عندما وطأت قدماي مطار لندن هيثرو في أوائل السبعينيات من القرن الماضي، كانت تلك أول مرة تخطو خطاي خارج دبي والإمارات إلى بلد أجنبي. في المدينة كانت دهشتي يمكن وصفها بالذهول، إذ لم تصدق عيناي ما تريان. حتى الرصيف المبلط رأيته أعجوبة، وذلك لأنني طول عمري، ومثل آخرين ممن عايشوا بدايات الاتحاد، لم تكن أقدامنا تطأ غير الرمل. نخطو خارج الخيمة إلى الرمل ونسير على الرمل. الرمل يحيط بنا ولا نرى غيره سوى البحر. كنا نعيش في بحر من الرمل، فكيف لا يدهشني حتى الاستغراب من رصيف لندن، ناهيك عن مبانيها وشوارعها وفنادقها ومحلاتها وحوانيتها وسياراتها وقطاراتها والكهرباء التي تضيء لنا المصابيح بكبسة زر وغير ذلك مما جعلنا مثل أليس في بلاد العجائب!

ذلك عمر مضى حين ذهبنا أفواجاً من خريجي الثانوية العامة للدراسة في الخارج، إذ لم يكن لدينا جامعات ولا كليات باستثناء عدد محدود على مستوى الإمارات من المدارس الثانوية التي كانت هي أعلى المستويات التعليمية في ذلك الوقت، وقد تخرجنا منها وكان لا بد من الدراسة الجامعية في الخارج: بيروت والقاهرة وبغداد ولندن وأمريكا، فالدولة الوليدة بحاجة إلى أجيال متعلمة تسهم في نهضة البلاد التي غادرها الوجود البريطاني وهي في حالة فقر أسوأ حتى من دول العالم الثالث في ذلك الوقت. 

كان الانتقال من مكان إلى آخر يتم إما مشياً على الأقدام، أو على ظهور الرواحل من جمال أو حمير، أو في بطون القوارب والسفن، ولما بدأ دخول السيارات كان اللندروفر والبدفورد هما الناقلان الوطنيان لقدرتهما على قطع المسافات والرمال والصحراء وشاطئ البحر من إمارة إلى أخرى، وحتى في الإمارة الواحدة. ولا أعرف إن كان من حسن حظنا أو من سوء حظنا أننا شهدنا شيئاً من المتاعب والصعاب التي عاناها الآباء والأولون حتى جاءتنا مع البشائر المبكرة رغم شحها. فهنا شق طريق طيني ترويه شاحنات بالماء كل يوم لكي يحافظ على صلابته ولا يثير الغبار. وهذه أول ماكينة لتوليد الكهرباء تعمل لعدة ساعات في اليوم لإنارة المسجد وبعض المنازل. وهذه ثلاجات تعمل بالغاز يتم استيرادها من الخارج لتبريد الماء وحفظ بعض المشروبات والأطعمة المحدودة ذلك الزمان.

وهذه سيارة تمر في الطريق فنقف جميعاً لنشاهدها، وكأنها حدث يستحق أن نتوقف عنده. وهذا أول هاتف يصل إلى الحي، فنظل نتأمل ذلك الجهاز العجيب الذي ينقل الصوت من مكان إلى آخر من دون أن نرى صاحبه. أما التلفزيون فكان حكاية أخرى؛ صندوق صغير تتجمع حوله العائلة والجيران، وتتحول الشاشة إلى نافذة نطل منها على عالم لا نعرفه إلا من خلال الصور.

لم تكن الأشياء كثيرة، لكنها كانت كافية لأن تجعلنا نشعر بأن العالم يتغير من حولنا. وكانت كل وسيلة جديدة تصل إلينا تحمل معها معنى أكبر من وظيفتها. السيارة لم تكن مجرد وسيلة نقل، والكهرباء لم تكن مجرد إنارة، والهاتف لم يكن مجرد وسيلة للحديث، بل كانت جميعها إشارات إلى أن الحياة القديمة التي عرفناها بدأت تتراجع شيئاً فشيئاً، وأن حياة أخرى تولد أمام أعيننا.

ثم جاء الاتحاد، فجاء معه الفرق الكبير.

لم يكن الاتحاد في نظر جيلنا مجرد حدث سياسي أو إعلان دستوري؛ كان بالنسبة لنا انتقالاً من زمن إلى زمن، ومن إمارات متباعدة المسافات والموارد إلى دولة لها راية واحدة واسم واحد ومستقبل واحد. كنا نرى الطرق تمتد، والمدارس تزداد، والمستشفيات تفتح أبوابها، والدوائر الحكومية تنشأ، والمطارات تتوسع، والبعثات الدراسية ترسل أبناءها إلى مختلف أنحاء العالم.

وفي خضم ذلك كله كنا نحن، جيل البدايات، نعيش التحول ونتعلم منه.

أذكر أنني حين غادرت إلى لندن للدراسة لم أكن أحمل معي حقيبة ملابس وكتباً فحسب، بل كنت أحمل عالماً كاملاً من الأسئلة. كيف يعيش الناس هنا؟ كيف وصلت مدنهم إلى هذا التنظيم؟ كيف استطاعوا أن يجعلوا من الشوارع والحدائق والمباني ووسائل النقل منظومة تعمل بهذا الانضباط؟ وكيف يمكن لبلد خرج لتوه من ظروف شديدة الصعوبة أن يلحق بهذا الركب؟

كانت المقارنة بين دبي ولندن قاسية في ظاهرها، لكنها كانت في حقيقتها باعثة على الأمل. فقد أدركنا أن الفارق بيننا وبين تلك المدن لم يكن قدراً محتوماً، وإنما كان نتيجة تراكم طويل من التعليم والخبرة والعمل والمؤسسات. وإذا كان الطريق قد بدأ عندنا متأخراً، فهذا لا يعني أننا لا نستطيع أن نسير فيه بسرعة.

ولذلك لم يكن ابتعاثنا إلى الخارج مجرد رحلة للحصول على شهادة. كنا، من حيث ندري أو لا ندري، نذهب لكي نتعلم كيف تُبنى الدول الحديثة. كنا نتعلم في قاعات الجامعات، ونراقب في الوقت نفسه الشوارع والمؤسسات والمصانع والمطارات والمكتبات والقطارات. كانت المدينة نفسها كتاباً مفتوحاً أمامنا.

وحين كنا نعود إلى الوطن في الإجازات، كنا نشعر بأن دبي أيضاً لا تنتظرنا في المكان نفسه. في كل مرة نعود فيها نجد شيئاً جديداً: شارعاً شُق هنا، مبنى أقيم هناك، مدرسة افتتحت، مستشفى توسع، أو مشروعاً بدأ. وكأن الوطن الذي غادرناه قبل أشهر كان يركض في غيابنا ليلحق بالمستقبل.

ولعل أجمل ما في تلك السنوات أننا لم نكن ندرك تماماً أننا نعيش لحظة تاريخية. الإنسان حين يعيش التحول لا يرى الصورة كاملة؛ يرى تفاصيل صغيرة متناثرة. يفرح بالطريق الجديد، ويتعجب من السيارة الجديدة، وينتظر الراتب، ويسافر في أول رحلة بالطائرة، ويشتري أول جهاز حديث، ثم يمضي يومه كالمعتاد. لكن السنين حين تتراكم، وحين يلتفت الإنسان إلى الوراء، يكتشف أن تلك التفاصيل الصغيرة كانت في مجموعها تصنع قصة وطن بأكمله.

لقد انتقلنا خلال عقود قليلة من مجتمع كانت فيه الخيمة والعرشان وبيوت الطين هي المأوى، وكانت فيه المسافة تقاس بقدرة الراحلة على السير، إلى مجتمع أصبحت فيه الطائرة أسرع وسيلة للانتقال بين القارات، وأصبحت الطرق والجسور والمطارات والموانئ جزءاً من المشهد اليومي. انتقلنا من مصباح يعمل ساعات محدودة إلى مدن لا تنام، ومن ثلاجة تعمل بالغاز إلى عالم تتحكم فيه التقنية في تفاصيل حياتنا، ومن مدرسة ثانوية هنا وهناك إلى جامعات ومراكز بحث ومؤسسات تعليمية تستقطب أبناء العالم.

لكنني كلما رأيت هذا التغيير الهائل لا أستطيع أن أنسى الرمل.

ربما لأن الرمل كان أول ما عرفناه، وأول ما مشينا عليه، وأول ما رسمنا عليه أحلام طفولتنا. كان الرمل طريقنا وساحتنا وملعبنا، وكان أيضاً حدود عالمنا. ثم جاء الزمن فوسع تلك الحدود حتى أصبح العالم كله أمامنا.

لهذا فإن رصيف لندن الذي أدهشني في أوائل السبعينيات لم يعد مجرد رصيف في ذاكرتي. لقد أصبح رمزاً للحظة اكتشفت فيها أن العالم أوسع بكثير مما كنا نعرف، وأن الأمم تستطيع أن تنتقل من حال إلى حال إذا امتلكت الإرادة والرؤية والإنسان القادر على تحويلهما إلى واقع.

وحين أتأمل اليوم ما وصلت إليه الإمارات، أجد أن أكثر ما يدهشني ليس ارتفاع الأبراج ولا اتساع الطرق ولا ضخامة المطارات، على أهميتها كلها، وإنما المسافة التي قطعها الإنسان الإماراتي نفسه.

ذلك الفتى الذي كان يخرج من الخيمة إلى الرمل، ويسافر على ظهر الجمل أو في سيارة لندروفر، وينتظر الكهرباء لساعات محدودة، هو نفسه الذي أصبح يسافر بالطائرة إلى أبعد مدن العالم، ويدرس في أرقى جامعاته، ويعمل في مؤسساته، ويبني في بلاده مدناً تنافس مدن العالم.

وهنا تكمن الحكاية الحقيقية.

فالأوطان لا تقاس بما تملكه فقط، وإنما بما استطاعت أن تصنعه من الإنسان. والثروة مهما عظمت لا تصنع نهضة إذا لم تتحول إلى تعليم وصحة وبنية أساسية وفرص وعقول تعرف كيف تستثمرها. ولعل أعظم ما حدث في تلك السنوات أن الدولة لم تكتفِ ببناء الحجر، بل شرعت في بناء الإنسان.

وعندما أتذكر ذلك الشاب الذي وقف ذات يوم في مطار هيثرو مبهوراً برصيف مبلط، لا أضحك من دهشته، بل أتعاطف معه. فقد كان ينظر إلى العالم بعين إنسان خرج لتوه من زمن مختلف تماماً. ولم يكن يعلم أن بلده الذي تركه خلفه سيقطع خلال عقود قليلة مسافة ربما احتاجت دول أخرى إلى قرون لقطعها.

كانت دهشة لندن إذن بداية سؤال، ولم يكن السؤال عن لندن وحدها.

كان السؤال: هل نستطيع أن نصنع في بلادنا شيئاً يشبه هذا؟

وكانت الإجابة التي جاءت مع السنوات أكبر من كل ما كنا نتخيل.