صدر بيان النائب العام لدولة الإمارات العربية المتحدة، حمد سيف محمد الشامسي، بعد تسعة أيام من وصول الطيار ومساعده إلى أبوظبي لإجراء التحقيق الخاص بحادثة طائرة فلاي دبي. تسعة أيام فقط ومن بعدها عُرضت الحقائق للرأي العام المحلي والدولي فور جاهزيتها بكل شفافية ووضوح، وهذا لتعلم أن دولة الإمارات العربية المتحدة الواثقة من نفسها ومن سياستها التي تعتمد الشفافية التامة في إجراءاتها، ولتعلم الأهم أنها تعتمد المهنية المتجردة من الأهواء السياسية في الوصول إلى النتائج من بعد استيفاء التحقيق.

لذلك ستجد شتان بين القصة وأبعادها وما قيل حولها وما تم تداوله في الأيام الأولى، وبين أبعاد القصة بعد بيان النائب العام لدولة الإمارات، فقد تقلص الإطار التداولي إلى حادث فردي تبعاته ستبقى في إطارها المحدود بالشخص المعني ما لم يستجد جديد وهو ما أعلن عنه النائب العام، نعم إنه حادث إرهابي كما تم تصنيفه ولا يقلل ذلك من خطورته، إنما نتائج التحقيق المهني والاحترافي ومعه البيان سحبوا البساط من جميع من أقاموا سرادق البيع والشراء والتجارة للاستفادة والمتاجرة من هذه القصة، فأغلق البيان الاحترافي للنائب العام السوق بسرعة لم يمنحها فرصة الطرح والمزايدة.

ليس من السهل أبداً العمل بهدوء تحت هذا الضغط الدولي الذي تصاعد منذ اللحظات الأولى للحادثة، ومنذ ذلك الحين ودكاكين المتاجرة فتحت أبوابها وبدأ البيع وأهم السلع المعروضة في قصة الطائرة كانت سمعة دولة الإمارات ومصداقيتها، وفي حادثة استقطبت جميع وسائل الإعلام العالمية كانت السوق الاستعراضية كبيرة وواسعة وشاركت فيها جميع المنصات الدولية من أراد التربح من خلال السبق الإعلامي ومن أراد الاستغلال لأغراض في النفس، الكل يدلي بدلوه، فوجدت السلطات الإماراتية نفسها تحت ضغط الاستعجال وضغط الاستغلال، ما يجعل التروي بالعمل واستخراج النتائج تحت هذا الظرف كمن يمسك على الجمر بيديه ويتحمل ألم الاحتراق لكنه يصر على إنجاز المهمة كأن شيئاً لا يحدث خارج جدران مبنى التحقيق.

تلك أقصى درجات الاحتراف والمهنية وهذه كانت نتيجة الثقة التي أعطيت للعاملين في التحقيق من قبل القيادة الإماراتية دون ضغط ودون استعجال، الحقيقة هي المسعى والهدف ولا شيء غيرها، فصدر البيان الذي وضع النقاط على الحروف بهدوء تام ونجح في فض سوق المزايدات المعقودة، وعاد كل المتربصين بالدولة بخفي حنين، وبقيت الحقيقة ساطعة واضحة وبسيطة رغم خطورتها وبشاعة مآلاتها لو قدر لها النجاح.

هذه الحادثة بكل ملابساتها تثبت إلى جانب ما سبقها من حوادث كانت بمثابة الامتحانات بأن هذه الدولة ليست ناطحات سحاب ولا آخر المبتكرات، إنما هي دولة مؤسسات وكفاءات وطنية ونظم وخبرات تراكمية حرقت مراحل باجتهادها لا بأموالها، فالأموال موجودة لدى كثيرين وأكثر مما لدى الإمارات، إنما حرقت المراحل وقفزت لأنها دولة كونت لها هذه الشخصية الفذة التي وضعتها مخرجاتها الوطنية مجتمعة بمكانة لا تقبل أن تكون إلا في الصف الأول بين الدول، يكفي أن تقرأ البيان وتقيس ظروف صدوره وحيثيات بيانه لتعرف عما نتحدث.