سبق انعقاد مؤتمر ديربان، ومع منتصف نوفمبر الماضي بالذات، نشر تقرير دولي بالغ الأهمية في تصورنا صادر عن أكبر وأهم مجموعة عمل معنية بقضية المناخ الكوكبي وما ينجم عنها من آثار من شأنها أن تنعكس سلبا على حياة البشر؛ كل البشر في كوكبنا. نتحدث هنا عن «فريق خبراء الأمم المتحدة الحكومي الدولي المعنّي بتغير المناخ» على نحو ما يشير إليه اسمه الرسمي المعتمد في قاعدة بيانات المنظومة الدولية.

ولقد صدر التقرير الدولي المذكور ينبّه إلى حقيقة يمكن تلخيصها من واقع سطوره على النحو التالي:

 

العامل البشري

إن حالات تطرف الطقس (فلنتذكر هنا أحوال الطقس مع شتاء العام الماضي بالذات) ــ إنما حدثت بوصفها نتائج مترتبة على تغيرات المناخ ذات المنشأ البشري. بيد أن الخطورة تكمن فيما يُحتمل توقعه من نتائج سوف تسوء عواقبها على مدار العقود الزمنية المقبلة مجسدة .

ــ كما يضيف التقرير أيضاً ــ في ارتفاعات غير مسبوقة في درجات الحرارة، وأيضا في درجات البرودة وهطول الثلوج، فضلا عن زيادة مناسيب ومعدلات التساقط المطري وبشكل أدى، وسوف يؤدي، إلى مزيد من الفيضانات الساحلية بكل ما يرتبط بهذه التطرفات المناخية من أعاصير وعواصف جليدية وصواعق اجتاحت أرجاء شتى من عالمنا، وأدت، كما أصبح معروفا ــ إلى حالات تدميرية.. بل وكارثية في بعض الأحيان.

ويبدو أن ثمة اهتماما، وربما تركيزا في هذا السياق على ما قد يحيق بالقارة الإفريقية في هذا المجال.. من هنا فلم يكن مصادفة مثلاً أن يكون محل صدور التقرير الدولي الذي ألمحنا إليه هو «كمبالا» عاصمة أوغندا في وسط إفريقيا، وأن تكون بريتوريا ــ جنوب إفريقيا هي المحل المختار.

كما أسلفنا لانعقاد المؤتمر العالمي المهتم بنفس قضية المناخ، ولكن مع توسيع آفاق وأبعاد هذا الاهتمام كي يمتد ليشمل كذلك الصلة بين تغيرات المناخ وبين مستقبل الإمداد العالمي من الأغذية.. وآفاق تسعيرها وتنوعها وجوانبها الصحية ومدى إتاحتها، بالنسبة لسكان القارة الأفريقية على وجه الخصوص.

 

جائزة نوبل

بيد أن «تقرير كمبالا» حرص على التزام موقف متحفظ أو متحّوط وخاصة إزاء ما طرحته سطوره من توقعات أو تنبؤات على نحو ما تشير إليه مقالة مهمة بقلم «جوستين غيلز» (نيويورك تايمز، 18/11/2011). وعندنا أن هذا التحفظ إنما يرجع أولًا إلى ما سبق وأن واجهه أعضاء الفريق الدولي من انتقادات من جانب دوائر علمية وسياسية وحزبية لكل منها توجهاتها المشروعة وغير المشروعة.

والمعروف أن الفريق الدولي المذكور فاز ــ كما هو معروف ــ بجائزة نوبل العالمية الرفيعة في عام 2007 جنبا إلى جنب مع «آل جور» النائب الأسبق رئيس الولايات المتحدة (في حقبة بيل كلينتون) .

وكان في ذلك تقدير دولي سواء لجهود «آل جور» بوصفه داعية دوليا للاهتمام بالبيئة منذ سنوات عقد التسعينات أو لجهود فريق الخبراء العالميين في ما يتعلق برصد أحوال الكوكب وتشخيص الأدواء التي يعانيها من جراء الأنشطة البشرية ــ الصناعية بالذات ــ ودق أجراس التنبيه إلى حد الإنذار بشأن العواقب السلبية لمثل هذه الأنشطة على حاضر البشرية ومستقبل أجيالها.

لهذا، وكما تشير مقالة «التايمز»، فقد حرص التقرير على الموازنة بين رأيين، أولهما يذهب إلى التنبيه إزاء خطورة استشراء ظاهرة الأعاصير العاتية والمدمرة على الهياكل والمرافق الأساسية والمنشآت الحيوية في هذا الجزء أو ذاك من خارطة العالم، فيما عرض التقرير للرأي المقابل الذي يتصور أن مثل هذا التوقع المتشائم مازال أمرا سابقا لأوانه.

ورغم هذا الحرص على موازنة الأمور، فإن الباحث في مثل هذه القضايا لا يمكن أن يتجاهل قضية خطيرة بدورها وتتمثل في ظاهرة اجتثاث الغابات المطيرة أو هي آفة، هل نقول جريمة، إزالة الأشجار السرمدية في مناطق الأمازون البرازيلية بالذات، وهي التي يصفها الاختصاصيون بأنها تمثل مستودع إنتاج الأوكسجين أو هي رئة التنفس الصحي السليم لكوكب الأرض.

 

دراسة من البرازيل

في هذا السياق، ومن البرازيل هذه المرة نتابع دراسة بقلم الكاتب المخضرم «ليو سيرفا» يحذر فيها من عقابيل جريمة ترتكب حاليا وتتمثل في إحراق غابات حوض الأمازون (أطول وأهم أنهار العالم)، ويسجل وقائع الجريمة التي تمثلت في وقوع عشرة آلاف حالة إحراق أدت لتدمير وإزالة تلك الغابات المطيرة بكل ما كانت تضمه من صنوف الشجر والنبات والحيوان والأعشاب..

وقد وقع هذا الدمار في عام 2010 وحده.. وبعدها يواصل الكاتب البرازيلي تحليله، موضحا أن السنوات الخمسين الماضية ــ وهي غمضة عين بالطبع في تاريخ البشرية ــ شهدت تدمير وإزالة 20 في المئة من غابات البرازيل، فضلا عن تعريض سائر غابات المنطقة لحالة من التدهور المنذرة بالزوال أو الجفاف.

وهو ما يرادف حرمان العالم ــ الكرة الأرضية وسكانها ومستقبلها من العوامل التي تكفل ــ كما شاءت لها عبقرية خلق الكون عوامل التوازن الايكولوجي وسلامة الدورة المائية الكوكبية ومن ثم نعمة سقوط الأمطار التي تمثل بالطبع المصدر الثري والمتواصل لإمداد البشر بما يحتاجونه من الماء ــ أصل كل شيء حيّ.

 

نموذج البرازيل

يسترعي انتباهنا في هذا المقام أن الكاتب البرازيلي اختار ألا يشغلنا، كقارئين أو محللين، بالقضايا الكبرى.. فلا هو يتكلم عن كوكب الأرض ولا عن الاقتصاد العالمي، ولا حتى عن بحوث أو إصدارات «فريق الخبراء الحكومي الدولي التابع للأمم المتحدة».. الذي عرضنا له في مستهل هذا المبحث.

إن «ليو سيرفا» يركز الحديث بالأساس على بني جلدته.. وبالذات على شعوب سكان أميركا اللاتينية الأصليين.. وقد عانوا في حِقب سابقة أغلال العبودية إلى أن صدر في عام 1888 قانون تحرير العبيد، وكانت البرازيل بذلك أول دولة تقرر تحرير الرقيق في قارتيْ أميركا الشمالية والجنوبية على السواء. لكن ها هي غابات الأمازون التي تسكنها تلك الشعوب منذ الأزل .

وقد تحولت لصالح عتاة الرأسمالية الزراعية البرازيلية إلى ساحات منبسطة بعد إزالة الأشجار السرمدية لزوم استزراعها بمحاصيل فول الصويا وما إليها.. وجاء ذلك كله على حساب أساليب الحياة التي درجت عليها اعتمدت عليها معايش شعوب سكان المنطقة الأصليين.. لقد أزيلت الأشجار ــ كما يقول قادة المنطقة المحليون ــ فانقطع هطول المطر وغابت مواسمه.. وسادت حالة من الجفاف مقرونة بارتفاع شديد في قيظ الحرارة.

 

السوبر ماركت

وهنا يقول واحد من هؤلاء القادة الشعبيين: أيها السادة: لقد كانت الغابة تؤدي في حياتنا دور «السوبر ماركت: كنا نجد فيها كل ما نحتاجه.. خشباً لبناء منازلنا.. أغصاناً صلبة لسقف أسطحنا.. فروعاً نصنع منها أقواسنا وسهامنا.. فاكهة وماشية لغذائنا.. كل هذا بات بعيداً.. بعيداً عن متناول أيدينا.. فالنيران تلتهم الغابات.. ويكاد لهيبها يقترب من البقاع التي نعيش فيها.

ولسوف يشهد مؤتمر ديربان الحالي مناقشات ومناظرات حامية.. وسوف تطرح على بساطه أرقام وإحصاءات، منها ما يشدد على جانب التحذير والنذير إزاء ما ينتظر العالم من أزمة الغذاء.. وتلك أمور لا سبيل إلى التعامل معها لا بمنطق التسويف أو التهوين أو الإهمال، أو حتى الركون إلى رحمة القدر.. فالسماء لا تمطر ذهبا ولا فضة، والبشر مأمورون بالعمل من أجل عمران الأرض، وقد تم استحلافهم فيها لهذا الغرض الإيجابي البنّاء.

على الجانب الآخر، قد يحمل مؤتمر ديربان أشارات تومئ إلى بعض الأمل وإلى أن الأمور لم تخرج بعد عن المسار المعقول.

وأياً كان الأمر.. فالعمل مطلوب في كل حال.. وهو عمل جماعي على مستوى دول العالم.. من ناحية ولابد أن يتم على أساس الانطلاق من منطق الوعي والبحث العلمي من ناحية أخرى.

 

الابتكار المطلوب

والحق أن كان هذا منطلقا موضوعيا للكتاب المحوري الصادر مع ربيع عام 2011 الحالي عن معهد رصد أحوال الأرض (وورلد ووتش) في العاصمة الأميركية واشنطن.

لقد دأب المعهد المذكور على إصدار كتابه السنوي تحت عنوانه المعروف وهو:

«حالة العالم»

واسترعى اهتمام المراقبين أن جاء كتاب حالة العالم لعامنا الراهن الموشك طبعا على الختام ليدور ــ على خلاف الأعراف السنوية ــ حول موضوع واحد هو:

قضية الغذاء ــ وتحديات مستقبل الأمن الغذائي في العالم. وبشكل أكثر تحديدا حمل المحور المطروح عنوانا تقول عباراته ما يلي:

مطلوب ابتكارات من أجل تغذية العالم.

والمعنى أن مفتاح حل المشاكل هو تشغيل ملكة الإبداع والانطلاق من روح الابتكار، يستوي في ذلك إنذارات الخطر أو بشائر التفاؤل بتوقعات مستقبل عالمنا.

 

مجال الزراعة

وهنا ينصّب تركيز المجاميع العلمية، ومعها الدوائر المعنية بقضايا الاقتصاد الكلي، فضلا عن دوائر صنع السياسة في شتى بلاد العالم ــ على مجال محوري بعينه هو: مجال الزراعة ــ باعتبارها ــ كما يقول الأستاذان «دانييل نيرنيرغ وبريان هالويل» محررا الكتاب الذي أومأنا إليه ــ أهم مجالات النشاط البشري تأثرا بتغيرات المناخ التي تؤثر سلبا بدورها على غلات المحاصيل بكل ما يرتبط بذلك من أزمات تصيب حجم المطروح من الحبوب الغذائية والثروة الحيوانية بل ان الزراعة من ناحية أخرى تشكل مجالاً يمكن أن يؤثر إيجابا في مجابهة التغيرات المناخية إذا ما أمكن مثلا حجز كميات من انبعاثات الكربون الضارة كي تبقى حبيسة التربة لا تبرحها ولا تنطلق منها كي تؤثر في نوعية الهواء والمياه ومن ثم في صحة الإنسان وأشقائه من حيوان ونبات.

 

 

 

تغيرات المناخ في ديربان

 

في ديربان ــ جنوب إفريقيا يعقد أحدث مؤتمر عالمي لبحث قضايا تغير المناخ في كوكب الأرض، بكل ما أفضت إليه هذه التغيرات الكوكبية من مشاكل وظواهر شديدة السلبية، بلغ بعضها حد الكوارث الطبيعية ــ البيئية على نحو ما شهده مثلاً العام الماضي:

ما بين درجات الحرارة المتطرفة ارتفاعا إلى حد الهجير أو انخفاضا إلى مستوى البرودة الثلجية، وهو ما أدى بدوره إلى تعطيل وخسائر فادحة في حركة النقل الجوي العالمي، وخاصة مع فصل الخريف، ومن ثم الشتاء من عام 2010. ورغم أن تركيز الاهتمام الإقليمي ومن ثم العالمي يكاد ينصّب حالياً على ما يشهده العالم العربي بالذات من متغيرات سياسية وإدارية واقتصادية، إلا أن قضية المناخ ما برحت تحوز جانباً من الاهتمام الدولي على نحو ما يشهد به مؤتمر «ديربان» المعقود حالياً، حيث إن الدور المحوري في هذا المجال مازالت تضطلع به أكبر هيئة متخصصة تابعة للمنظومة الدولية .

وتعرف باسم «فريق خبراء الأمم المتحدة الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ»، الذي سبق وأن فاز بجائزة نوبل العالمية مع آل جور نائب الرئيس الأسبق للولايات المتحدة. المهم أن الأمر يقتضي، إضافة إلى هذه المؤتمرات الدولية، فضلا عن اهتمامات الدوائر العلمية المعنية، مواصلة المطالبة بطرح أفكار مبتكرة للتعامل الإبداعي مع هذه القضايا المناخية وبما يخفف وطأتها، وخاصة ما يتعلق بكفالة الأمن الغذائي في العالم.

وسط دوامات التغير السياسي في العالم العربي.. فضلا عن دوامات الأزمات المالية والاقتصادية في العالم الغربي ــ يصبح بديهياً أو في حكم البديهي، «للأسف»، أن تتوارى قضية تُعد في تصورنا من الخطورة بمكان. وهذه القضية هي:

التطورات المستجدة على الأحوال الطبيعية في كوكب الأرض، وفي مقدمتها قضية تغير المناخ، وما يرتبط بها من خطورة انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الناجمة، كما هو معروف، عن الأنشطة البشرية.

وقد عمدنا لاستخدام تعبير «للأسف»، باعتبار أن قضية المناخ وتغيراته تستحق أن تحتل درجة الأولوية على رأس الأجندات الوطنية والعالمية.. أولاً بحكم تأثيرها في أحوال كوكبنا بأسره، وثانياً: لأن خطورتها تكمن، كما نرى، في كونها حثيثة وصامتة وتمارس تأثيراتها الضارة بغير حشد ولا جلبة رغم الفعالية البالغة والنتائج الفادحة الناجمة عن تلك التأثيرات.. وثالثاً: لأن من عواقب هذه التغيرات المناخية ما أصبح مرتبطا بأزمة الغذاء العالمية من حيث الأسعار والتوافر وآفاق الإتاحة على حد سواء.

من هنا يأتي اهتمامنا البالغ ومتابعتنا العربية التي نرجو أن تظل واعية بقدر ما تكون دقيقة لوقائع الاجتماع العالمي المحوري الذي تقرر أن التأم عقده مؤخراً في مدينة بريتوريا العاصمة الشهيرة في دولة جنوب إفريقيا ويشارك فيه 120 دولة من أعضاء الأمم المتحدة إلى جانب حشد بالغ الضخامة قوامه نحو 20 ألفاً من جميع دول العالم يضمون جموع المسؤولين والاختصاصيين وأعضاء المجتمع المدني ومن في حكمهم من المهتمين بقضايا البيئة والغذاء وصحة الإنسان، ولا سيما في ضوء الرصد والوعي والتصدي لعواقب التغيرات المناخية في عالمنا.

وقد صرحت الأطراف المعنية في هذا الخصوص بأن من المقرر لمؤتمر ديربان أن يستمر انعقاده على مدار أسبوعين بحيث يصل إلى ختامه مع العاشر من شهر ديسمبر الحالي، حيث يعلن نتائجه على أسماع وإفهام العالم.