عادت القضية الفلسطينية بل عادت أصولها وجذورها الأساسية - إلى أروقة مبنى الأمم المتحدة القابع على مدار أكثر من 60 سنة على ضفاف نهر الايست من جزيرة مانهاتن في قلب نيويورك. انعقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة وقد اكتملت عضويتها عند الرقم 193 بانضمام دولة جنوب السودان حديثة الاستقلال بطبيعة الحال.. ومازال مقعد العضوية رقم 194 يداعب مخيلة الأطراف العربية بغية أن يشغله طرف مستجد على حلبة السياسة الدولية ويحمل الاسم المرتقب: دولة فلسطين.
استقبال عباس
مع صبيحة الجمعة، الثالث والعشرين من سبتمبر، دوت قاعة الجمعية العامة بلحظات هل نقول عواصف حقيقية من التصفيق عندما انطلق محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية في خطابه أمام جلسة « المناقشة العامة » التي عقدتها الجمعية الأممية.
لم تفت موجة التقدير، بل والحماس التي قوبل بها الخطاب الفلسطيني على محللي جريدة «نيويورك تايمز» علق الكاتبان «نيل ماكفاروار» و«ستيفن لي مايرز» على هذا المشهد في سطور تقول:
منذ اللحظة التي وقف فيها عباس إلى المنصة ليلقي خطابه المرتقب إلى الجمعية العامة.. قاطعته عدة مرات لحظات من التصفيق والاستحسان بل ومن التحية وقوفا (Standing Ovations) عندما طالب بتفعيل وإقرار الحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني.
تواصل سطور النيويورك تايمز (عدد 23/9) تعليقها على نفس المشهد لتقول:
-على أن أكبر حالة من التصفيق الذي استمر طويلا، مصحوبا بالتهليل وصفير الاستحسان جاءت عندما رفع عباس أمام الحاضرين (الوفود ومندوبي الدول أعضاء الجمعية العامة) نسخة من رسالة طلب العضوية التي ذكر أنه سلّمها قبل وقت قصير إلى «بان كي مون» الأمين العام للأمم المتحدة، وساعتها أضاف عباس قائلا:
-لقد حان الوقت.. (مرددا): كفى.. كفى.. كفى.
ولقد نضيف من جانبنا، وهو لم يلحظه تعليق «النيويورك تايمز» أن خطاب «أبومازن» اكتسب هالة من بهاء البلاغة الوطنية والسياسية حين ردد أشعار المبدع الراحل محمود درويش التي قال فيها:
- قاعدون هنا.. دائمون هنا.. خالدون هنا.. ولنا هدف واحد: أن نكون.. وسنكون.
أربعون دقيقة أخرى
استغرق خطاب محمود عباس 40 دقيقة بالضبط من وقت الجمعية العامة للأمم المتحدة.. لم تكد تمض 60 دقيقة إلا وصعد بعدها إلى نفس المنصة خصمه السياسي بنيامين نتنياهو ليلقي خطابه المقابل أو المعاكس أو المناقض كما نسميه.. ليستغرق نفس المساحة الزمنية المتاحة للزعيم الفلسطيني حيث استرسل المسؤول الصهيوني في قصائد الغزل تمدحا بالسلام وتنديدا بما وصفه بأنه «اعتداءات» الطرف الفلسطيني(!).. ومستعرضا من وجهة نظره أبعاد الأخطار التي تتهدد إسرائيل حتى بدا في خطابه أقرب إلى «كلمات مدرس جغرافيا» على نحو ما يقول الكاتبان الأميركيان سالفا الذكر. من ناحية أخرى، ورغم ما قوبل به خطاب محمود عباس من حماس وتشجيع، فربما كان مشكلته، ليس في مضمونه، بقدر ما تتمثل المشكلة في عنصر التوقيت.
هذا هو العنصر المرتبط أصلا بظروف الولايات المتحدة التي مازالت الظروف والتعقيدات وأوضاع النظام الدولي والإقليمي الراهن تلقي على عواتقها القيام بدور الشريك المتضامن، أو الوسيط الموضوعي، فيما يتعلق بالتوصل إلى حل معقول وعملي وإنساني لقضية فلسطين بوصفها المسألة الجوهر في أوضاع الشرق الأوسط.
وشّتان بين الأمس والبارحة فيما يتصل بمواقف الشريك أو الوسيط الأميركي في هذا المضمار.
خطابان لأوباما
في يونيه من عام 2008 جاء خطاب الرئيس الأميركي أوباما في قاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة القاهرة حافلا بالوعود ومفعما بالآمال، وخاصة عندما تطرق المسؤول الأميركي الشاب.. ذو الأصل الأفريقي إلى حقوق الشعب الفلسطيني والى حل الدولتين المتجاورتين والمتعايشتين في قلب منطقة الشرق الأوسط.
لكن في خطاب افتتاح الدورة السادسة والستين الراهنة للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2011 وهو خطاب تقضي به أعراف المنظمة الدولية التي ترسم بأن يتم هذا الافتتاح بواسطة رئيس الدولة (الأميركية) المضيفة، جاءت كلمات أوباما لتسبب موجة لا تنكر من خيبة الآمال بالنسبة للشعب الفلسطيني وشعوب الأمة العربية بشكل عام.
على ان أمر الآمال المحبطة لم يكن ليقتصر على مقارنة خطاب الرئيس الأميركي الموجه هذا العام إلى الجمعية العامة مع خطابه الذي أثار موجات الأمل العارمة، ناهيك بالإعجاب الغامر وهو خطاب القاهرة الذي ألمحنا إليه: المقارنة عقدتها جريدة «الغارديان البريطانية» (عدد 23/9/2011) بين خطابيْ أوباما شخصيا في مناسبة افتتاح الدورة 65 للجمعية العامة في العام الماضي ثم خطاب هذا العام في افتتاح الدورة 66 الراهنة.
الغارديان تقول
ذكرت «الغارديان» أن الرئيس الأميركي وعد في العام الماضي بأن سيكون الأمر مختلفا بمعنى أن سيكون قد تم التوصل إلى اتفاق يفضي إلى دولة فلسطين المستقلة العضو في منظومة الأمم المتحدة. ثم مضت الصحيفة اللندنية تقول: وبالأمس عمد محمود عباس إلى وضع أوباما عند مسؤولية كلماته هذه حين قال عباس انه يسلم رسالة تطلب هذه الدولة.. فماذا كانت الإجابة؟.. ومرة أخرى تجيب «الغارديان» قائلة: إن أوباما لم يقتصر عند إعلان أنه سوف يستخدم حق النقض (الفيتو) رفضا لهذا الأمر مفترضا أن هناك من سيرفضونه أيضا.. بل ان الرئيس الأميركي في خطاب العام الحالي عمد إلى تغيير مواقفه: فبدلا من أن يكون عاملا للتغيير.. إذا به يرتضي أن يكون بطلا لإبقاء الأحوال على ما هي عليه.. صحيح أنه امتدح ما وصفه بالربيع العربي.. إلا أنه بدا وكأنه يقول ان هذا الربيع من شأنه أن يتوقف عند الشأن الذي يحمل اسم إسرائيل فلسطين.
غصن الزيتون
ومرة أخرى فإن الإطلالة على فصول المشهد الراهن وقد بدأ أولها كما هو معروف بخطاب عباس في الجمعية العامة.. إنما تستدعي صورة سلفه الزعيم أبو عمار عليه رحمة الله حين خاطب أعضاء المؤسسة الدولية من نفس المنبر مرددا عبارته الشهيرة:
-أيها السادة.. لا تسقطوا غصن الزيتون من يدي.
لقد جاء أبومازن إلى نيويورك، وبديهي أن لم يكن في يده غصن زيتون ولكن كان في يده رسالة تطالب بدولة مستقلة وعضو في الأمم المتحدة بكل ما تضمه منظومتها من وكالات متخصصة ومن برامج وصناديق.. دولة تحمل اسم «فلسطين» وبحيث يتجسد في وجودها معنى إقرار وتفعيل حق تقرير المصير للشعب العربي الفلسطيني فضلا عن تفعيل قرار الجمعية العامة 181 الصادر في 29 نوفمبر 1947 بإنشاء دولة للعرب على أرض فلسطين.
قضية سياسية
وأياً كانت نسبة الاتفاق أو الاختلاف مع هذه الخطوة.. التي نعرف بيقين أولا أنها خضعت لدراسات متعمقة من جانب قيادات سلطة رام الله وأركانها وأيديهم كما يقولون - في النار بمعنى المعاناة المباشرة لمكابدة جماهير شعبهم في الأرض المحتلة، فنحن من جانبنا نرى أن أهم ما في هذه الخطوة أنها تتحول بالشأن الفلسطيني من مأساة إنسانية إلى قضية سياسية، ومن مشكلة لاجئين ومعاناة بشرية إلى أجندة تحرير وطني وقضية من قضايا تصفية الاستعمار التي ينبغي أن يعكف المجتمع الدولي على التعاطي الموضوعي مع أبعادها بالعمل على إزالة هذه الوصمة المتخلفة عن تركة المد الإمبريالي الذي طالما رزحت تحت وطأته شعوب القارات النامية الثلاث.
توقيت غير مناسب
ومرة أخرى فربما تكون المشكلة هي التوقيت، وبمعنى أن طرح هذه القضية، سواء أمام نظر الجمعية العامة للأمم المتحدة، أو على ساحة اهتمامات الشعب والقيادة في الولايات المتحدة جاء في وقت غير موات، بالنسبة للجانب الأميركي بشكل عام.. لماذا؟ لأنه جاء في لحظة المنعطف الفاصل في معركة التجديد الرئاسي تمهيدا للولاية الثانية لباراك أوباما في البيت الأبيض.. وهي لحظة غير مواتية بدورها لأوباما وحزبه الديمقراطي بشكل عام .
حيث الرئاسة الديمقراطية واقعة حاليا بين سندان الأزمة المالية الاقتصادية المتجددة وقد امتدت ذيولها الكئيبة عبر مياه الأطلسي لتصيب منطقة اليورو بعد أن جثمت بفداحة أعبائها على كاهل الاقتصاد الوطني الأميركي، وخاصة مع ازدياد وربما تفاقم معدلات البطالة الذي يمس بالضرورة جموع الناخبين.. ثم بين هذا السندان الاقتصادي.. وبين مطرقة، بل مطارق المعارضة الجمهورية التي آلت على نفسها حسب تصريحات زعمائها أن لا يتكرر ثانية وجود أوباما أو من على شاكلته في مكتب الرئاسة البيضاوي.
أصوات اليهود
وفي هذا الإطار يتجلى العامل المتمثل في أصوات يهود الولايات المتحدة، وهم، كما هو معروف - السند الأساسي في غالبيتهم العظمى لإسرائيل ومشروعها الاستعماري الصهيوني ومخططاتها التوسعية على حساب فلسطين وربما أراض عربية أخرى (الاستثناء هنا قد يشير إلى طوائف اليهود الهاسدي أو الحاسدي في أميركا الذين يرفضون وجود إسرائيل لأسباب دينية في الأساس).
والحاصل أن بات المحللون السياسيون في الولايات المتحدة يرصدون ظاهرة تتشكل حاليا وتحذّر الحزب الديمقراطي (حزب أوباما) من عدم الركون إلى ما كان الديمقراطيون ينعمون به من تأييد يهود أميركا بشكل عام (4 من كل 5 من اليهود صوتوا تأييداً لرئاسة أوباما في انتخابات عام 2008).في هذا الخصوص يقول الكاتب «لوري جودشتاين» (نيويورك تايمز، 23/9): -لقد بات الناخبون اليهود يتحركون بفعل طائفة واسعة من الشواغل وفي مقدمتها انشغالهم على أمن إسرائيل.. وفيما تعاني عملية السلام في الشرق الأوسط من حالة ركود وفيما رفع الفلسطينيون قضية دولتهم أمام الأمم المتحدة فإن الجمهوريين (الحزب المعارض لأوباما) عمدوا من جانبهم إلى تصعيد جهودهم لانتزاع أصوات اليهود.
الاتحاد الأوروبي
وفيما قد يهدد الطرف الأميركي بأصوات اليهود فثمة تهديد آخر يمكن أن يأتي من جانب طرف مقابل قابع على ضفة الأطلسي هو الاتحاد الأوروبي.. في هذا المضمار يلمح «روبرت بليتشر»، وهو المسؤول عن المشروع العربي الإسرائيلي ضمن مجموعة الأزمات الدولية في أحدث مقال في هذا الشأن تنشره مجلة الشؤون الخارجية « فورين أفيرز » عدد سبتمبر/ أكتوبر إلى أن ثمة أخطارا لابد وأن تعيها (أو تتحسب لها) السلطة الفلسطينية ومنها مثلا ما قد يأتي على شكل تخفيض أو حتى وقف المعونات المالية التي يقدمها الاتحاد الأوروبي إلى رام الله.. فما بالك إذا ما عمد القوم إلى إلغاء اتفاقات أوسلو إياها ومنها ما كان يقضي بتحويل الإيرادات الضريبية من إسرائيل إلى السلطة الوطنية الفلسطينية.
ومهما يكن من أمر، فالذي لاشك فيه أن مبادرة محمود عباس جاءت لتحرك سواكن القضية الفلسطينية بهدف انتشالها من طريق مسدود أوصلها فيه التعنت الإسرائيلي، وخاصة من جانب رئيس وزراء إسرائيل الذي «اضطر» بعد خطاب عباس أمام الجمعية العامة إلى حكاية الدعوة لاستئناف المفاوضات المباشرة ولكن دون أي شرط.. وهو ما يرادف دون أي مرجعيات يأتي في مقدمتها بداهة وقف نشاط الاستيطان الاستعماري الذي مازال يتم على حساب الفلسطينيين وهم أصحاب الأرض الشرعيون.
إضاءة أجندة عمل
بادرت أوساط كثيرة في أميركا وأوروبا إلى الدعوة لإعادة تفعيل الجهود المبذولة دوليا وإقليميا لدفع المفاوضات إلى الأمام على أساس أجندة عمل تضم بنودا حيوية عددتها صحيفة النيويورك تايمز في: الحدود + الأمن + اللاجئون + القدس. وتقول الجريدة الأميركية «على أميركا وشركائها أن يضعوا على الطاولة خارطة واتفاقا مشفوعين بجدول زمني يحدد موعد اختتام المفاوضات إلى جانب صوت في الأمم المتحدة يؤيد وضعية الدولة (الفلسطينية).. ولابد أن يكون الاقتراح المطروح شجاعا ونزيها ومستندا إلى مؤازرة مجلس الأمن والجامعة العربية».