حين تكمل جائزةٌ إعلامية ربع قرن من مسيرتها، فإن الحديث لا يعود عن منصة للتكريم أو حفل سنوي لتوزيع الجوائز، بل عن ذاكرة مهنية عربية تشكلت على مدى 25 عاماً، ورافقت تحولات الصحافة والإعلام، واحتفت بمن صنعوا الكلمة والصورة والموقف المهني المؤثر.
وهذا تحديداً ما تمثله جائزة الإعلام العربي وهي تحتفي بدورتها الـ25؛ محطة تتجاوز رمزية اليوبيل الفضي لتختصر مسيرة مشروع عربي انطلق من دبي، واستطاع أن يتحول إلى واحدة من أبرز منصات تقدير الإبداع والتميز الإعلامي في المنطقة. وقد بدأت الجائزة عام 1999 تحت مسمى «جائزة الصحافة العربية»، بهدف الإسهام في تطوير الصحافة العربية وتشجيع الصحفيين على الإبداع والتميز.
ومن يتأمل السنوات الـ25 الماضية، يدرك حجم التحول الذي عاشته المهنة نفسها. تغيرت غرف الأخبار، واختفت أدوات وحضرت أخرى، وانتقلت الصحافة من الورق إلى المنصات الرقمية، وتحولت الكاميرا من الاستوديوهات الكبيرة إلى هاتف محمول يمكنه نقل حدث إلى ملايين المتابعين خلال ثوانٍ. ومع ذلك، بقيت القيمة الأساسية التي يحتاجها الإعلام ثابتة: المصداقية، والاحتراف، والمسؤولية، والقدرة على صناعة التأثير.
فهي لم تكن مجرد شاهد على تحولات الإعلام العربي، بل سعت إلى التطور معها. وفي عام 2021، تحولت «جائزة الصحافة العربية» إلى «جائزة الإعلام العربي» لتصبح أكثر شمولاً مع اتساع المشهد الإعلامي وتعدد منصاته وأشكاله. واليوم تضم الجائزة مسارات للصحافة العربية والإعلام المرئي، تشمل مجالات مثل الصحافة السياسية والاقتصادية والتحقيقات الصحفية، فضلاً عن تكريم «شخصية العام الإعلامية».
لكن القيمة الحقيقية لأي جائزة لا تُقاس بعدد فئاتها، بل بما تصنعه داخل المهنة. فعلى مدى ربع قرن، ساهمت جائزة الإعلام العربي في ترسيخ فكرة مهمة مفادها أن العمل الإعلامي الجيد يستحق أن يُرى ويُقدّر، وأن الصحفي الذي يبحث ويتحقق ويذهب إلى الميدان، والإعلامي الذي يقدم فكرة جديدة، وصانع البرنامج الذي يحترم عقل الجمهور، جميعهم جزء من صناعة تستحق الاحتفاء بأفضل نماذجها.
إن أحد أهم أدوار جائزة الإعلام العربي خلال المرحلة المقبلة سيكون دعم قيمة الصحافة المهنية وسط أكبر موجة تحول تقني عرفتها صناعة الإعلام في تاريخها. نحن اليوم أمام الذكاء الاصطناعي، والخوارزميات، والمحتوى الذي يُنتج خلال ثوانٍ، ومنصات التواصل التي غيرت العلاقة بين الإعلامي والجمهور. وأمام هذا التدفق الهائل، تصبح الحاجة أكبر إلى التمييز بين مجرد إنتاج المحتوى وبين صناعة الإعلام. فالسرعة وحدها ليست إعلاماً، وكثرة المشاهدات ليست معياراً كافياً للجودة، والانتشار لا يعني دائماً التأثير الإيجابي. الإعلام الحقيقي يبقى ذلك القادر على تقديم المعلومة الدقيقة، وطرح السؤال الصحيح، وشرح الأحداث في سياقها، وحماية ثقة الجمهور.
ومن هنا، فإن الاحتفاء باليوبيل الفضي للجائزة يجب ألا يُقرأ فقط باعتباره احتفالاً بما تحقق، وإنما باعتباره بداية لمرحلة جديدة. وهي مرحلة تحتاج فيها المؤسسات الإعلامية العربية إلى إعادة الاستثمار في الإنسان: الصحفي، والمحرر، والمراسل، والمصور، والمقدم، وصانع المحتوى؛ لأن التكنولوجيا مهما تطورت ستبقى الأداة، بينما الإنسان هو من يحدد كيف تُستخدم هذه الأداة ولأي غاية.
ولعل الرسالة الأهم التي تقدمها الجائزة بعد 25 عاماً هي أن الإعلام العربي قادر على إنتاج نماذجه المهنية الخاصة، وتقدير مبدعيه، وبناء منصاته التي تجمع أصحاب التجارب والخبرات تحت مظلة عربية واحدة.
لقد انطلقت الجائزة من دبي المتميزة دوماً، لكنها منذ البداية حملت بعداً عربياً واسعاً. واليوم، وهي تدخل دورتها الـ25، تؤكد دبي مجدداً أن خدمة الإعلام ليست مرتبطة بإنشاء المؤسسات والمنصات فقط، وإنما ببناء بيئة تحتفي بالمبدع، وتشجع المنافسة، وتستثمر في المواهب، وتمنح أصحاب الكلمة والصورة مساحة ليكونوا جزءاً من صناعة المستقبل.