على الرغم من خصوصيته وحساباته الأمنية، المحلية منها أو المتصلة بالحرب الأميركية على الإرهاب، فإن قرار واشنطن بوضع أفغانستان في مصاف «الحليف الخاص «، يفيض عن وعائه المحلي. فهو إذ يحمل جملة رسائل برسم الداخل الأفغاني وأطرافه، فإنه يخاطب في الوقت نفسه الجوار الإقليمي المعني بالساحة الأفغانية، أو المتدخل بها بصورة أو أخرى.
كما يؤشر توقيته إلى اندراجه في سياق التوجه الأميركي الراهن ،خاصة في المدار الآسيوي الأوسع والقائم على مزيج من تكثيف الحضور والتحالفات المتنوعة مع بلدان «الجغرافيا الاستراتيجية « الآسيوية المتزايدة أهميتها إن لم تكن الأهم، في عالم اليوم..
ولا يقتصر مثل هذا التوجه على هذه الساحة فقط، بل بات السمة الغالبة لسياسات الدول النافذة ذات المصالح المتنافسة والتي تسعى لحجز حصصها في ترتيبات المعادلة الكونية الجاري تشكّلها. خاصة في الملاعب الملتهبة كالشرق الأوسط والذي يمارسه اللاعبون الكبار والأقوياء في المحيطين، القريب والبعيد. الإيجابي في هذا التوجه أنه يستبدل سباق التسلح غير الميسور في زمن الضيق بسباق التحالفات. العطب فيه، أنه محكوم عليه بإعادة انتاج التوتر وتأجيج المشكلات.
تطمين وترغيب
يأتي هذا التحالف « الخاص « مع أفغانستان، امتدادا « للشراكة الاستراتيجية» بين واشنطن وكابول، التي تمّ التوقيع عليها في مايو الماضي. الغرض المحلي منه، بشقين: التطمين والترغيب. الأول، للتأكيد بأن التخلي الذي حصل بعد الانسحاب السوفييتي.
لن يتكرر، على ما تقول إدارة أوباما التي تعتزم الإبقاء على قوة بحدود عشرة إلى عشرين ألف جندي أميركي او أكثر في أفغانستان، حسب الحاجة ومستوى الجاهزية الأمنية للقوات الأفغانية، بعد انسحاب 2014 . أما الترغيب فهو برسم «طالبان «، لدفعها نحو استئناف التفاوض الذي تراجعت عنه بعد جولاته الأولى في قطر، للتوصل إلى صيغة مشاركة أفغانية في الحكم. الرسالة الأميركية من الحلف، أن سياسة الانتظار لما بعد 2014، لن تجني منها الحركة مكاسب أمنية. الدخول في عملية سلام، أجدى لها.
الرسائل الموجهة إلى الجوار، لا تقل أهمية. وبالتحديد إلى باكستان وإيران. التذكير بطبيعة العلاقة الجديدة مع كابول، ينطوي على نوع من التحذير المبطّن من التدخل في الشأن الأفغاني. « ترك أفغانستان غير وارد لدينا. ليس ذلك فحسب، بل إننا نبني شراكة قادرة على البقاء لأمد طويل «، كما قالت الوزيرة كلينتون في خطاب الإعلان عن قيام الحلف. وزيادة في التوكيد، حرصت على التشديد بأن « أميركا ستكون صديقاً لأفغانستان « .
لكن العلاقة الجديدة لا ترقى إلى مستوى الحلف الاستراتيجي الذي تترتب عليه التزامات أمنية. التطمين والتلويح بخصوصية العلاقة شيء والتعهد بضمانات أمنية كما العلاقة الأميركية مع إسرائيل أو الناتو مثلاً شيء آخر. ويعكس ذلك تخوّف واشنطن من ما سيكون عليه حال الحقل الأفغاني المليء بالألغام، في مرحلة ما بعد الانسحاب.
فهي تدرك نقاطه الرخوة العديدة، من هشاشة اللحمة الداخلية إلى ضعف الثقة والروابط بين الشارع والحكم المنخور بسوس الفساد، فضلاً عن ركاكة الولاء خاصة في صفوف القوات المسلحة، وانتهاء بنفوذ الجوار القوي وشبكاته الأفغانية وبالتالي قدراته على إرباك الوضع الداخلي وجعله ورقة في صراعات أطرافه. أحد وظائف تطوير « الحوار الاستراتيجي « مع الهند، الذي انعقدت جولته السنوية الثالثة خلال يونيو الماضي في واشنطن، الحدّ من مدى هذا النفوذ والتقليل من خسائره الأفغانية.
على الأقل هذا ما تتطلع إليه الإدارة الأميركية التي اهتمت مؤخراً بالسعي لتوطيد العلاقات الأفغانية الهندية. الأمر الذي لم يحظ بارتياح إسلام أباد، ولو أنها أبدت، أخيرا، قدراً من الليونة في علاقتها المتوترة مع واشنطن وذلك بموافقتها على إعادة فتح طريق الإمدادات التموينية للقوات الأميركية في أفغانستان عبر أراضيها، بعد اكثر من سبعة أشهر على إقفالها.
خط الشراكات
« الحلف الخاص « مع كابول، ينسجم مع خط الشراكات التي نسجتها واشنطن في الآونة الأخيرة، مع عدد من البلدان الآسيوية. بدأ بمجموعة السبعة وانتهاء بما قد يلحق بها من عواصم أخرى في أعقاب الجولة الآسيوية الواسعة التي قامت بها الوزيرة كلينتون في هذا الإطار والتي شملت بلداناً لم تطأها قدم وزير اميركي منذ الخمسينات، مثل لاووس. الغرض مزدوج: تطويق النفوذ الصيني وتوسيع التبادل التجاري مع هذه البلدان، لما في ذلك من مردود اقتصادي كما من تقليص للتمدّد التجاري الصيني.
لكن كثيرا من خبراء السياسة الخارجية يشكك في صوابية هذا التوجه بالنسبة لأفغانستان، التي يقول كبارهم مثل هنري كسينجر، إن المخرج السليم لأزمتها لا يتوفر بغير تسوية داخلية ترعاها وتدعمها دول الجوار الأوسع، من خلال مؤتمر دولي تشارك فيه روسيا والصين والهند وباكستان وإيران وربما دول عربية.