تفكر أيضاً في الأشخاص الذين سيتولون مسؤولية تطوير العمل الثقافي في السنوات المقبلة.

يضم البرنامج 20 متخصصاً، 5 منهم من دبي، والبقية من 15 مدينة عالمية، ويستمر 6 أشهر، بالتعاون مع مؤسسات دولية، من بينها جهات تابعة لجامعة أكسفورد ومعهد أسبن، وأرى أن وجود مشاركين من مدن مختلفة يمنح البرنامج قيمة إضافية، لأن لكل مدينة تجربتها وظروفها، وما ينجح في مدينة قد نستفيد منه في مدينة أخرى، مع مراعاة اختلاف المجتمعات وثقافاتها.

كثيراً ما نتحدث عن نجاحات دبي الاقتصادية والعمرانية والسياحية، لكن اهتمامها بالثقافة والمعرفة يستحق الحديث أيضاً، فالمكتبات والمهرجانات والفعاليات الثقافية، التي نشهدها اليوم لم تأتِ من فراغ، وإنما جاءت نتيجة اهتمام مستمر بهذا الجانب المهم من حياة المجتمع.

وما أعجبني أكثر في هذه المبادرة أنها لا تكتفي بتدريب أشخاص على إدارة الأنشطة الثقافية، بل تهتم بإعداد من يستطيعون وضع السياسات والتخطيط للمستقبل، وهنا يكمن الفرق بين الأمرين، فالمعرض أو المهرجان قد يستمر أياماً وينتهي، أما السياسة الثقافية الناجحة فقد يستمر أثرها سنوات طويلة، ومن الجيد أيضاً أن المشاركين من دبي لا يمثلون المؤسسات الثقافية وحدها، بل يأتون من قطاعات أخرى، مثل التعليم والإعلام والنقل، وهذا أمر مهم، لأن الثقافة ليست مسؤولية جهة واحدة، وينبغي ألا تظل محصورة في الكتب والمعارض والمسارح، فهي حاضرة في التعليم، وفي طريقة تعامل الناس مع بعضهم البعض، وفي احترامهم للاختلاف، وفي علاقتهم بمدينتهم ومجتمعهم.

نجاح هذه المبادرة لن يكون بمجرد انتهاء البرنامج وحصول المشاركين على شهاداتهم، بل بما سيقدمونه بعد ذلك من أفكار ومشروعات، يستفيد منها المجتمع، وننتظر أن نرى أثرها في المدارس والجامعات والمكتبات، وأن تصل إلى الشباب والكتّاب والمبدعين، وأن تفتح المجال أمام مواهب جديدة ربما لم تجد فرصتها بعد.

لقد حققت دبي نجاحات واضحة في مجالات عديدة، وأعتقد أن اهتمامها بإعداد قيادات ثقافية قادرة على التفكير والتخطيط خطوة تستحق التقدير، فالمدينة التي تهتم بمستقبل اقتصادها وعمرانها من الطبيعي أن تهتم أيضاً بمستقبل ثقافتها.

وأتمنى أن تتحول الخبرات التي يكتسبها المشاركون في هذه الزمالة إلى عمل نراه على أرض الواقع، وأن يستفيد منها الناس، لأن الثقافة في النهاية ليست بعدد الفعاليات التي نقيمها، وإنما بما تتركه من أثر في الإنسان والمجتمع.