ليس صدفة ــ في تصورنا ــ أن تجمع «الدولة» كمفهوم ومصطلح وكدور ومهام ــ بين عنصرين متناقضين في نهاية المطاف، فالدولة مؤسسة حيوية بل هي واجبة الوجود ومحفوظة الأدوار.. وبغير وجود الدولة، وبغير ممارستها لوظائفها الحيوية فلن يحل محلها سوى آفة الفوضى وخطر الدمار.
مفهوم الدولة
في الوقت نفسه فمازال مفهوم الدولة يحمل، حتى من واقع تراكيبه وصياغته اللفظية معنى التغير والتبدل المتواصل يشهد بهذا معنى «الدولة» في عربيتنا الشريفة ــ الفصيحة الذي يفيد معنى اللا استمرار والتبدل والصيرورة والتغير من حال إلى حال.. وهو ما ينصرف إليه الذهن لدى التعرض لمعنى «دالت الدولة».. أي تبدلت أحوالها وتغيرت أوضاعها كي يستبدل بها أحوال وأوضاع جديدة.
الظلال من المعاني والمفاهيم نفسها تنطبق على مصطلح الدولة (State) في الإنجليزية وما يجاوبه أو يرادفه من مصطلحات الدولة (etat) في الفرنسية أو (Estada) في الأسبانية وكلها تنصرف إلى مفهوم «الحالة» بمعنى الوضع القابل بحكم التعريف للتغير من طور إلى طور ومن حال إلى حال. وربما جاء هذا المعنى أقرب إلى رحمة القدر بالمجتمعات البشرية، حيث يصدق على مؤسسة الدولة صفة التغير والتبدل باستمرار.. وحيث تظل أفئدة الناس من محكومي الدولة أو من رعاياها يحدوها الأمل في تغير الظروف، خاصة في حالة الدولة الظالمة أو العاجزة أو غير المبالية.
ابن خلدون
وربما كان في هذا الأمل في التغير ما دفع المفكرين وفلاسفة السياسة إلى أن يشغفوا، عبر الثقافات والحضارات، بمتابعة وتحليل مفهوم الدولة ووظائفها.. ابتداءً من المفكر الإسلامي «عبدالرحمن بن خلدون» الذي ربط في مقدمته الشهيرة بين دور الدولة وبين تشييد العمران (بمعنى صنع الحضارة).. ومروراً بنظريات الحكم والدولة عند أفلاطون الذي طرح مفهوم الدولة «في عالم المثل» وهي النموذج الأمثل أو اليوتوبيا اللامكان في لغة الإغريق التي يحكمها الفلاسفة.
وقد شق أفلاطون بهذا المنحى الفكري في علم السياسة وأصول الحكم سبيلًا مستجداً ترجمه المفكرون والفلاسفة من بعده في مؤسسة حملت اسم المدينة الفاضلة ــ اليوتوبيا أو النظام الطوباوي ــ الذي يترجم رؤية المفكر أو أشواق الفيلسوف إلى عالم أفضل يتوق إلى تحقيقه المحكومون التماساً لتجسيد قيم الحق والعدل والفضيلة والأمان على السواء.. على نحو ما يذهب إليه فيلسوفنا المسلم «أبوالنصر الفارابي» (ت سنة 950 للميلاد) في أطروحته الشهيرة بعنوان «آراء أهل المدينة الفاضلة» التي يتصور ــ يتخيل - أن يحكمها نخبة من العلماء الأتقياء الذين يسيرون سيرة حسنة في سياسة أمور المحكومين.
هوبز ومور
وعلى عكس هذا الرفق في سياسة الأمور تأتي رؤية الفيلسوف الإنجليزي «توماس هوبز» (1588-1679) الذي يتصور الدولة كائناً بالغ الحزم إلى درجة القسوة الداعية، في تصوره، إلى حالة من الانضباط بعكس حالات الفوضى التي قد تسقط فيها المجتمعات في وهدة الانحدار الحضاري. ومن هنا جاءت تشبيهات «هوبز» إياها بأن الدولة هي أقرب إلى كائن المارد ــ التنين الخرافي ــ «ليفاياثان» وهو عنوان كتابه الأشهر الصادر في هذا المضمار.
أين هذا من مفكر إنجليزي آخر هو السير «توماس مور» الذي أصدر في عام 1516 كتابه بعنوان «اليوتوبيا» أو المدينة الفاضلة ليصّور في سطوره ما يرنو إليه الناس من إقامة مجتمع مأمول يقوم على فضيلة العمل اليدوي وتفاعل وإيجابية العلاقات الاجتماعية.
لكن هذا كله ظل محصوراً في عالم المفكرين ومتداولًا ضمن رؤى الفلاسفة وخيالات الكاتبين. ولعل هذا الانحسار هو الذي دعا عاهلاً مثل «لويس الرابع عشر» ملك فرنسا خلال الفترة (1638 - 1715) لإعلان مقولته الشهيرة: أنا الدولة.
الثورة الفرنسية
وبديهي أن هذا التجسيد أو الترميز أو التداخل المرفوض بين مؤسسة الدولة وبين الفرد أياً كان دوره وحجم وجوده في سياق الحكم ــ ظل موضعاً للرفض أو التحفظ إلى أن نشبت ثورة فرنسا الكبرى في 14 يوليو 1789 لتطرح مفهوماً مستجداً للدولة وتفتح المجال لاجتهادات فكرية شتى بشأن الدولة كمؤسسة ونظرية ودور وإمكانات. وعليه، فقد تناهت إلى العصر الحديث مفاهيم تقول بالدولة الحارسة التي تقف أو تكاد تقف على مسافة واحدة من سائر الطبقات والشرائح والفئات التي تشكل فيما بينها نسيج المجتمع.
ومنها ما يقول بالدولة المشارِكة أو الضالِعة بمعنى المتداخلة في حياة هذه الفئات والطبقات.. وفيما يبدأ هذا الدور الضالع من جانب الدولة بداية محمودة حين لا تقف الدولة على الحياد بين الطبقات بل تعمد إلى إنصاف الطبقات الفقيرة والفئات المستضعفة كي تحصل للضعيف على حقه.. إلا أن المشكلة تتمثل أحياناً في أن توغل مؤسسة الدولة في هذا السبيل إلى أن تصبح هاجساً وأحياناً كابوساً يتدخل ومن ثم يتداخل بما يملكه من أجهزة وأعوان وإمكانيات في صميم حياة المواطنين.. وهو ما عمد إلى تصويره ــ هل نقول تبشيعه ــ الكاتب الإنجليزي «جورج أورويل» في روايته بعنوان «1984».
الرأسمالية والاقتصاد
وإذا كان «أورويل» قد حذر من تدخل الدولة في حياة الناس إلى درجة إحصاء أنفاسهم.. وكان بهذا يحذر من دول النظام الشيوعي ــ الستاليني بالذات ــ فقد راق الاتجاه المعاكس لفلاسفة النظام الرأسمالي الذي يرفض أي تدخل من جانب الدولة، ولو كان الهدف ــ كما هو واجب ــ من أجل ترشيد أداء الاقتصاد وفي سبيل حماية مصالح المواطن العادي البسيط من تغوّل الاحتكارات الرأسمالية التي تصّب في التحليل الأخير في مصلحة أقلية _ أوليجاركيه كما يسمونها في المصطلح السياسي وعلى حساب مصالح الغالبية العظمى من عامة المواطنين.
هذا النهج الاحتكاري ــ مقرونا بتحالفات شهدتها النظم الرأسمالية في الغرب الأوروبي والأميركي ــ مع عناصر مديري المصارف ورؤساء البورصات ومجالس إدارات الشركات.. هو الذي أسلم إلى اندلاع أزمات مالية ــ اقتصادية عصفت بتلك المجتمعات في الماضي وفي الحاضر على السواء.
أزمات دورية
وفيما لا يزال العالم يكابد عقابيل الأزمةالاقتصادية ــ المالية التي أطّلت برؤوسها البشعة منذ خريف عام 2008 وتمثلت أول نذرها في انهيار عدد من أكبر بيوتات المال والأعمال في الولايات المتحدة.. فقد جاءت هذه الأزمة كي تعيد إلى الذاكرة الجمعية المعاصرة أزمة مماثلة كانت في أيامها تعبيراً عما خلصت إليه الدراسات التحليلية في مجال الاقتصاد ــ السياسي حين نبهت إلى أن النظام الرأسمالي من شأنه أن يشهد، بحكم قوانين تطوره ما درجوا على أن يطلقوا عليه المصطلح العلمي التالي: الأزمات الدورية.
وبغير توغل في مسير التاريخ.. فربما يكون مفيداً أن نتوقف عند واحدة من أخطر تلك الأزمات الدورية، تلك التي أصابت أميركا بالذات مع ختام عقد العشرينات من القرن الماضي.. وانتشرت نتائجها السلبية في جنبات المجتمع الأميركي مع فاتح عقد الثلاثينات.
وليس في الأمر مجرد استعادة لآلام سبق وأصابت مجتمعات أخرى.. بقدر ما أنها دعوة لاستيعاب الدروس المستفادة وخاصة دروس النجاح المشهود الذي أحرزته القيادة السياسية بالذات في الولايات المتحدة فيما يتصل بإيجاد حلول ناجعة وفعالة للخروج من ربقة تلك الأزمة التي مازالت تعرف في التاريخ بالاسم التالي:الركود العظيم (بمعنى الفادح الخطير).
روزفلت وكنز
هكذا تشابكت خيوط الاقتصاد مع أنسجة السياسة وهو ما استدعى إرادة سياسية بالدرجة الأولى كي ينطلق القوم، في سنوات الثلاثينات إلى إصلاح الاقتصاد.
هذا الإصلاح حمل في أميركا عنواناً مازال متميزاً في حوليات التاريخ الأميركي وهو: الصفقة الجديدة (نيو ديل) التي نادى بها الرئيس فرانكلين روزفلت.
أما في غرب أوروبا، انجلترا بالذات فقد كان الفضل في الإصلاح يرجع إلى نظرية كانت مستجدة أيامها على دنيا الاقتصاد السياسي.. وحملت العنوان التالي: «النظرية العامة» التي بلورها وطرحها المفكر البريطاني جون ماينارد كينز. نحن إذن بإزاء «الصفقة الجديدة» و«النظرية العامة» في الاقتصاد.. وفي ركابهما لاحت نذر الخلاص من ربقة الأزمة التي نشبت منذ 80 عاماً.. ومطلوب وعي دروسها المستفادة لمعالجة الأزمات الماثلة في اللحظة الراهنة من عمر عالمنا. وهذا هو موضوع الجزء الثاني المتمم لهذا الحديث.
إضاءة
الركود العظيم
«دائرة المعارف الأميركية» تصف أزمة الركود العظيم في أواخر العشرينات من القرن الماضي بأنها جاءت على شكل أزمة اقتصادية لم يسبق لها مثيل، وجاء أول نذرها السلبية متمثلًا في انهيار أسعار الأوراق المالية في البورصة الأميركية وهو ما جاء بدوره نتيجة حزمة من العوالم السلبية التي كان في مقدمتها مثلاً فداحة المديونية التي تحملت بها الخزانة القومية بعد الحرب العالمية الأولى.. وهو ما أدى أيضاً إلى ارتفاع نسبة البطالة وقتها من القوى العاملة في أميركا (16 مليون نسمة أي بنسبة تقارب 35% من مجموع الأيدي العاملة في البلاد). وكان طبيعياً أن تعبر آثار وعقابيل الأزمة مياه المحيط الأطلسي فتصيب أقطار غرب أوروبية وتشكل واحداً من أخطر الأسباب التي أدت إلى وصول الحزب النازي العنصري إلى مقاليد الحكم بزعامة أدولف هتلر في ألمانيا.