المقارنة العلمية والموضوعية معقودة بين رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان وما قام به قرب منتصف سبتمبر الحالي وبين سَلَف سابق له وإن كان يفصل بينهما 500 سنة إلا 6 سنوات على وجه التحديد.. لكن شتان بين الاثنين، لأن أرودغان أنجز زيارة إلى القاهرة وتونس وليبيا وفي صحبته 200 من رجال الأعمال وفي جعبته أفكار ورؤى وتصريحات تشير في مجملها إلى آفاق جديدة للعلاقات بين تركيا تحت حكم «العدالة والتنمية» وبين سائر أقطار العالم العربي والشرق الأوسط على أساس من شراكة التقدم والتعاون والتنمية، وهو ما يختلف جذريا بطبيعة الحال عن «غارة» عسكرية شاملة شنّها سلفه السلطان العثماني سليم الأول في غمار الحرب التي استولى فيها على كل من الشام (بعد موقعة مرج دابق) ومصر (بعد موقعة العباسية الريدانية ) وبعدها دامت السيطرة التركية منذ عام 1517 إلى قيام الحرب العالمية الأولى 1914 ثم إلى زوال الدولة العثمانية وإعلان الجمهورية الأتاتوركية في السنوات الأولى من عشرينات القرن الماضي الذي شهدت عقوده الأخيرة تباعدا بين تركيا والعالم العربي.. إلى أن أمسك حزب «العدالة والتنمية» بمقاليد الأمور في أنقرة متسلحا برؤية ثاقبة تستشرف آفاقا جديدة تبشر بمعاودة تركيا دورها الفاعل والإيجابي بوصفها قوة محورية في الشرق الأوسط وهو دور يعود عليها وعلى العالم العربي المسلم بثمار إيجابية لا سبيل إلى إنكارها.
هي زيارة حافلة ومطولة الى حد لافت للنظر تلك التي قام بها السيد رجب طيب أردوغان رئيس وزراء تركيا الى أقطار بعينها من العالم العربي في منطقة الشرق الأوسط.
ولأن تركيا دولة محورية (Pivotal) كما يقول المصطلح المعروف في معجم العلوم السياسية فقد حظيت زيارة المسؤول التركي الكبير، وما برحت تحظى باهتمام متعمق وشبه متواصل من جانب أطراف شتى من المعادلة السياسية والشغف الجماهيري بشكل عام.
بيد أن هناك طرفا من أطراف تلك المعادلة لم ينل حظه في تصورنا من الاهتمام أو تسليط الأضواء.
نتحدث عن القوى المعنية بالتاريخ: علماً ومتابعة ومقارنة وجهودا متواصلة تهدف باستمرار إلى استيعاب العبرة واستقاء الدروس من تحولات الأحداث.
والمعنى أنه ما كان لزيارة مسؤول تركي رفيع المنصب أن تتم لأقطار من عالم العروبة والإسلام دون أن تحفّها ذكريات التاريخ المشترك بين تركيا والعالم العربي.
وإذا كان قدوم السيد أردوغان قد حدث مع الأيام الأولى من شهر سبتمبر فقد كان طبيعيا أن يلجأ نهج المقارنات التاريخية إلى أن يستدعي قدوم مسؤول تركي رفيع آخر إلى تخوم العالم العربي المسلم في شرقي ومن ثم جنوبي البحر الأبيض المتوسط.. منذ ما يقرب من 500 سنة من عمر زماننا المعاصر، إنه السلطان التركي العثماني سليم الأول.. الذي لم يكن مجيئه محفوفا برايات السلم ورغبات التعاون والأمنيات الطيبات على نحو ما فعل السيد أردوغان، بقدر ما كان مجيئ الغازي العثماني المذكور أعلاه محفوفا بصراعات الحرب وآلات الدمار وبدايات السيطرة من جانب اسطنبول الآستانة كما تعرف أيضا على بقاع شاسعة من أراضي الوطن العربي وعلى مدار عقود وقرون بدأت مع عام 1516 في الشام ثم عام 1517 في مصر واقترن العامان المذكوران بانتصار الجيوش العثمانية الغازية في موقعة مرج دابق (1516) ثم موقعة الريدانية (1517).. وبعدها دامت السيطرة التركية على نحو أو آخر وحتى قيام الحرب العالمية الأولى عام 1914.. الى أن انتهت رسميا مع إنهاء الخلافة العثمانية وإعلان قيام تركيا الكمالية في عام 1922.