ارتبطت حضارة الإنسان بوجود المؤسسة التي تتولى تنظيم حركة المجتمع البشري وتحمل اسم «الدولة» التي يعد الأمن والخدمات الأساسية في مقدمة ما تضطلع به من وظائف ومهام. وفيما تعد الدولة كمفهوم أمر ثابت الرسوخ، إلا أن الدولة كنظام ومؤسسة وأفراد وأعوان تفيد معنى التغير المستمر والصيرورة بمعنى عدم الدوام وهو ما يشير إليه مفهوم الفعل دالت أي تحولت وانتهت في اللغة العربية، بقدر ما يفيد أيضاً لفظ الدولة في أكثر من لغة من لغات الغرب الأوروبي ــ الأميركي. على أن مفهوم الدولة بكل ما ينطوي عليه من مهام ومسؤوليات وتوجهات تعرض بدوره إلى تغييرات عبر الزمن ومع تغير الأنساق الحضارية، ما بين دولة ــ المدنية الفاضلة عند أفلاطون إلى دولة فقهاء العلم المسلمين عند الفيلسوف الفارابي إلى الدولة الحازمة إلى درجة القسوة الشديدة الأقرب في قسوتها إلى كائن التنين الخرافي عند الفيلسوف الإنجليزي «هوبز» إلى اليوتوبيا ــ المجتمع الفاضل الأقرب إلى الحلم والخيال عند مفكر انجليزي آخر هو «توماس مور» وعبر هذه التباينات في النظرة إلى الدولة. تبلورت مفاهيمها إلى الدولة الرأسمالية في القرن العشرين، على نحو ما جسدته أوروبا وأميركا وهي النظم التي حققت إنجازات لا تنكر في مجال التقدم والرفاه، ولكنها ما لبثت أو أصيبت من جراء الأزمات الدورية للنظام الرأسمالي على نحو ما تعانيه اقتصاداتها ومجتمعاتها في الفترة الراهنة.
لأن الإنسان مأمور بحكم نواميس الكون بأن يتولى عمران كوكب الأرض.. فقد ظل تاريخ البشرية يشهد إبداعات تترجم استخلاف البشر إلى مبتكرات تدعم مسيرة التقدم وتحدو خطى التطور، وتقيم مؤسسات اصطنعها الإنسان تجسيداً للهدف الأكبر والأسمى الذي ما برح يحمل اسماً جليلًا ومستعصياً في الوقت نفسه على التعريف والتحديد.. والاسم ببساطة شديدة هو: الحضارة، وهي المحصلة المتطورة باستمرار، والحاضنة بكل تأكيد لقدرة العقل البشري، وهو أعظم عطية ثمينة وهبها الخالق عزّ وجل للإنسان ــ ونعني بها قدرة التغيير إلى الأفضل من خلال عملية تراكمية إن جاز التعبير، تشهد طبقات أو تراكمات كمية فيما يتعلق بأساليب المعيشة وطرائق التعامل مع سائر مخلوقات الله من حيوان ونبات وجماد، ثم لا تلبث هذه التراكمات الكمية أن تتحول في لحظة من لحظات الإشراق أو التنوير أو فلنقل النهضة ــ إلى تغييرات كيفية تدفع بصيغ الحياة فوق كوكبنا أشواطاً بعيدة إلى الأمام.
مع هذا كله فثمة مؤسسة اصطنعها البشر عبر هذه المسيرة الحضارية كي يعهد إليها بمسؤولية السهر على ما يتم إنجازه من تحولات، فضلاً عما يرنو الناس إلى تحقيقه من آمال وغايات.
هذه المؤسسة تحمل اسماً يصل في بساطته إلى مستوى البديهية وهو: الدولة.
نعم اصطنع الإنسان مؤسسة الدولة كي تتولى أولاً تنظيم أمور الجماعة البشرية، وكي تسهر ثانياً على تأمين وسلامة هذه الجماعة، سواء بحل منازعاتها الداخلية أو تأمين كياناتها وحدودها الخارجية، مع إتاحة الفرصة وسط هذه الأجواء كي يتابع رعايا هذه المؤسسة تشغيل عقولهم واستثمار خبراتهم الحياتية واستشراف آفاق أرحب وأسمى تنقل معايشهم إلى مستوى أعلى وأرقى، سواء من حيث قدراتهم في التعامل مع الطبيعة أو في تسخير إمكاناتها ومواردها وآلائها لخدمة التحولات الجذرية ــ وتسمى أحياناً الثورية - التي يرنو البشر إلى إضفائها على أساليب الحياة التي تعّودوا على انتهاجها عبر الأجيال والأصقاع والثقافات.
من هنا يشغف المهتمون في تخصصات العلوم السياسية بسيرة «الدولة». تاريخها وتطورها والأدوار التي درجت الدولة على الاضطلاع بها مع اختلاف الظروف.