رغم أنه شارع صغير في الأطراف الدنيا من جزيرة مانهاتن في قلب نيويورك، إلا أن احتواءه على بورصة نيويورك للأوراق المالية وعلى عدد من المؤسسات المصرفية وبيوت التمويل الكبرى مازال يضفي على «وول ستريت» سمعته الدولية بحيث يلقب بأنه أهم حي «للمال والأعمال» على مستوى العالم بحكم التأثير الذي يشكله الاقتصاد الأميركي في مرافق الاقتصاد العالمي.
ولا ينسى هذا الحي العتيد ما سبق وأصاب أميركا من جراء الأزمات الدورية التي تعد جزءا لا يتجزأ من مسار وتطورات الاقتصاد الأميركي على نحو ما جسدته أزمة «الكساد العظيم» في مقتبل الثلاثينات من القرن الماضي، وهو ما أفضى إلى طرح نظريات لها أهميتها لعلاج مثل هذه الأحوال وكان في مقدمتها «النظرية العامة» التي قال بها الاقتصادي البريطاني الشهير «جون طينز».
مؤكدا على أهمية دور الدولة في تنظيم وترشيد النشاط الاقتصادي حفاظا على التوازن بين الصفوة من الملاكين ــ المليارديرات أو التايكونات وبين جموع الطبقة الوسطى بكل أهميتها الحيوية في إدارة عجلة الحياة في المجتمع الحديث، وهي الجموع التي وقعت ضحية الاستئثار والاحتكار من جانب الطبقات الموسرة ومن حفّ بها من فئة كبار المديرين في «وول ستريت» مما أصبحت معه الطبقة الوسطى معرضة لانكشاف الأحوال في أميركا وفي غيرها..
حيث الفيصل في هذا كله هو الافتقار إلى العدل وتحقيق التوازن الرشيد بين مختلف طبقات المجتمع وهو أيضا ما تسبب، وما برح يتسبب، فيما تشهده منطقة «وول ستريت» من اعتصامات وتظاهرات. في أواخر عقد الأربعينات من القرن الماضي أصدر عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين (1889-1973) كتابا صغير الحجم اختار له العنوان التالي: المعذبون في الأرض.
يومها حار النقاد والمثقفون في الوقوف على الدوافع التي أدت بطه حسين إلى إصدار هذا الكتاب. سمعة الدكتور «طه» كمفكر رائد وأكاديمي شهير وناقد أديب كانت قد طوقت الآفاق لدرجة أن حمل الرجل أيامها لقبه الشهير بوصفه «عميد الأدب العربي».. فما الذي يدفعه إلى أن يترك موضوع الأدب والنقد كي يطرق موضوع الظلم الاجتماعي الذي كان ظاهرة سائدة ومقلقة في تلك الأيام. والمهم أن جاء تقديم أو إهداء طه حسين لكتابه بمثابة جرس إنذار إلى وصول المجتمع العربي في مصر ــ الأربعينات إلى حالة من التباين الطبقي لم يعد السكوت عليها ممكنا. وهكذا كتب طه حسين في إهداء «المعذبون في الأرض» العبارات التالية:
إلى الذين يؤرقهم الشوق إلى العدل والى الذين يحرّقهم الخوف من العدل الى الذين لا يجدون ما ينفقون والى الذين يجدون ما لا ما ينفقون أسوق هذا الحديث.
الدكتور العميد كان يستشعر ظاهرة البْون الذي كان شاسعا والشُقة التي أصبحت متسعة بين الشرائح العليا في المجتمع وبين شرائحه الوسطى دعك من الشرائح التي شاءت حظوظها المحدودة أن تظل قابعة في أدنى مستويات السلم الاجتماعي. تلك هي الأفكار أو الذكريات التي تداعت إلى الخاطر متوازية مع متابعة ما جرى ويجري هذه الأيام في الولايات المتحدة بكل قدراتها التنظيمية ومواردها الاقتصادية الثرية وسمعتها الإيجابية التي ما برحت أصداؤها تتردد من موقع إعجاب مرموق في معظم الأحوال.