حتى أواخر الأسبوع الماضي، بقيت عملية التراشق بالتهديدات بين بيونغيانغ وواشنطن، في حدود لعبة حافة الهاوية المألوفة بينهما. ولو كانت هذه المرة أكثر حدّة. فهي وليدة دورة التسخين والتبريد بين الكوريتين المحكومة، منذ نهاية الحرب الكورية عام 1953، بإعادة إنتاج نفسها وفي الوقت ذاته بتوازن يخشى الطرفان كسره.

قدرات استراتيجية

لكن عندما تزج واشنطن بأقوى ما لديها من قدرات استراتيجية جوية في المسرح الكوري المتوتر، ولو على سبيل عرض العضلات والردع، ردّاً على تهديدات نارية غير اعتيادية، عندئذ تكون لعبة حافة الهاوية قد بلغت أقصاها. يكون التحذير قد تحوّل إلى إنذار.

أو هكذا أريد له أن يكون. ومعه يكون الفارق بين التهويل والمواجهة قد صار ضئيلا جدا. أي خطأ أو سوء تقدير، يقطع الشعرة الفاصلة. وما يشبه حالة الاستنفار للأسلحة الاستراتيجية في الترسانتين الأميركية والكورية الشمالية، نقل المشهد إلى هذا المستوى.

 لأول مرة يشهد المسرح الكوري، على الجانبين، حشداً من القوة الضاربة غير المسبوقة وفي ظلّ توتر أميركي كوري شمالي لم يصل مرة إلى ما بلغه أخيرا من التحدّي المتبادل.

جاء هذا التطور على خلفية التصعيد الذي تفجّر مع بداية المناورات الدورية الأميركية الكورية الجنوبية، المتوقع استمرارها طيلة الشهر الجاري. أخذت واشنطن من تلويح بيونغيانغ بالنووي والصواريخ العابرة مسوغاً للقيام باستعراض قوة من الوزن الثقيل، في وضح النهار وعلى مقربة من حدود الكوريتين.

شاركت فيه تشكيلة من القوات الجوية الضاربة، شملت طائرات ب-52 وأف 22 والقاذفة الفريدة ب-2. اللافت كان في دخول هذه الأخيرة على الخط، حيث شاركت اثنتان منها ليوم واحد، في المناورات.

وهو أمر غير مسبوق. فهذه القاذفة الاستراتيجية المخيفة لا تغادر قواعدها داخل الولايات المتحدة، إلا للقيام بعمليات كبيرة في الخارج ثم تعود إلى مرابضها. حصل ذلك في حربي العراق وأفغانستان. مهماتها العسكرية خاصة. ليس في الترسانة الأميركية منها سوى عشرين، بعد سقوط واحدة خلال التدريب.

بدأ مشروعها في أواخر السبعينات لتصنيع 132 منها. نهاية الحرب الباردة وتزايد كلفتها من 737 مليون دولار للوحدة إلى 2.1 مليار مع التجهيز وقطع الغيار والتدريب خفضت العدد إلى 21 ميزاتها خارقة: عصية على رصد الرادار. تحمل قنابل زنة 500 إلى ألفي رطل، فضلاً عن النووي منها. تقطع مسافة 11 ألف كلم من دون التزود بالوقود.

استعراض للقوة

هذه المواصفات النادرة جعلت استخدامها محصورا بحالات استثنائية. استقدامها إلى كوريا لاستعراض القوة رأى فيه مراقبون خطوة لا تخلو من المجازفة، من باب أن حضورها قد يشكل استفزازاً لكوريا الشمالية، التي أعلنت أنها باتت في حالة حرب مع الجنوب.

ولذا حصل جدل داخل الإدارة حول إرسالها. ثمة من يرى أن التلويح بهذا الشبح من شانه لجم الاندفاع الشمالي. وحساب هذا الفريق مبني على أساس أن الزعيم الكوري الشاب لا يقوى ولا يريد دفع الأمور إلى حدود المواجهة.

ربما كانت غايته الحصول على تنازلات وتسهيلات من الجنوب. أو على الأرجح أنه يلج هذا السبيل كمدخل لحوار مباشر مع واشنطن، بشروط مخفّفة. خاصة وأن علاقته مع بكين أصابها الفتور، أخيرا، بعد التجارب الصاروخية والنووية ، كما بعد تصويت الصين في مجلس الأمن على قرار العقوبات ضدّ جارتها الأقرب لها.

لكن في المقابل أبدى بعض المراقبين تحفظه ،وحذر من الذهاب إلى هذا الحدّ. فهذا التطور أصبح بمنزلة إنذار محكوم بالتنفيذ، لو حصل استدراج مقصود أو بسوء تقدير. وفي حال سارت الأمور في هذا الاتجاه، عندئذ ينتقل التعامل مع كوريا الشمالية من إطار إدارة الأزمة المزمنة إلى دائرة الاحتكاك والمصادمة.

خاصة كما يقول الأميركيون أن هناك جناحا متشددا في الشمال اعتاد إشعال فتيل التأزيم بين الحين والاخر. وقد يرى في عرض عضلات الآلة الحربية الأميركية من هذا العيارذريعة للاستمرار في رفع وتيرة التصعيد المفتوح على كافة احتمالات.

يضاف إلى ذلك أن سيطرة الصين المفترضة على جارتها قد ضعفت على ما بدا أخيرا، حيث لم يسمع صوتها. وبذلك تبقى الأزمة على كف عفريت. تحكمها مفارقة خطيرة: ليس في الحرب مصلحة لأي من الطرفين، لكن كلاهما يتعامل مع الوضع بلغة الحرب.