من جديد يعود التوتر الصيني الياباني إلى دائرة الضوء في واشنطن. ناره الكامنة، تحت قشرة رقيقة من الرماد، يصعب إبقاؤها راكدة. المحاولات التي جرت لضبطها إن لم يكن لإطفائها، لم تفلح. صراع جيوسياسي على خلفية عداء قديم وتنافر عميق. ليس من السهل التوفيق بين كبرياء مرتكزة على أمجاد ماضية من جهة، وبين توجه لتصفية شيء من الحسابات القديمة من جهة أخرى.

لقد أمكن تجميد المشكلة بين الجارين اللدودين، بعدما كادت أن تصل إلى حدود الاحتكاك العسكري في نوفمبر الماضي. لكن التجميد يتآكل، وفق مختلف التقارير.

وثمة مخاوف من تجدّد الغليان وحدوث مواجهات في ضوء الوجود الأمني المتاخم للطرفين في مياه المنطقة المتنازع عليها، لاسيما وأن الاتصالات مقطوعة بين العاصمتين. وإذا كان من رسائل متبادلة بينهما فهي تجري بلغة الاستفزاز والمزيد من التشبث بالمواقف والإجراءات المؤججة للتأزم.

وجاءت زيارة وزير خارجية اليابان فوميو كيشيدا إلى واشنطن أخيراً ومحادثاته مع نظيره الأميركي جون كيري، لتعكس مدى الخطورة والقلق من احتمال وقوع ما ليس في مصلحة أحد.

الخطوة التي أقدمت عليها بكين، قبل حوالي ثلاثة أشهر، بإعلان أن مياه وأجواء الجزر المتنازع عليها مع طوكيو خاضعة لسيادتها، وضعت إصبع العاصمتين على الزناد، ولو من باب التهويل. المساعي التي بذلت ظلت في حدود تعليق المشكلة وليس معالجتها. وجرى تركها لعامل الزمن. كلاهما رفض سماع أي كلام من طرف ثالث، كما تقول واشنطن.

ربما لأن المسألة أبعد بكثير من ملكية نتوءين صخريين عائمين بلا سكان ولا موارد، يختلط فيها التاريخ مع الإصرار على ردّ الاعتبار. لكن عدم التزحزح محكوم بزيادة الاحتقان. فاليوم يتكرر مشهد نوفمبر في محيط الجزر، وإن مع ضبط النفس. الدوريات البحرية من الجهتين تجوب المياه المتنازع على سيادتها.

وكذلك تخترق مقاتلات الجانبين أجواءها. ويقوم إعلام البلدين "بصبّ الزيت" على نار الإشاعات وعدم استبعاد وقوع صدام في المياه المكتظة بالبوارج الحربية المشحونة حركتها بتعبيرات التحدّي. وفي ظلّ هذا المناخ المتأزم، أعلنت بكين أن رئيس وزراء اليابان غير مرحب به لديها، وكأنها تستبق احتمال قيامه لاحقاً بزيارة لها، بناء على وساطة دولية.

تسوية النزاع

ويبدو أن واشنطن تنظر في ترتيب لقاء ما بين البلدين، يؤسس ربما لقمة صينية- يابانية تستخلص صيغة لتسوية النزاع، سواء عن طريق الوساطة أو التحكيم أو الإدارة المشتركة أو ما شابه. وفي كلمته أمام الصحافة، وبجانبه الضيف الياباني، عرج الوزير كيري على الموضوع بصورة حذرة، عكست حرصه على ترك الخطوط مفتوحة مع بكين في هذه القضية.

اقتصر على التنويه بأهمية العلاقات مع اليابان التي "تشكل حجر الأساس للأمن والسلام الإقليميين". كما أعاد التذكير بمعاهدة الدفاع مع طوكيو "والتزام الولايات المتحدة بواجباتها تجاه الحليف الياباني".

رسالة مبطّنة إلى الصين التي لم يأت على ذكرها إلا في جملة واحدة، شدّد فيها على أن واشنطن "لا تعترف ولا تقبل" إعلان بكين منطقة شرق بحر الصين منطقة خاضعة أجواؤها لمقتضيات الدفاع الوطني. لكنه لم يأخذ موقفاً مؤيداّ بصراحة لليابان وادعائها بملكية الجزر.

صحيح أن هذا الموقف ليس بجديد، لكن أهميته هذه المرة أنه يأتي عشية زيارة آسيوية يقوم بها كيري الأسبوع المقبل وتشمل الصين. ولا شك أن الوضع الخطير بين العملاقين الآسيويين سيكون على رأس بنود جدول الأعمال.

خيار القمة

ولمّا كانت جميع القنوات الدبلوماسية لحلّ المشكلة قد استنفدت دون جدوى، فإن التوقعات تتحدث عن "خيار القمة " بين القيادتين الصينية واليابانية، باعتبار أن التأزم وصل إلى درجة لم يعد بالإمكان تنفيسه إلا عن طريق لقاء على هذا المستوى.

وأصبح التفاوض صيغة لدى الوزير خبرة في ترتيب مائدته. تمرّس بها في أزمات الشرق الأوسط، ولو أنها غير مثمرة حتى الآن. ولا بأس من نقل التجربة إلى الشرق الأقصى، على الأقل لا بدّ من المحاولة.

فالخلاف في شرق بحر الصين في طريقه ليدخل إلى قائمة الأزمات الدولية. والتخوف أنه: "لم يعد هناك الكثير مما يمكن عمله للسيطرة عليه عن طريق إدارته". تلزمه تسوية حاسمة. وهذه غير متوفرة عناصرها حتى الآن. الرادع الأقوى أن مصلحة الطرفين تحول دون الانزلاق في مواجهة، لكن لا ضمانة لحصول خطأ في لحظة انفعال. وبذلك أصبح الوضع لعبة سباق خطير بمرور الوقت.