يبدو النزاع في شرق بحر الصين هذه المرة أخطر من مجرد نزاع على سيادة جزر. التوتر قبل أشهر بين بكين وطوكيو الذي كاد أن يؤدي ولا زال يهدّد إلى نشوب مواجهة بين البلدين حول ملكية نتوءات صخرية في عرض البحر، أمكن تجميده واحتواءه إلى حين، لأنه في جوهره رمزي ،ويتصل بتصفية حسابات من جهة وإعادة اعتبار من جهة ثانية.
لكن الخلاف حول مناطق مائية تحتوي على مخزون من النفط والغاز في جنوب هذا البحر، أمر آخر. فقد بلغ التوتر بخصوصه في الأيام الأخيرة حدود الصدام بين هانوي وبكين.
الأمر الذي أثار المخاوف من أن يكون الاحتكاك بداية مسلسل من الصراعات الإقليمية حول مصادر الطاقة الدفينة تحت قاع البحر والذي قد تدخل فيه واشنطن بحكم التزاماتها الدفاعية مع حلفائها، كما بحكم مزاحمتها على النفوذ من قِبل الصين، خاصة وأن رقعة الخلافات تشمل عدة دول في حوض تلك المنطقة التي تعترض على تمديد بكين لسيادتها على مساحة مائية تبعد عن شواطئها أكثر من ألف وخمسمائة كلم جنوباً، بحسب بعض التقديرات. مما أدى إلى تأزم العلاقات مع الفليبين وماليزيا وبروناي وتايوان وفيتنام.
الموضوع ليس ابن ساعته. لكن الجديد فيه أن بكين نقلت الخلاف إلى حيز التنفيذ بتركيب منصة بحرية للبدء في عملية الحفر لاستخراج الطاقة في مساحة تدّعي هانوي أحقيتها في السيادة عليها، حسب ما جاء في مؤتمر الأمم المتحدة حول قانون البحار.
لكن الصين التي تعتبر أن ما تقوم به يقع ضمن مجالها البحري، استقدمت 80 قطعة بحرية لحماية تركيب المنصة. ردت فيتنام بإرسال 35 سفينة إلى المنطقة.
وفي لحظة من اللحظات دخلت سفن الجانبين في لعبة جس نبض وتهويل وصل إلى حدّ الاحتكاك والتراشق بخراطيم المياه. وسبق ذلك عمليات تحد وتحرش بين بحرية البلدين، خلال الأيام الأخيرة. ويأتي ذلك على خلفية تنافر تاريخي بعيد بينهما، ما زالت رواسبه قائمة بالرغم من الدعم الصيني لهانوي زمن حرب فيتنام.
في الأسبوع الماضي حملت فيتنام ملف الخلاف إلى مؤتمر " رابطة بلدان جنوب شرق آسيا" المؤلف من عشر دول وعرضت أمامه المشكلة. في كلمته حذر رئيس وزراء فيتنام من " خطورة الانتهاكات الصينية ".
ومع أن معظم دول الرابطة لها خلافات مع بكين، إلاّ أنه تعذر على هانوي جمعها في موقف موحّد بوجه بكين. اكتفى البيان الختامي لمؤتمرها الذي انعقد في ماينمار، بالإشارة العامة إلى " التطورات الجارية في جنوب بحر الصين وما تثيره من قلق في المنطقة ".
العقدة ان الصين لا تفاوض إلاّ بعد انسحاب فيتنام من المنطقة البحرية. وفيتنام مصرة على الوجود، ولم تطرح القضية، حتى الآن على هيئة التحكيم الدولية. وصفة لأزمة مشحونة بعوامل الاشتباك. ويزيد من خطورتها أن بكين تتهم واشنطن بتحريض هانوي على التشدد.
وقد يكون في الأمر شيء من ذلك. ذلك أن النفوذ الأميركي في تلك المنطقة هو ما تستهدفه الصين في نهاية المطاف، أكثر مما تستهدف منطقة نفطية فيتنامية او غيرها.
تكريس وجودها البحري بهذه الصورة يصبّ في تقليص رقعة النفوذ الأميركي. صحيح ان واشنطن ملتزمة بالدفاع عن بعض الحلفاء الآسيويين بموجب اتفاقيات أمنية اليابان وجنوب كوريا لكن ليس بالدفاع عن كافة خصوم بكين.
ثم أن هذه الأخيرة تدرك مدى ضعف قابلية إدارة أوباما على التصدي. فهي كما بوتين، تغتنم فرصة وجود رئيس في البيت الأبيض يهمّه بالدرجة الأولى أن لا يرتكب خطأ التورط. أوباما ينادي بالحوار والتفاوض والحلول السلمية.
توجه يحظى بالترحيب. لكن الأمور على الأرض لا تسير في هذا الاتجاه. ربما يؤدي التوسع البحري الصيني إلى زيادة متاعب بكين وموسكو في اوكرانيا. لكنه يؤدي أيضاً على المدى البعيد، إلى خلق معطيات ومعادلات جديدة، لا يعود في قدرة واشنطن شطبها بسهولة.
وخاصة في منطقة جنوب شرق آسيا، التي يقول جون ميرشايمر الأستاذ في جامعة شيكاغو، بأنها قادمة على حروب " إذا واصلت الصين صعودها الاقتصادي السريع حيث إنها سوف تحاول بسط هيمنتها على آسيا، تماماً كما فعلت الولايات المتحدة عندما نشرت سيطرتها على النصف الغربي من الكرة الأرضية ".