«الإنسان هو مبتدأ التنمية ومنتهاها».. هذه اللبنة الفلسفية التي أرساها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، لم تكن يوماً مجرد شعار مؤسسي، بل هي البوصلة الاستراتيجية التي تصوغ من خلالها دبي نموذجها العالمي الفريد. واليوم، ونحن نمضي بثقة نحو تحقيق مستهدفات أجندة دبي الاجتماعية 33، فإننا لا نبني قطاعاً اجتماعياً تقليدياً، بل نشيّد بنية تحتية إنسانية ترتكز على جودة الحياة والتلاحم المستدام.
إن التحول الجذري الذي تشهده إمارة دبي يتطلب فكراً جديداً في إدارة رأس المال الاجتماعي. ومن هنا، يبرز «القطاع الثالث»—بما يمثله من جمعيات نفع عام ومؤسسات أهلية—ليس كجهة مساندة للجهود الحكومية، بل كـ«شريك استراتيجي أصيل» ومحرك أساسي في هندسة الأثر الاجتماعي وتصميم المستقبل.
إن مقياس ريادة المدن العالمية لم يعد ينحصر في مؤشراتها الاقتصادية أو العمرانية فحسب، بل في صلابة نسيجها المجتمعي، وقدرة قطاعها الثالث على الابتكار والاستجابة الحية لتطلعات الأفراد.
لقد تجاوزنا في دبي مرحلة «العمل الخيري النمطي»، ونقود اليوم عبر هيئة تنمية المجتمع تحولاً شاملاً لـ 146 مؤسسة نفع عام في الإمارة. هدفنا الأسمى ليس الإشراف والحوكمة فقط، بل «التمكين والتحفيز»؛ لنقل هذه المؤسسات من أطر العمل التقليدية إلى نماذج تنموية مستدامة، تمتلك الكفاءة الابتكارية، والقدرة الماليّة، والأثر الملموس.
ومن هذا المنطلق الاستشرافي، أطلقنا برنامج «إثراء»؛ ليكون المنصة الاستراتيجية الحاضنة لتطوير وبناء قدرات هذا القطاع. «إثراء» ليس مجرد مبادرة تدريبية، بل هو ميثاق عمل جديد يرتكز على الحوكمة الرشيدة، واستدامة رأس المال البشري، والتميز المعرفي. إننا نؤسس لثقافة ومفهوم «قياس الأثر الاستراتيجي»، لضمان أن كل جهد مجتمعي يصب مباشرة في تعزيز الاستقرار الأسري وتمكين الهوية الوطنية.
إننا نؤمن في هيئة تنمية المجتمع بأن بناء مجتمع حيوي وممكّن هو مسؤولية تشاركية تتكامل فيها الأدوار بين القطاع الحكومي، والخاص، والثالث. دبي تقدم اليوم للعالم نموذجاً ملهماً في التلاحم؛ مدينة تحتضن الإنسان، وتستثمر في طاقاته، وتجعل من العطاء المجتمعي قوة دفع حضارية. وستبقى دبي دائماً عاصمة عالمية للإنسان، ومختبراً مفتوحاً لصياغة السياسات الاجتماعية السبّاقة، مستندين إلى قطاع ثالث قوي، فاعل، ومؤمن بأن صناعة الأثر هي أسمى غايات التنمية وركيزة جودة الحياة في الإمارة.