في كل صباح نستيقظ على مئات الأخبار والرسائل ومقاطع الفيديو. يكفي أن تفتح هاتفك لدقائق حتى تجد نفسك أمام سيل لا ينتهي من المعلومات، ليخيّل إليك أننا نعيش أكثر العصور معرفة في تاريخ البشرية. لكنني، كلما ازداد ما نقرأ، ازددت اقتناعاً بأن المشكلة لم تعد في قلة المعلومات، بل في ندرة الحقيقة. لقد أصبح الوصول إلى الخبر سهلاً، أما الوصول إلى الحقيقة التي تقف خلفه فأصبح يحتاج إلى صبر، وإلى عقل لا يكتفى بما يراه، ولا يردد ما يسمعه، ولا ينحاز لما يوافق هواه.
ولعل أخطر ما صنعته وسائل التواصل أنها لم تمنح الجميع فرصة التعبير فحسب، وإنما منحت الجميع أيضاً فرصة الادعاء بالمعرفة. فأصبح الرأي يُقدَّم على أنه حقيقة، والشائعة تُتداول وكأنها خبر، والصوت الأعلى يُظن أنه الصوت الأصدق.
ولم تعد المشكلة فيمن يكذب، فالكذب قديم قِدم الإنسان، وإنما في السرعة التي ينتشر بها، وفي استعداد الناس لتصديقه دون أن يمنحوا عقولهم دقيقة واحدة للتساؤل: هل هذا صحيح؟ إن الحقيقة لا تخشى السؤال، بل ترحب به، أما الزيف فإنه يعيش على الاستعجال، ويخاف من التحقق، ويزدهر كلما توقف الناس عن التفكير.
ولهذا، فإن مسؤولية الباحث عن الحقيقة لم تعد أن يقرأ أكثر، وإنما أن يتأنى أكثر، وأن يدرك أن كثرة المعلومات لا تعني كثرة المعرفة، وأن كثرة المتحدثين لا تعني كثرة الحكماء. لقد أصبح من السهل أن نشارك خبراً، لكن الأصعب أن نتحمل مسؤولية نشره. وأصبح من السهل أن نكوّن رأياً، لكن الأهم أن يكون هذا الرأي مبنياً على فهم، لا على انفعال.
إن الأمم لا تتقدم بكثرة ما تعرف، وإنما بطريقة تعاملها مع ما تعرف. فالحقيقة ليست مجرد معلومة، بل هي قيمة، واحترام للعقل، وأمانة في الكلمة، وعدل في الحكم. وفي زمنٍ أصبح فيه الوصول إلى المعلومة لا يحتاج إلا إلى ثوانٍ، بقي الوصول إلى الحقيقة يحتاج إلى فضيلة لا تزال نادرة... اسمها: الإنصاف! فالحقيقة لا تصرخ دائماً... لكنها تبقى آخر ما يسقط.