سادت تصورات خلال ما تبقّى من سنوات عقد الأربعينات من القرن الماضي، تشير إلى أن العم سام الأمريكاني جدير بأن ينعم بثمار النصر على أعدائه، وأعداء القوى التي تحالفت معه في غرب أوروبا، ومن ثم يعمد العم سام إلى استهلال منتصف القرن المذكور باتباع أسلوب في الحياة يجمع بين رفاه العيش وحسن الأحدوثة.

مستعينا بآلة الميديا الإعلامية التي دارت تروسها خلال سنوات الحرب، وكان ذلك هو العصر الذهبي لجهاز الراديو بعد تطوير البث على الموجات القصيرة عبر الأقطار والبحار، فضلا عن نشاط مكاتب الاستعلامات الأميركية في مضمار الدعاية (البروباغاندا) والنشر الصحافي واسع النطاق، في مطبوعات كان لها دورها الفعال في تلك الفترة ـ مجلة "ريدرز دايجست" مثلا ـ وقد حملت في أصقاعنا اليعربية اسم "المختار".

 

القوى العظمى

ظلت الموجات والصفحات تنقل صوراً ولقطات زاهية عن رغد أميركا وبساطة شعبها.. وبالتالي بساطة أسلوب حياة هذا الشعب الذي لم يكن مثقلًا بتركة التراث الكولونيالي، المنتمي كما هو معروف إلى حقبة السيطرة الاستعمارية والتوجه الامبراطوري والاستغلال الامبريالي الذي سبق وأن مارسته، وربما دفعت ثمنه، امبراطوريات غرب أوروبا، ابتداء من إسبانيا والبرتغال في أميركا اللاتينية، وليس انتهاء بانجلترا وفرنسا في إفريقيا وآسيا.

هكذا تسلمت أميركا دور القوة العظمى (Super Power) مع العقد الخمسيني، بوصفها قيادة المعسكر الرأسمالي في الغرب، وكان منافسا كما هو معروف للمعسكر الشيوعي في الشرق الأوروبي بقيادة الاتحاد السوفييتي.

ولما كان دور القوة ـ الدولة العظمى ينطوي على مسؤوليات وتكاليف، فقد كان على واشنطن أن تتحرك عبر أكثر من منطقة في أرجاء عالمنا، وإن جاء هذا التحرك ما بين الخمسينات إلى الستينات عبر مناطق ثلاث ظلت في حالة تماس مع المصالح القومية العليا للولايات المتحدة.

 

أميركا اللاتينية

كان هناك أولا منطقة أميركا اللاتينية الواقعة بالطبع جنوبي الولايات المتحدة، وقد أطلق عليها نفر من آباء السياسة الأميركية وصفا لا يروق بالطبع لأبناء القارة اللاتينية، وهو: أميركا اللاتينية هي الردهة الجنوبية لأميركا الشمالية (الولايات المتحدة بالذات).

جاء هذا الاهتمام شطر الجنوب منطلقا من حقائق الجغرافيا، فثمة اهتمام بأميركا اللاتينية كان ولا يزال قائما ومطروحا في سياسة واشنطن، وهو ينطلق بدوره من حقائق الديمغرافيا، حيث تزداد نسبة مواطني الولايات المتحدة ممن تعود جذورهم وتنتمي أصولهم إلى عنصر الهسبان ذوي الأصول الإسبانية من حيث اللغة والثقافة والمشارب والتكوين، وهي العناصر الوافدة جيلا من بعد جيل من أصقاع أميركا الجنوبية اللاتينية، ومن مناطق الجوار المتاخم للولايات المتحدة في أميركا الوسطى الواقعة ضمن إطار البحر الكاريبي، والفاصلة بين الشمال والجنوب في الجزء الغربي من الكرة الأرضية.

الشرق الأوسط

وكان هناك أيضا ـ ومنذ سنوات الأربعينات وما بعدها ـ تركز الاهتمام المحوري والملتهب أحيانا على منطقة الشرق الأوسط، أو على ما يُعرف في مفردات السياسة العربية بأنه أقطار المشرق العربي شاملة في ذلك مصر العربية، وخاصة بعد تأييد ومن ثم تبني السياسة الأميركية مشروع الاستيطان الاستعماري المرادف لاغتصاب الأرض العربية في فلسطين، فما بالنا باكتشافات النفط في المنطقة العربية مع ازدياد حاجة الآلة الصناعية الجبارة في الغرب الأوروبي لهذا المورد الحيوي المولّد للطاقة، فضلا عن اتساع التوظيف الملياري لاستثمارات الشركات والاحتكارات النفطية الأميركية في هذا القطاع العربي ـ الشرق أوسطي على وجه الخصوص.

 

روسيا والصين

وأخيرا فهناك منطقة جنوب الشرق الآسيوي، وقد تجلى اهتمام أميركا بالمنطقة المذكورة منذ انهيار، ومن ثم زوال، الامبراطورية الاستعمارية الفرنسية، من أصقاع جنوب شرقي آسيا، بعد هزيمة القوات الفرنسية على يد الجنرال "جياب" في أرض فيتنام (موقعة ديان بيان فو عام 1954).

وهو ما خلّف الفراغ الاستراتيجي في أدغال جنوب شرقي آسيا، فما بالنا وقد جاء تاريخ الموقعة المذكورة بعد 5 سنوات من قيام الدولة، أو التنين الذي حمل في عام 1949 اسم "جمهورية الصين الشعبية" التي تم إعلانها إثر انتصار حركة المقاومة الوطنية الصينية على السيطرة اليابانية، فيما جاء إنشاء الدولة الصينية المذكورة وبقيادة حزب واحد يعتنق الايديولوجية الماركسية، ليوسع إطار الرقعة التي كان يشكلها كل من الاتحاد السوفيتي وتوابعه الممتدة من شرق أوروبا إلى أواسط القارة الآسيوية وصولا إلى الأراضي الصينية.

وبهذا دخل عالم ذلك الزمان عند انتصاف القرن العشرين، منذرا بشراكة مستجدة ربطت بين الكرملين الروسي (ستالين) والميدان السماوي الصيني (ماوتسي تونغ)، وكان في ذلك إنذار ظلت أجراسه تدق بغير توقف في أروقة البيت الأبيض الأمريكي (ابتداء من رئاسة ايزنهاور إلى رئاسة نيكسون، عبر رئاسة كل من جون كينيدي وليندون جونسون، منذرة بانحسار النفوذ الأميركي وغروب شمس الهيمنة التي كانت تنعم بها واشنطن، وخاصة عند أصقاع هذا الشرق البعيد).

 

الشرق الأوسط

وكما توالى اندفاع موجات إثر موجات في مياه البحار والمحيطات، ظلت بوصلة الاهتمامات الأميركية عسكرية كانت أو سياسية تنتقّل ما بين مياه البحر المتوسط الذي تطل عليه أقطار شتى من المشرق والمغرب العربي.. إلى مساحات من اليابسة التي تغطي المنطقة المذكورة، وتجلى ذلك عبر تواريخ شتى منها أحداث 1967، ومنها جهود "كيسنجر" التي أثمرت اتفاقات "كامب ديفيد".. ومنها تداخلات أميركية في حرب تحرير الكويت وصولا إلى المجهود الحربي الأميركي في غزو العراق.

صحيح أن هذه التحركات والمشاهد جاءت لتعكس في مجموعها اهتماما محوريا أميركيا بمنطقة الشرق الأوسط ـ البحر الأبيض المتوسط، وصحيح أن الأسطول الأميركي السادس ظل يجوب مياه البحر المذكور معبرا عن استمرار هذا الاهتمام، لكن الصحيح أيضا أن ثمة توجهات لا يمكن أن تفوت عملية الرصد السياسي لمسارات السياسة الأميركية في الفترة الأخيرة، وخاصة منذ عام 2005 وما بعده.

 

شرق آسيا

لقد ظلت أميركا بعد تجربتها المريرة والسلبية في أحراش الدغل الآسيوي، وخاصة بعد سقوط سايغون وخروج آخر القوات، بل آخر عناصر الوجود الأمريكي من فيتنام في عام 1975.. تتوخى أسلوب الرصد من بعيد لبعيد، كما يقولون، لتطورات الأمور في منطقة جنوب شرق آسيا.

والأكثر من هذا أن واشنطن عمدت ـ على يد هنري كيسنجر أيضا ـ إلى التقارب مع الصين الشعبية التي ظلت تعاني عزلة أو شبه عزلة في المحيط الدولي، إلى أن اتفق الطرفان على إقامة علاقات دبلوماسية كاملة وتطبيع العلاقات بينهما قبل انقضاء عقد السبعينات.

ولأن السياسات والمصالح المعبرة عنها خاضعة أبدا للمتغيرات، فها نحن نلاحظ، من منظورنا العربي، ظاهرة التغير أو التحول في بوصلة الاهتمامات الأميركية، وهو تغير أدى إلى أن أصبحت زوايا أو تركيز بورصة المصالح المذكورة، موجهة نحو مناطق أخرى من العالم بخلاف الشرق الأوسط والغرب الأوروبي، وحتى القارة اللاتينية الواقعة جنوبي الولايات المتحدة.

ليس معنى هذا أن واشنطن نفضت يدها أو أوقفت اهتماماتها بمنطقة الشرق الأوسط حيث لا يزال النفط عاملا حيويا، ولا منطقة إفريقيا حيث الصراع ما برح محتدما ومن المتوقع أن يزداد تكاثفا بين أميركا وبين قوى دولية عديدة، لعل أهمها الصين التي أصبحت رقما صحيحا وفاعلا في معادلة القوى اللاعبة على رقعة الشطرنج الإفريقية.

 

تحولات جوهرية

التحولات الجوهرية التي يمكن رصدها، باتت تتجه إلى اثنتين من مناطق العالم المنتفضة بالحيوية.. قدر احتوائها على إمكانات ووعود شتى من النواحي الجيوسياسية والاقتصادية، أيضا. والمنطقتان هما:

المحيط الهندي، وخاصة ما يتعلق بمستقبل شبه القارة الهندية وما يجاورها من تخوم وأقطار، وهو ما عبر عنه واحد من أحدث الكتب الصادرة في عام 2011 الماضي بعنوان "مونسون"، وهو من تأليف الكاتب الأمريكي "روبرت كابلان" الذي جمع في كتاباته الاستراتيجية بين الاهتمام بمنطقة المحيط الهندي (اختار لكتابه الأخير عنوان "المونسون" الذي يشير بالطبع إلى الأعاصير الموسمية الاستوائية التي تعرفها المنطقة الآسيوية المذكورة.

وخاصة في ضوء الأشواط الواسعة واللاهثة التي لا تلبث الهند تحققها في مضمار العلم والتكنولوجيا؛ في ميدان الحواسيب ودنيا المعلومات والاتصالات على وجه الخصوص)، إضافة إلى اهتمام "روبرت كابلان" أيضا بالصراع الذي كان قد اندلع في عقد التسعينات في جنوبي أوروبا وعقب انهيار صيغة الاتحاد اليوغسلافي، وكان ذلك موضوعا لكتاب "كابلان" بعنوان "أشباح البلقان"..

المنطقة الثانية والمستجدة، أو المتجددة من حيث الاهتمام الأميركي، هي منطقة المحيط الهادئ.

 

المستقبل في آسيا

وفي هذا السياق تذهب السيدة "هيلاري كلينتون" وزيرة خارجية الولايات المتحدة، وحسب ما كتبته حرفيا، إلى توقعات تقول فيها:

إن مستقبل الجغرافيا السياسية سوف يتحدد في قارة آسيا، وليس في أفغانستان ولا في العراق. ومن هنا فلا بد أن تحرص الولايات المتحدة على أن تكون محورا لما سيتم في هذا المضمار، ومنذ اللحظة الأولى.

وبالمناسبة كانت تلك هي المقدمة التي اختارتها "هيلاري كلينتون" مدخلا لدراسة ضافية نشرتها مؤخرا في مجلة السياسة الخارجية (فورين بوليسي، عدد نوفمبر 2011)، وأشارت فيها إلى أن منطقة الباسفيك ـ المحيط الهادئ ـ ما زالت تستوعب في تصور وزيرة خارجية أمريكا، أصقاعا تحوي من جهة العديد من البلدان.

ويسكنها العديد من الأمم والشعوب من جهة ثانية.. فيما تمتد من جهة ثالثة كي تجمع بين شبه الجزيرة الهندية (بمعنى أنها تستوعب منطقة "المونسون" التي عرض لها، كما أسلفنا، الكاتب "روبرت كابلان".. مرورا بجنوب شرقي آسيا (منطقة النمور الاقتصادية سابقا) وبعدها أراضي الصين، وصولا، وهذا هو المهم، إلى السواحل الغربية حيث ولاية كاليفورنيا بالذات، من الولايات المتحدة الأمريكية.. وبهذا تجمع هذه الرؤية الأمريكية المستجدة والمهمة أيضا، بين المحيطين الهندي والهادئ على حد سواء.

 

 

حروب جديدة فقط من أجل المال

 

 

تشهد السياسة والاستراتيجية تحولات وتطورات، ما برحت تستجد على الصعيد الدولي وتتغير طبقاً لتحولات المصالح القومية العليا للدول والشعوب. ويتجلى النموذج الأميركي في السلوك السياسي آية دالة على تلك التحولات في بوصلة الإطلالة الأميركية على العالم، ما بين أميركا الجنوبية التي تعدها واشنطن بمثابة "الردهة الخلفية".

أو كما أطلقوا عليها "الحديقة الخلفية" للقصر الأميركي الحصين، إلى تمحور السياسة والاهتمامات الأميركية على منطقة الشرق الأوسط والبحر المتوسط، سواء خلال أيام الحرب العالمية الثانية أو بحكم إيجاد مشروع الاستيطان العنصري الصهيوني على أرض فلسطين العربية، والذي كان تحت الحماية البريطانية وبات تحت مظلة الحماية الأميركية.

أو بحكم تحول منظور السياسة الأميركية، على نحو ما أوضح الكاتب الأميركي "روبرت كابلان" مؤخراً إلى المحيط الهندي، وبالتالي، حيث شبه القارة الهندية بكل ما باتت تنطوي عليه من آمال، أو بالأدق من تحديات تشير بصعودها إلى آفاق جديدة، بفضل ما تشهده الهند من تطورات ومنجزات في مضمار البحث والتطوير وتكنولوجيا المعلومات والاتصال.

على أن بوصلة الاهتمامات المحورية في السياسة الأميركية بدأت تبدي تحولًا في الفترة القريبة الماضية نحو المحيط الهادئ، حيث تعدّ الولايات المتحدة الأميركية نفسها جزءاً من تلك المنطقة، وحيث بات منظور السياسة الخارجية الأميركية من الاتساع حسب أحدث تجلياته، لدرجة أن تمتد مساحة اهتماماته في المستقبل لتغطي مناطق اليابسة والمياه التي تبدأ عند شبه الجزيرة الهندية، ثم عبر الأصقاع الشاسعة من جنوب شرقي آسيا ورقعة الصين، لتصل إلى الساحل الغربي للولايات المتحدة ذاتها (كاليفورنيا)، على نحو ما أوضحته دراسة مهمة منشورة مؤخراً بقلم السيدة "هيلاري كلينتون" وزيرة خارجية الولايات المتحدة.

و ربما لم تخض دولة في التاريخ حروباً خارج أراضيها مثلما خاضت الولايات المتحدة الأميركية في كافة أرجاء الأرض بلا استثناء، وكلما خاضت أميركا حرباً خارج حدودها، بادر المفكرون إلى العمل وشمّر الباحثون عن سواعد الدرس والتحليل، كي يفتشوا عن الأسباب الجوهرية للقرار الذي حشدت به الولايات المتحدة مجهودها الحربي، من رجال (ونساء) ومن بلايين الدولارات، ومن أحدث أنواع العتاد وأمضاها من حيث الحجم والفاعلية والتأثير.

ولقد ظل الحديث والتحليل يدور باستمرار حول قضية أو مقولة واحدة لا تتغير، بل تتكرر معها الطبعة الجديدة من مقولة نابوليون بونابرت الشهيرة وهي "ابحث عن المرأة"، مبررا بالطبع حركة السياسة وأحابيل الساسة عبر العصور. لهذا كانت المقولة الأميركية تدور حول معنى واحد مستقى من نابليون وهو: ابحث عن المصلحة.

وبديهي أن صانع القرار الأميركي كان يتوخى دائما تحقيق مصالح استراتيجية بالدرجة الأولى لبلاده، من وراء تحريك القوات وحشد المجهود العسكري بكل ما ينطوي عليه ذلك من مغارم ومن تكاليف.

ولقد كان المتصور أن تخلد واشنطن إلى نوع من الهدوء أو السكينة، بعد ما أحرزته من فوز على غريمها الألماني هتلر وحلفائه في إيطاليا واليابان وغيرهما خلال أحداث الحرب العالمية الثانية، خاصة وقد استطاع الجهد الأميركي، العلمي قبل العسكري، أن يتوصل كما هو معروف إلى إنتاج القنبلة الذرية التي حسمت بها أميركا معمعة الحرب الكونية المذكورة.

فكان أن استخدمت ذلك السلاح النووي الرهيب في موقعين باتا مشهورين من رقعة اليابان الامبراطورية، وهما "هيروشيما" ثم "ناغازاكي"، فإذا بالموقع الياباني الثالث وهو "طوكيو" يعلن الاستسلام آية على الهزيمة في الحرب، ثم يقبل التسليم للجنرال الأميركي "ماك آرثر" في أغسطس من عام 1945.