رسالة إلى العالم: أيها العالم.. تُرى، كيف حالك؟

هذا هو التساؤل المحوري في هذا السياق.. وهو أيضا العنوان الذي اختاره الباحثون والكتاب الصحفيون، للدراسة التي نعرض لها في هذه السطور. ثم إنهم اختاروا أن يرسموا هيكل دراستهم وكأنه "شهادة الفترة"، على نحو ما يقول المصطلح المدرسي ـ التعليمي.. بمعنى أنه أقرب إلى تقرير تربوي، أو تقرير حالة، بحيث يتابع بمنطق التقييم، فيما يعطي درجات أو علامات كل ما أنجزه عالمنا أو لم ينجزه، في مجالات شتى من نشاط الأمم والشعوب التي يضمها، ليصل عدد سكانها مؤخرا إلى 7 مليارات إنسان بالتمام والكمال.

شهادة الفترة، أو تقرير الإنجاز، نشرتها مجلة "كيرنت هستوري" لتوضح بداية أن أمامنا خمسة مجالات (أو تحديات) رئيسية، كان على العالم خلال سنة 2011 أن يخوض غمراتها ويعالج تفاصيلها. وتتوزع هذه المجالات إلى ما يلي:

٪ الاقتصاد

٪ السياسة

٪ الأمن

٪ الموارد

٪ العلم (بمعنى البحث العلمي والتطوير التكنولوجي بالدرجة الأولى).

 

اقتصاد الأزمة

من هنا يفتتح التقرير أو شهادة الأداء، بجملة تشير إلى أنه سيعرض أداء عالمنا، فيما يستهل هذا العالم حياته وممارساته مع بداية عام 2012.. ويأتي هذا البيان كما يلي:

أولا؛ في مجال الاقتصاد: بدأ عام 2012 بنذير موجَّه بالذات إلى أعضاء الاتحاد الأوروبي، ومن ثم إلى من يتعاملون معهم خارج أوروبا الغربية ومعظم أجزاء وسط أوروبا، ويفيد بأن منطقة عملتهم، "اليوروزون" كما يسمونها، تواجهها مشاكل متشابكة وعديدة، وفي مقدمتها ظاهرة سلبية تحمل وصف "اللايقين" حسب مصطلحات الأمم المتحدة، وهي الظاهرة التي تشكل عقبة كأداء أمام القدرة على التنبؤ، لا من أجل استطلاع الحظوظ، ولكن بالطبع من أجل بناء مؤشرات تخطيطية ورسم خطط عمل مستقبلية، لا بد وأن تترجم بداهة إلى برامج تنفيذية هادفة إلى مزيد من التحسين والتطوير.

وطبعا تتجلى مشكلة اليوروزون في ما يشهده العالم من أزمات اقتصادية وتمويلية خانقة، تواجهها برامج التقشف في أقطار أوروبية، وهي تتراوح ما بين اليونان أو البرتغال وما بين إيطاليا وإسبانيا وفرنسا، وربما ألمانيا ذاتها صاحبة أكبر وأهم اقتصاد ضمن هذه الجماعة الأوروبية.. ويمضي التقرير المذكور إلى لمحة خاطفة كما نراها، عن معاناة الاقتصاد الأميركي، وخاصة بالنسبة لموقع العجز عن النمو، وبالذات عن خلق فرص عمل جديدة وهو لا يزال يزيد من حجم، ومن ثم من معاناة وسخط ملايين الشباب العاطلين في أميركا.

ورغم أن ثمة اقتصادات نامية، أو فلنقل صاعدة تواصل التوسع حاليا، فإن الدول الغنية تعاني في الوقت نفسه من ارتفاع مؤشر المديونية، وهو ما يؤدي إلى تعثر وتيرة وحجم الطلب في أسواق الاستهلاك الداخلية على صعيدها، وهو ما يفضي بدوره ـ وخاصة في إطار ظاهرة العولمة والاعتماد المتبادل ـ إلى نذر الركود، حتى لا نقول الكساد، أمام السلع الصناعية الاستهلاكية التي كانت توّردها تلك الاقتصادات النامية الصاعدة، إلى أسواق ومستهلكي الدول الثرية (الصين وأميركا حالة أكثر من دالة ومعبرة في هذا المضمار).

ما هي إذن العلامة ـ الدرجة المدرسية التي رصدوها لأداء عالمنا في عام 2011، بالنسبة لمادة "الاقتصاد"؟

إنها علامة "ضعيف" للأسف الشديد!

 

عام الشعوب

ثانيا؛ في مجال السياسة: هنا تجول الدراسة الأميركية المنشورة، في أنحاء أقطار شتى من عالمنا، ترددت أسماؤها في رسائل الميديا الإعلامية بكافة أشكالها وسبلها.. ما بين البث الإذاعي المرئي والمسموع إلى النشر الورقي المطبوع، فضلا عن مستجدات البث الالكتروني الذي كان له دوره السوبر ـ متميز خلال وقائع عام 2011 المنصرم.

يتجول التقييم "المدرسي" لأداء عالمنا، بين أقطار عربية شهدت الأحداث الجسام والتحولات الجذرية (ليبيا مثلا)، وبين أقطار غير عربية شهدت بدورها احتجاجات ترفع شعار الحرية.. إلى اعتصامات وتظاهرات تطالب بإصلاح النظم الاقتصادية والمصرفية وشبكات الأمان الاجتماعية (على نحو ما شهدته حركة الاحتلال الشعبية في وول ستريت أو أريغون أو كاليفورنيا في الولايات المتحدة). ورغم اختلاف الدوافع وتباين المشاكل، إلا أن ثمة تيارا يؤكد ـ كما ترى الدراسة الأميركية ـ على أهمية التحول الديمقراطي والمشاركة الشعبية والحوكمة الرشيدة، بمعنى الأخذ بمنطق المصلحة العامة وأسلوب التعقل المسؤول في إدارة الأمور.

وربما كان في هذه الحركات الجماهيرية ما جعل الأداء العالمي أو العولمي خلال السنة المنقضية، يتسم بقدر لا ينكر من الإيجابية التي تنطوي على قدر لا ينكر بدوره من الأمل في أن تترجم هذه الدعوات للتغيير، إلى ما يحقق آمال شعوب عالمنا في التحول الديمقراطي والعدل الاجتماعي، وهو ما يصّب بداهة في المزيد من سلام العالم واستقراره.

لهذا حصل العالم في هذه الشهادة المدرسية، على درجة معقولة هي "جيد".

 

الأمن والحروب

ثالثا؛ مجال الأمن: هنا يطلق واضعو الدراسة العنان ـ في تصورنا ـ لأفكارهم وآمالهم، بل وإلى نوع من فانتازيا الخيال، أملا في أن تتحسن أوضاع الأمن في العالم.. وهنا لا نملك من منظور التحليل الموضوعي، سوى أن نرصد توجهات الدراسة الأميركية في هذا السياق، حيث لا يفارقها المنظور الأميركي الذي لا يتصور أن هناك خطا واضحا يفصل بين مصالح أميركا وأمنها، وبين مصالح وأمن العالم.

هكذا تعرب الدراسة المذكورة عن ارتياحها، لأن حروب أميركا في أفغانستان والعراق (تسميها تدخلات) بدأت في الانحسار، وهي ترى في ذلك تطورا إيجابيا في نهاية المطاف، وإن كانت تورد في نفس السياق رأيا صائبا تقول فيه إن خوض الحرب يعكس باستمرار حالة الفشل في إدارة الدولة، وليس مهارة إدارتها أو حسن تصريف أمورها. ورغم أنها تتوقع "شرق أوسط" أقل استقرارا في الفترة القريبة القادمة، إلا أن الدراسة الأميركية تتوقع نجاة الأمن العولمي مما قد يصادفه من تحديات، سواء من منطقة الشرق الأوسط أو من مغبة صعود الصين.

في كل حال، وفي ظل انسحاب وانكماش المجهود الحربي الأميركي من العراق وبدايات تقلصه أو انكماشه في أفغانستان، فالدرجة الممنوحة لشهادة الأداء عن موضوع الأمن، هي "جيد جدا".

 

الموارد والبيئة

أين هذه الدرجة السخية من نظيرتها التي دللت على خيبة هذا التلميذ "العولمي"، إن شئت، في تدارس موضوع آخر هو من الحيوية بكل مكان؟!

والموضوع الرابع يحمل العنوان التالي: الموارد.

هنا تنعى الدراسة على العالم ذلك الفشل الذريع الذي مُني به في حفظ واستظهار هذا الدرس، الذي لا غنى عنه ـ كما هو بديهي ـ لاستمرار عجلة التقدم في حياة سكان كوكبنا.. والحاصل أن سجلت جهود العالم في صون الموارد التي حظي بها الكوكب، على اختلاف أنواعها، أخطاء ارتكبت على طول الخط، مما أدى.

في رأي واضعي الدراسة، إلى تدهور أحوال الموارد التي شهدت على مدار العام الفائت، ارتفاعا مطردا في تكاليف استخراج وتعدين الركازات الطبيعية، هذا فضلا عن عقم أو ارتباك الجهود التي بذلها العالم، ومنها ما شهدته المنظومة الدولية المنبثقة عن الأمم المتحدة ووكالاتها.

في التعامل مع ظاهرة تدهور البيئة وتغير المناخ، وهو ما أدى من ناحية إلى المزيد من انكشاف ـ بمعنى استضعاف ـ العالم، أمام عواقب وتجليات تلك المشاكل البيئية التي تجسدت في الفيضانات التي ما برحت تجتاح أقطارا شتى، ونظيرتها المتمثلة في نوبات الجفاف التي تؤدي، كما هو متوقع، إلى إهلاك الحرث والنسل كما يقولون، ثم أنها تؤدي من جهة ثانية إلى تدهور وتبديد الإمكانات التي تعد بحكم التعريف، ملكا للأجيال القادمة.

وبحكم هذه السلبيات وما أفضت إليه من مشكلات وتحديات للحاضر والمستقبل، لم يكد عالمنا المسكين يحصل في تقييم الدراسة سوى على درجة "ضعيف للغاية"، وهي ما يرادف مستوى الرسوب، وهو أيضا ما يستوجب البقاء للإعادة دون أي تصور بالانتقال إلى صف دراسي أعلى، ولا إلى أي بشائر تعد بنجاح أو بأي فرصة لنيل شهادة تخرّج من قريب أو بعيد!

 

العلم والتكنولوجيا

مع هذا كله، فربما يستقيم الأمر أو ينصلح الحال عندما نتأمل دلالة ما وفّق عالمنا إلى إنجازه، حين تخلص الدراسة الأميركية إلى تأمل ما استطاع هذا العالم أن يحققه في مضمار التخصص الخامس والأخير، وهو: مجال العلم (البحث العلمي).

وهنا تواصل دراسة "كيرنت هستوري" تحليلها، فتمضي قائلة: لقد جاءت ظاهرة العولمة لتوضح لكل ذي عينين، الأهمية الفائقة التي باتت تتسم بها جهود البحث (العلمي) والتطوير التقني (التكنولوجي)، فضلا عن حيوية المضي حثيثا في جهود الابتكار والإبداع، من أجل تحقيق النجاح الاقتصادي المنشود.

وعندنا أنه يبدو من سطور الدراسة، أن الأمل في هذا الصدد بات معقودا على جهود الاقتصادات الناشئة أو البازغة، وهي أيضا الصاعدة (ومنها مثلا اقتصاد كل من الهند والصين في آسيا.. وربما اقتصاد البرازيل في أميركا اللاتينية)، حيث يشهد المراقبون بأن كلا من تلك الأطراف ـ الناهضة كما قد نسميها ـ ما برح حريصا وجادا في بناء وتطوير ما تصفه الدراسة التي نحيل إليها، بأنه "القدرات والمرافق الأكاديمية، بما في ذلك جهود البحث والتطوير".

وهو ما يترجَم أيضا على شكل جهود من أجل إعداد وإصدار المزيد من الأدبيات والدراسات العلمية المنشورة، فضلا عن إنتاج المزيد من الاختراعات التي تتوسع في نيل براءاتها، ومن ثم إضافتها إلى "بانثيون" الإنجازات الفكرية والعلمية في صالح تطوير الحياة الإنسانية، وفي المزيد من رفاه البشر مع نهاية المطاف.

هنا ينال العالم درجة "جيد"، حيث لا يفوت الدراسة التذكير بأن هذا الأداء الإيجابي المعقول، إنما يرجع الفضل فيه أساسا إلى ما يمكن أن يطلق عليه الوصف التالي: "عولمة العلم".

 

العالم بين نجاح السياسة وفشل الاقتصاد

 

على عادتها مع مطلع كل عام ميلادي، تحرص دورية أميركية رصينة هي شهرية "كيرنت هستوري"، على نشر ما يمكن أن نعده "قائمة جرد" أو "كشفا حصريا"، بحيث تجمع بين استعراض ما تم، وما لم يتم إنجازه، خلال عام مضى (2011 في هذا السياق)، بالمقارنة مع ما لا تزال البشرية تتطلع إلى إنجازه، أو محاولة إنجازه، خلال عام ما زال وليدا (2012).

وقد عمدت الدورية الأميركية إلى تخصيص أحدث أعدادها (عدد يناير 2012)، لدراسات تم إعدادها تحت العنوان الأوسع، وهو "الاتجاهات العولمية لسنة 2012". وجاء في مستهل ذلك الاستعراض لفعاليات 2011 الذي صاغوه على شكل شهادة "فترة مدرسية"، أو على شكل تقرير عن "أعمال السنة" التي كان على عالمنا أن يتدارس خلال أيامها ووقائعها، عدة مواضيع كانت مقررة عليه بوصفه دارسا أو تلميذا في مدرسة الحياة، بكل ما تحفل به من مشاكل وتحديات..

وقد توزع التقرير المدرسي المذكور عن أداء ذلك الطالب الذي يحمل اسم "العالم المعاصر"، إلى خمسة موضوعات أو دروس أو خمس مواد أو تخصصات، حقق العالم بشأنها بعض التقدم وقدرا من المنجزات، ولا سيما في مجالات السياسة والأمن، وكان أداؤه معقولا في دنيا البحث العلمي والتطوير التكنولوجي، بينما جاء أداؤه ضعيفا في درس الاقتصاد (على نحو ما تشهد به الأزمات الاقتصادية الراهنة)، فما بالنا بأداء بالغ الضعف (هل نقول الخيابة) في ما يتعلق بتخصّص يحمل عنوان "التعامل مع الموارد من حيث صونها وحفظها".. أو "التصدي لتحديات البيئة وتغير المناخ"، حيث لم يحقق العالم خلال 2011 شيئا مذكورا.

التقرير يصدر مع مطالع كل عام وكأنه تشخيص يتم تحديثه واستكماله، ليحاول رصد ما عاناه العالم من أدواء وما واجهه من سلبيات.. لا بالاقتصار على إطلالة شاملة من منظور الرصد أو التسجيل، ولكن انطلاقا من نظرة أكثر شمولا تود لو تستشرف آفاق مستقبل عالمنا، أملا في أن تتطور أحوال شعوبه وأقطاره إلى وضع أفضل ولو نسبيا، ربما يحقق، أو قد يحقق، آمال أجيال ما زالت بعد في طور النشأة ومراحل التكوين.

و.. هكذا تعودت أن تفعل مجلة "كيرنت هستوري"، التي تجمع كما يبدو من اسمها اللاتيني، بين تسجيل وقائع ما مضى وبين رصد التطورات التي ما برحت تجري وتضطرم أمواجها من حولنا..

وتضيف أيضا أن مجلة "كيرنت هستوري" ـ أو هي التاريخ الجاري أو الراهن ـ مجلة مخضرمة في تاريخ النشر الصحفي الأكاديمي الأميركي، وما زالت تطالع قراءها من جمهرة المثقفين الشغوفين بمتابعة ما يجري في شتى مناطق العالم.. منذ تأسيسها مع اندلاع شعلة الحرب العالمية الأولى في عام 1914، وهي الصراع الكوني الذي أدى، كما هو معروف، إلى إضفاء تغييرات جذرية على أحوال عالمنا، بكل ما كان يحفل به مع مطالع القرن العشرين، من ممالك وإمبراطوريات كان قد تجاوزها الزمن، ومن ثم فقد صدق عليها ما يعرفه علم الاجتماع السياسي عند "ابن خلدون"، من صروف الزمن وتطور الحدثان وانقطاع العمران.

ولقد عكفت هيئة الباحثين في هذه المجلة الأميركية، على تدارس تطورات الأمور في عالمنا خلال عام 2011، بكل ما حفل به من أحداث فارقة وتطورات، بعضها كان غير متوقع بحال من الأحوال، كي يسلم إلى عام 2012 الحالي الذي لا يزال يقف حائرا أو حتى مرتبكا كما نتصور، التماسا لنغمة صحيحة يستهل بها شهوره وأيامه التي لم ينقض منها سوى شهر الاستهلال الوحيد.