من السهل أن ننظم فعالية للشباب، وأن نجمع عدداً من الورش والجلسات تحت عنوان واحد، لكن الأصعب أن نصنع من هذه الفعالية حركة شبابية لها معنى، وتترك أثراً بعد أن تُطفأ أضواء القاعات وينتهي البرنامج. وهذا، في تقديري، هو الجانب الذي يستحق أن نتوقف أمامه في تجربة «أيام الفجيرة للشباب 2026».

فعندما أعلن مجلس الفجيرة للشباب عن الأيام التي أقيمت خلال الفترة من 10 إلى 13 أغسطس تحت شعار «من الأسرة إلى المستقبل الذكي»، لم يكن اللافت بالنسبة لي عدد الفعاليات بقدر ما كان لافتاً شكل المنظومة التي وقفت خلفها؛ مشاركة 15 مجلساً شبابياً مؤسسياً في الإمارة، إلى جانب جهات وشركاء متعددين، في مساحة واحدة تتقاطع فيها الأفكار والخبرات والمبادرات.

وهنا تكمن قيمة التجربة، لأننا أمام انتقال مهم من مفهوم «العمل للشباب» إلى مفهوم أكثر نضجاً هو «العمل بواسطة الشباب». هناك فرق كبير بين أن نصمم للشاب برنامجاً ونطلب منه الحضور، وبين أن تمنحه المؤسسة المساحة ليقترح وينظم ويقود وينفذ ويقيّم التجربة بنفسه. في النموذج الثاني لا نصنع مشاركاً في فعالية، وإنما نصنع شخصاً يتعلم كيف يتحمل المسؤولية ويقود فريقاً ويحوّل الفكرة إلى مشروع. وما حدث في الفجيرة اقترب كثيراً من هذا النموذج.

إن مستقبل المجالس الشبابية لا يجب أن يقوم على عمل كل مجلس بمعزل عن الآخر، وإنما على تكامل الخبرات والموارد والأفكار، وهذه ثقافة مؤسسية مهمة جداً، فالمجالس الشبابية عندما تعمل منفردة قد تنتج عشرات المبادرات الجيدة، لكن عندما تعمل كشبكة واحدة يمكنها إنتاج مبادرات أكبر وأعمق وأكثر استدامة.

تنوع البرنامج نفسه حمل رسالة، فمن الذكاء الاصطناعي ونظم المعلومات الجغرافية وتحويل البيانات إلى قرارات ذكية، وريادة الأعمال والعقلية الريادية، وصولاً إلى الصحة النفسية والفنون والهوية والرياضة والسلامة المجتمعية؛ وبدا واضحاً أن هناك محاولة للنظر إلى الشاب باعتباره إنساناً متكاملاً، وليس مجرد موظف نريد أن نضيف إلى سيرته الذاتية مجموعة من الدورات.

الفكرة قائمة على تحفيز المجالس الشبابية وتنفيذ مبادرات نوعية وتوثيق إنجازاتها طوال العام، وفق معايير ترتبط بالريادة والابتكار والأثر، بما يوجد تنافساً إيجابياً بينها. والطموح المعلن بتوسيع التجربة مستقبلاً على مستوى اتحادي يؤكد أن المبادرة تتجاوز حدود المناسبة المؤقتة، وهنا تحديداً نصل إلى جوهر ما أعجبني في «أيام الفجيرة للشباب»، الانتقال من النشاط إلى الأثر.

النجاح في العمل الشبابي لا يُقاس بعدد الصور المنتشرة، ولا بعدد الحضور، ولا حتى بعدد الورش التي تم تنفيذها، على أهمية كل ذلك. النجاح الحقيقي يبدأ بالسؤال الأصعب، إذا خرجت من هذه الأيام شراكات جديدة بين المجالس، ومبادرات مشتركة، وشباب أكثر قدرة على القيادة، وأفكار تحولت إلى مشاريع، ومنصات استمرت بعد انتهاء الحدث، فهنا نكون أمام نموذج مختلف للتمكين.

وأعتقد أن الخطوة المقبلة يمكن أن تكون أكثر طموحاً، أن تتحول «أيام الفجيرة للشباب» مستقبلاً إلى موعد سنوي لعرض حصاد الأثر الشبابي في الإمارة، عندها لن تكون الأيام مجرد مناسبة مرتبطة باليوم الدولي للشباب، بل منصة تصنع برنامج شبابية محلية لعام كامل. وما يحسب لمجلس الفجيرة للشباب وللمجالس الشبابية المشاركة أن التجربة كشفت عن طاقات شبابية موجودة بالفعل داخل مؤسسات الإمارة، تحتاج فقط إلى المساحة والثقة والتنسيق بينها. وهذا ربما هو أهم درس. نحن لا نحتاج دائماً إلى أن نقول للشباب إنهم قادة المستقبل، لأن هؤلاء تحديداً هم الرهان الحقيقي للمستقبل.