يتضح الانقسام بين معسكر المطالب الشعبية ودعوة «احتلال» وول ستريت وبين المعسكر المناهض للرئيس الأميركي أوباما وحزبه الديمقراطي متمثلاً فيما أصبح يوصف في أدبيات السياسة الأميركية الراهنة تحت عنوان جماعات «حفلة الشاي» التي تستمد أصولها ومقولاتها من طروحات الحزب الجمهوري المعارض الذي قطع زعماؤه، وخاصة المتطلعين إلى الموقع الرئاسي الأول في الانتخابات القريبة المقبلة على أنفسهم عهوداً أمام جماهير الناخبين من الحزب المذكور بأن يدخل باراك أوباما تاريخ أميركا تحت شعار «رئيس الولاية الواحدة» فقط لا غير.
إنجازات أوباما
صحيح أن أوباما عمد خلال الأيام الأخيرة من شهر أكتوبر الماضي إلى استثمار ما رآه بمثابة إنجازات تضاف إلى رصيده السياسي وكان آخرها مصرع الرئيس الليبي السابق معمر القذافي. وصحيح أن هناك من المحللين السياسيين الأميركيين من يرى وجاهة من نوع ما في إنجازات الرصيد المذكور ومنهم مثلا الصحافي الشهير «توماس فريدمان» الذي كتب مقالاً لافتاً في «النيويورك تايمز» (عدد 26/10) اختار له عنواناً طريفاً هو: باراك كيسنجر أوباما.
وفي المقال يحاول الكاتب أن يقرن بين أوباما وبين هنري كيسنجر ومَنْ على شاكلته من الساسة الذين حققوا نجاحات في مضمار السياسة الخارجية للولايات المتحدة واتسمت فترات نشاطهم بأداء مرموق ومشهود ومنهم على سبيل المثال كما يذكر فريدمان رجال من طراز «جورج شولتز» أو «جيمس بيكر». لكن هذا كله لا يكفي.
فالمتابع من منظور التحليل لتطورات الشأن الأميركي يدرك ولاشك أن السياسة الخارجية لا تكاد تحوز جانباً يُعتد به من اهتمام الناخب الأميركي.. الذي قد يستبد به الزهو أمام مصرع سياسي أو نهاية قيادي كانت تعده أميركا عدواً لها بمعنى عدو لمصالحها الاقتصادية والاستراتيجية لكن نفس الناخب لا يلبث أن يعود إلى معايشة ما يستبد به من اهتمامات وما يساوره من هموم وفي مقدمتها هموم الاقتصاد بطبيعة الحال، وبمعنى شواغل الوظيفة والمرتب والعلاوة والاستقرار المهني ومصاريف التعليم الجامعي والقسط العقاري وما إلى ذلك بسبيل.
أمة منقسمة
والحاصل أن ثمة إجماعاً، أو على الأقل توافقاً، بات يسود في الوقت الحالي آراء المحللين والمفكرين في أميركا على ظاهرة يصفها البروفيسور «جيفري ساكس» في العبارة البسيطة والبليغة التي تقول: لقد أصبحت أميركا أمة منقسمة (على نفسها).
وهذا هو بالضبط عنوان واحد من الفصول الثلاثة عشرة التي يضمها أحدث كتاب أصدره مؤخراً المفكر الاقتصادي المذكور بعنوان «ثمن الحضارة». وليس صدفة أن تدور عناوين الفصول التي تصف الأحوال الراهنة في بلاده حول مفاهيم وظواهر وسلبيات تبدأ كما يقول البروفيسور «ساكس» - من «الانكسار الفادح» وتتواصل إلى حيث «الرخاء المفقود» ومن ثم إلى «المجتمع المشتت».
ولعل أبلغ ما يعكس هذا التشتت هو تلك الهوة الفاصلة بين جماعة «وول ستريت» بكل شعاراتها الاجتماعية الاقتصادية وبين جماعة «حفلة الشاي» بكل شعاراتها السياسية التي تكاد تركز على إزاحة الديمقراطيين رئيساً وحزباً وسلطاناً فيما تعمد إلى طرح شعارات المحافظين التي تتغنى بمنظومة الأخلاق وقيم الأسرة.. ولا تنتهي برفض أي تدخل من جانب الحكومة حتى ولو كان تدخلاً يقتضيه واجب الترشيد والتنظيم بل والانتصاف للبسطاء من غمار المواطنين بوجه التايكونات من البليونيرات أو بارونات الاحتكار المتحكمين كأفراد في اقتصادات بلدهم الكبير.
من هنا جاء رفض «جماعة الشاي» أي اقتران أو أي ربط بينهم وبين جماعة «وول ستريت».. بل جاءت نظرة الغطرسة المشوبة بالاستعلاء من جانب هذا الفصيل المحسوب على الجمهوريين إزاء ذلك الفصيل المحسوب بصورة أو بأخرى على الديمقراطيين.. فما بالنا وقد صرح الرئيس أوباما مؤخراً بأن قوى «احتلال» وول ستريت وغيره من مواقع على خارطة البلاد هي أقرب شبهاً مع «حركة حفلة الشاي».
رفض المقارنة
هنا تؤكد الصحافية الأميركية «كيت زرنيكي» (نيويورك تايمز، 22/10) أن جماعة الشاي إياها انتفضت كي ترفض هذه المقارنة التي طرحها أوباما.. وجاء ذلك في إطار الاستهانة، بل هي الزراية بحركة وول ستريت حيث وصفتها حركة الشاي الناطقة، كما أسلفنا، بلسان القوى اليمينية المحافِظة بأنها تضم عناصر يسودها الخلط والفوضى وسوء الأخلاق.. وإدمان المخدرات(!) وانحطاط السلوك.. الخ.
ثم تعلق الكاتبة «كيت زرنيكي» موضحة ما يلي:
- نحن بإزاء حرب ثقافية في الجوهر.. حيث المواجهة من الشباب والكهول.. وبين اليسار واليمين.. ومع ذلك فكلتا الحركتين تتشاركان في نفس الخصائص.. بمعنى أن كلا منهما نبعت من اللا مكان.. ولكنها سرعان ما اكتسبت زخماً خاصاً تحولت به إلى حيث أصبحت قوة سياسية يحسب لها حساب.. وكلتاهما مدفوعة في الأساس بمشاعر القلق الذي يساور أعضاءها إزاء أحوال الاقتصاد (الأميركي) حيث تحدوها قناعة مفادها أن المؤسسات الكبيرة تنحاز إلى صالح الأقوياء على حساب المستضعفين.
الطرف الملوم
ويحسن هذا التحليل صنعاً حين توضح كاتبته في مقالها البحثي المطول على صفحة كاملة من الجريدة الأميركية الكبرى أن الفرق بين حركتي «الشارع» «شارع البورصات» و«حفلة الشاي» يمكن تلخيصه في سؤال بديهي هو:
- مَن هو الطرف الذي ينبغي أن يلام على ما آلت إليه أحوال الاقتصاد؟
وتحاول الكاتبة المذكورة إجابة السؤال على النحو التالي:
- جماعة «وولت ستريت» توجه اللوم إلى المصارف ومؤسسات التمويل والشريحة العليا من أغنياء الولايات المتحدة. أما جماعة «حفلة الشاي» فتوجه اللوم ببساطة إلى جهة واحدة لا غير وهي: الحكومة والمعنى أن الفئة الأولى ترى أن احتكار الثروة والموارد الاقتصادية والإمكانات المجتمعية في يد قلة قليلة من أصحاب السطوة والنفوذ إنما يحرم الأغلبية العاملة وهي عامة المواطنين من الفرص المتكافئة كي تنال نصيباً ولو معقولاً من الثروة الوطنية. على الجانب الآخر فإن الفئة الثانية ترى أن في توسع الحكومة وممارستها سلطانها على جموع المحكومين إنما يحّد من إطلاق العنان أمام حرية ومبادرات الأفراد في إنشاء وتنظيم المشروعات. وفي ابتكار وإبداع أساليب جديدة لزيادة الإنتاج وترقية نوعيته.
مدرستان في الاقتصاد
والحق أن مثل هذا التباين في التطورات والمنظورات مازال محتدماً في معظم شرائح المجتمع الحديث، وهو جدل ما برح دائراً بين مدرستين من أهم مدارس إدارة الاقتصاد الكليّ في زماننا.
الأولى هي مدرسة «جون كينز » الاقتصادي البريطاني الأشهر الذي انتشرت دعواته وأفكاره من خلال أطروحته المعروفة باسم النظرية العامة وعلى أساسها فالدولة مدعوة إلى أن تدخل بكل ثقلها كي تنشئ مشاريع عملاقة بحكم التعريف - وتضخ استثمارات بأحجام بالغة الضخامة وخاصة في وقت الأزمات، وبذلك تبدأ عجلة الإنتاج في الدوران ويتاح وهذا هو الأهم المزيد من فرص العمل أمام جموع المؤهلين.
المدرسة الثانية يأتي على رأسها نجم آخر في سماوات الاقتصاد الحديث وهو «فردريك هايك» الذي يدعو إلى إطلاق العنان كل العنان أمام حركة النظام الرأسمالي وتكريس المبادرات الفردية وتفعيل مبدأ حرية الاقتصاد تحت الشعار التاريخي المتواتر: «دعه يعمل، دعه يمر» بعيدا عن اللوائح والضوابط والتنظيمات.
ومرة أخرى فالساحة الفكرية مشغولة بالاختلاف وربما المواجهة إلى حد الصراع بين هذين التيارين اللذين تضطرم موجاتهما في غمار لجّة الأزمة الاقتصادية الراهنة التي مازالت تستبد بأميركا لتجعل منها الدولة المدينة أو المقترضة رقم واحد ولصالح الصين التي أصبحت الدولة الدائنة رقم واحد سواء بسواء.
إحصاءات غالوب
ومن جانبهم أحسن أهل الفكر الاقتراب من هذا الصراع من منظور أكثر إيجابية وأقل صخباً ومن ثم فهو أكثر شداً ورصانة. وفي هذا الإطار صدر في أميركا مؤخراً أحدث كتاب في هذا الموضوع عن الحوار الاختلاف بين «كينز وهايك» حيث يصفه مؤلفه الصحافي المخضرم « نيكولاس وابشوت» بأنه «الصدام الذي أدى إلى تحديد معالم الاقتصاد الحديث».
في كل حال فالزائر لأميركا في اللحظة الراهنة يستطيع أن يخلُص من خلال تأمل ما يلمسه من أوضاع وما شاركنا فيه من حوارات فكرية واجتهادات أكاديمية إلى حقيقة بالغة البساطة والخطورة في آن وهي:
أن القوم هناك إنما يبحثون عن العدل: صحيح أن تتعدد الطرق التي يسلكونها والمسارات التي يتبعونها والمنظورات التي يطلون من خلالها على أبعاد الأزمة الراهنة. إلا أن «العدل» يظل هو الغاية المنشودة على اختلاف التحليلات والاجتهادات.
مع ذلك تبقى مثل هذه الحركات متسمة بنفس الطابع النخبوي المعهود عبر التاريخ. وأيا كان حجم الطلائع من أجيال الشباب بالذات، من الذين ندبوا أنفسهم وأتاحت ظروفهم الانخراط في حركة حفلة الشاي أو محاولات العسكرة أو نصب الخيام تحت شعار احتلال وول ستريت، فالشاهد من خلال المنهج الإحصائي أن غالبية أو ملايين الأميركيين لم تنحز بعد إلى أي من هذين الطرفين.
من هنا يفيد أحدث استطلاع للرأي أجرته مؤسسة غالوب الشهيرة للإحصاء بأن 26 في المائة من مجتمع العيّنة المفحوصة أعربوا عن تأييدهم لدعوة حركة احتلال وول ستريت، في حين عارضها 19 في المائة. ويفيد الاستطلاع أيضاً أن مؤيدي حفلة الشاي كانوا 22 في المائة فقط وأن معارضيها بلغت نسبتهم 27 في المائة.. لكن ثمة أغلبية بنسبة 52 في المائة ذكرت أنها لا تؤيد ولا تعارض ولا يعنيها الأمر.
تلك هي الأغلبية الصامتة. وهي الأغلبية التي لا سبيل إلى تجاهلها في كل حال.
إضاءة
مشاكل متفاقمة
يعاني المجتمع الأميركي من مشاكل متفاقمة، منها تزايد معدلات البطالة وارتفاع نفقات التعليم الجامعي بالذات وحجم القروض الذي تنوء به كواهل الشباب والشابات الذين يواصلون تعليمهم وتخصصاتهم سواء على مستوى الدرجة الجامعية الأولى أو مستوى الدراسات العليا.. فضلاً عن افتقار قطاعات واسعة من أبناء الشعب الأميركي إلى بديهيات الرعاية الصحية لدرجة أن تنقل ميديا الإعلام على ألسنتهم حكاية الخيار الصعب بين تدبير ثمن الدواء وتدبير سبل المعيشة.. حيث الاختيار البديهي يصب في غير صالح الدواء بطبيعة الحال.