وسط التعليقات والردود الجارية حول موازنة البنتاغون بعد خفضها تحت ضغوط الأزمة المالية، وبانتظار موافقة الكونغرس عليها، كشفت إدارة أوباما عن جانب جديد من جوانب إستراتيجيتها العسكرية للمرحلة الجديدة أو ما سيطلق عليه مذهب أوباما الدفاعي .
ففي الأيام الأخيرة جرى تسريب معلومات، عن اعتمادها لما تسميه بـ القواعد العائمة المتنقلة، المزمع استخدامها في البحار القريبة من البؤر الساخنة، كمحطات انطلاق لعمليات عسكرية مكلفة بمهمات قاضية وخاطفة.
وبذلك يكون هذا التوجه قد رسا حتى الآن، على ثلاثة أركان: طائرة الشبح العاملة من غير طيار، القوات الخاصة المنقولة جواً والقواعد المتحركة هذه لخدمتهما. ثلاثي يكمل بعضه. افتتحته إدارة أوباما في ملاحقتها لعناصر طالبان وحقاني من الجو بطائرة درون الموجهة عن بعد فوق باكستان. ثم أتبعتها بالغارة المجوقلة على مقر أسامة بن لادن وانتهت بتصفيته. وتكرر هذا المشهد قبل أيام في الصومال، حيث جرى إنقاذ اثنين من الأسرى، أوروبي وأميركية، من أيدي القراصنة.
القوة الأصغر والأذكى
النجاح في العمليتين، مع الكلفة بل الورطة الباهظة في حربي العراق وأفغانستان فضلاً عن الصعوبات المالية، كلها فرضت المراجعة والبحث عن ما يسميه البيت الأبيض بـ القوة الأصغر والأذكى. يعني الأقل كلفة بشرية ومالية وسياسية.
ومع تسارع التقدم الذي حققته التكنولوجيا العسكرية، جاءت الشبح الصامت لتعين البنتاغون في الاعتماد على بديل. خاصة، كما يقول الخبراء، أن أميركا تخوض الآن حرباً لا عنوان للخصم فيها. الأمر الذي لا تحتاج فيه إلى الغزو والاجتياح المباشر.
لكن الواقع أكثر من ذلك، فهي اكتوت بنار شبيهة بهذه الحرب التقليدية في العراق وأفغانستان، وليست في وارد التكرار الاختياري لمثل تلك المغامرات. فهي لا تقوى على احتمال عواقبها، ولو أنها قادرة عسكرياً على الدخول في معمعتها. ويبدو ذلك جلياً في المداولات الجارية بخصوص التوتر مع إيران. فالرأي الراجح داخل الإدارة وحتى الكونغرس، فضلاً عن دوائر الخبراء والباحثين والمحللين، يميل بقوة إلى التحذير من الانزلاق إلى حرب مع طهران.
على قاعدة هذه المعطيات تقرر، على ما ذكرت تقارير منسوبة إلى مصادر عسكرية أميركية، تكليف إحدى البوارج الحربية المستخدمة سابقاً لعمليات الإنزال، لتكون بمثابة قاعدة تنطلق منها المروحيات والشبح والزوارق العسكرية الخفيفة والسريعة الحركة، لتقوم بعمليات انقضاض خاطف على مواقع قريبة بغرض تدميرها.
وتشكل صفوة القوات الخاصة ذاتها التي قامت بالغارة على مقر ابن لادن المعروفة باسم النايفي سيل، عماد هذه العمليات. وأشارت المعلومات إلى أن المنطقة البحرية ما بين هرمز وباب المندب والقرن الأفريقي، ستكون المحطة الأولى لهذه القاعدة العائمة والتي تقرر أن تدخل العمل مع مطلع الصيف المقبل.
ميدان جديد مفتوح
خلال الأسابيع الأولى من رئاسته، تعهّد الرئيس أوباما بتحقيق أمرين في السياسة الخارجية: اعتماد الحوار في التعامل مع الآخرين ومنهم الخصوم. طي صفحة حروب بوش وما شابهها. الالتزام الأول تراجع عنه على حدّ بعيد. فبقيت العلاقات إما فاترة، مع روسيا مثلاً، أو متراوحة بين التعليق والسخونة، مع إيران، وإما شهدت نوعاً من الانقلاب على ما سبق ووعد به، مثل موقفه من الدولة الفلسطينية العتيدة.
فشله في هذه الناحية حاول التعويض عنه في البند الثاني من خلال شعار تراجع موجة الحروب. بقي عند وعده في إنجاز الانسحاب الكامل من العراق، ولو أن ألوف الخبراء بقوا هناك بعد مغادرة القوات الأميركية. يعمل أيضاً على الوفاء بوعد بدء الانسحاب هذا الصيف من أفغانستان، من خلال فتح باب التفاوض مع طالبان. الدواعي الانتخابية، لعبت دورها في هذا التوجه. وكذلك مقاربته للخيار العسكري، بمفهوم المحافظين الجدد.
استعاض أوباما عن الحرب التقليدية بالحرب من بعيد. جعل أولويته تكبيد الخصم خسائر موجعة، بكلفة أقل. طائرة الشبح ساعدته ودفعت بخياره إلى مستوى الاستراتيجيا. عمل على تصعيد حربها، بالرغم من التحذيرات الكثيرة من عواقب التمادي في استخدامها. وبالتحديد على صعيد الخسائر التي توقعها في صفوف المدنيين.
كما على صعيد إشعال سباق تسلّح بهذه الطائرة وتعميم استخدامها من جانب العديد من الدول التي قد تتوصل إلى تطويرها بحكم الحاجة. لكن البنتاغون وبدعم من البيت الأبيض، واصل ووسّع التعويل عليها، مع القوات الخاصة. والآن يضع بخدمة هذا الثنائي من العمليات القاعدة العائمة، بغية توسيع حقل عملياته وتمكينه من الوصول إلى مسرح عملياته بسرعة وبصورة مباغتة توفر له المبادرة والفعالية. ميدان جديد مفتوح على زيادة التأزم.