تقرير النيوزيلندي «بالمر»، وهو أحدث تقارير التحقيقات الدولية الذي جاء مخففاً عن كواهل إسرائيل إلى حد التحيز المرفوض إلا أنه استخدم مصطلحات «القوة المفرطة» في وصف التصرفات الإسرائيلية في التعامل مع الأطراف الفلسطينية في القطاع والضفة على السواء.. وكل هذا يفرض في كل حال على الجانب الفلسطيني العربي أن يواصل شنّ حملات سياسية وإعلامية تتوسل بأحدث وأنجع أساليب التعامل السياسي والدعائي من أجل تفعيل ما جاء في تلك الوثائق والمستندات الدولية وبما يفضي إلى بلورة مواقف مناهضة لإسرائيل على مستوى دول العالم، سواء في إطار سياساتها الوطنية أو على صعيد منظومة الأمم المتحدة بكل امتدادها العالمي العولمي إن شئت.. وهو ما يصب من خلال هذا كله في صالح دعم قضية فلسطين.
البعد الإقليمي
هناك أيضاً البعد «الإقليمي» بكل ما ينطوي عليه من توترات لا تزال ساخنة، ومستجدات تشكل بدورها تحديات أمام صانع القرار في إسرائيل، وتتراوح هذه الظواهر المستجدة ما بين سخونة الموقف الحدودي مع مصر ولاسيما في شبه جزيرة سيناء، فضلا عن ترجمة هذه التعقيدات في ما تشهده القاهرة من رفض شعبي يكاد يبلغ درجة الإجماع لتصرفات «العدو» الصهيوني بل وربما وجود من يمثله أصلاً على ضفاف نهر النيل، وهو ما تجسد بوضوح في الغضب الشعبي والهجوم على السفارة الإسرائيلية وتحطيم السور الذي لم يمض أسبوع واحد على بنائه ليحمي السفارة من اقتحام المتظاهرين، هذا على الجانب المصري الذي لم تتحدد أبعاده وتداعياته بعد، فما بالنا إذاً بالتوتر الملتهب الذي أصاب مؤخرا العلاقات بين أنقرة وتل أبيب.
حيث باتت الأخيرة تواجه سياسة تركية متشددة تنطلق من اضطلاع تركيا بدور إقليمي فاعل وجديد.. أو فلنقل من حيث تطلعها لأداء مثل هذا الدور الذي مازالت القيادة التركية، على قناعة سواء مستوى آلياتها أو طروحاتها الدبلوماسية بأن تركيا جديرة بأن تؤديه على صعيد إقليم الشرق الأوسط (وربما العالم الإسلامي أيضا) بعد طول انقطاع أو عزلة كانت مفروضة على مدار عقود من زمن القرن الماضي، سواء بتكريس الانعزالية الكمالية منذ الثلاثينات أو على يد مسلسل حكم الانقلابات العسكرية التي توالت في أنقرة على مدار عقود من النصف الثاني من القرن العشرين.
مع هذا فكل هذا كُوم.. والموقف الداخلي داخل الكيان الصهيوني المحتل كوم آخر على نحو ما يقول المثل الدارج المتواتر.
الصورة والدعاية
وكم جَهِدت إسرائيل وجَهِد دعاتها ومؤيدوها وهم يمتلكون قدرة المال ومهارة الدعاية (البروباغاندا) ومهارة التغلغل الحثيث والخبيث أيضاً للنفاذ إلى صفوف أصحاب السلطة وصناع القرار في الغرب الأورو- متوسطي بالذات كي يصوروا إسرائيل أولاً بأنها واحة الديمقراطية وملاذ المحرومين والمضطهدين ومجتمع النُصفة والتقدم.. بل.. والأمل الذي ربما تهوي إليه أفئدة الشباب من أميركا على وجه الخصوص.. إلى آخر ما ظلت الدعايات تسدر في تذويقه أمام أعين العالم وبكل ألوان الطيف كما قد نقول.
لكن الحقيقة كانت ومازالت على خلاف هذه الصورة وعلى طول الخط، على نحو ما أظهرته، وما برحت تظهر به وتجسده بكل ألوان الطيف الأخرى رمادية كانت أو قاتمة أو سوداء، وهو ما تجلى في أحداث الفترة القريبة الماضية داخل إسرائيل وهذا يقود هذه السطور إلى البعد المحوري الأخير.
البعد الداخلي
لقد شهدت إسرائيل ما أصبح يعرف في حوليات السياسة المعاصرة باسم «المظاهرات.. المليونية» تأسياً وتأثراً بما أفرزته الأحداث والتحولات الأخيرة في ربوع شتى من خارطة العالم العربي.. وفور وقوع هذه الأحداث الإسرائيلية التي شهدت احتجاجات واعتصامات ومظاهرات بادر المحللون السياسيون إلى رصد أهم الدلالات التي انطوت عليها ما رفعته من مطالبات على النحو التالي: كسر «التابو» الذي يحرّم الحديث عن ميزانية جيش الدفاع الإسرائيلي. وهنا قد نعود إلى ما سبق إلى طَرَحه العلاّمة المصري الراحل جمال حمدان حين قال في توصيفه للكيان الصهيوني ما يلي: * إن إسرائيل مجتمع مُعسكَر. وقال أيضاً:
* إسرائيل، هي في التحليل الأخير، حاملة طائرات «برية» مزروعة في قلب منطقة الشرق الأوسط.
الصيف الإسرائيلي
في نفس السياق يكاد يجمع المراقبون على أن الأزمة الراهنة في إسرائيل تكاد تتمثل في ذلك الاختلاف الصارخ بين عناصر الائتلافات الحاكمة في دولة الاستيطان الصهيوني بشأن قضية التوافق أو محاولة التوازن بين مخصصات الجيش وفروعه العسكرية والاستخباراتية وبين الاعتمادات المرصودة لحساب مخططات الاستيطان (الاستعماري) غير المشروع، على حساب الأراضي الفلسطينية المغتصبة. ثم بين هذا كله وبين متطلبات ما أصبح يوصف في إسرائيل بأنه تحقيق العدالة الاجتماعية وهو ما يومئ بداهة إلى ما يعاني منه ذلك المجتمع الصهيوني المصطَنع من آفات أي مجتمع مصطنع يقوم على قوائم ثلاث مرفوضة بكل مقياس.. وأولها العنصرية، وثانيها التوسع وثالثها العدوان على نحو ما وصفه يوماً المفكر الفلسطيني الراحل البروفيسور فايز صايغ.
وفيما تستمد إسرائيل تأييدها الأساسي من أميركا التي توصف بأنها «حاضنة إسرائيل» في التحليل الأخير.. فقد هال الأوساط الأميركية حجم تظاهرات الاحتجاج التي اجتاحت الكيان الصهيوني في الأيام القليلة الماضية وخاصة ليلة السبت الثالث من سبتمبر الحالي.. وهو ما وصفته الكاتبة «ايزابيل كيرشنر» بأنها احتجاجات «الصيف» (الإسرائيلي) تأسياً ولاشك بنظيره «الربيع» (العربي) حيث اجتاح نحو 400 ألف من المتظاهرين الساخطين مواقع شتى منهم 300 ألف في تل أبيب وحدها ثم تجاوبت أصداء الاحتجاجات الجماهيرية العارمة لتغطي مواقع شتى منها حيفا والقدس وغيرهما (نيويورك تايمز، 3/9/2011).
العدل الاجتماعي
في إطار هذه الاحتجاجات، وتحت شعارات العدل الاجتماعي، ارتفعت وتصاعدت شكاوى الافتقار إلى المسكن المعقول، وارتفاع تكاليف المعيشة ووجود فوارق بالغة الضخامة بين الذين يملكون والذين لا يملكون.. وكان طبيعياً في غمار هذه الحالة من التوترات التي يتسع نطاقها من خلال ديناميات الأحداث المتدافعة، أن تعلن الإضراب فئات مهنية عديدة كان في مقدمتها شباب الأطباء فيما تصاعدت بالتزامن احتجاجات محافظ بنك إسرائيل المركزي «ستانلي فيشر» منذراً بأن استمرار التوتر بين أنقرة وتل أبيب إنما يشكل خطراً فادحاً وجسيماً على اقتصاديات إسرائيل وخاصة ما يتعلق بالعلاقات التجارية بينهما، وباعتبار تركيا الحاضر هي سوق كبير، وتركيا المستقبل ستكون سوقاً أوسع في ضوء الدور الأوسع والأرحب الذي تزمع أنقرة أو تتطلع إلى القيام به على صعيد منطقة الشرق الأوسط بأسرها.
سقوط الأسطورة
لاتزال أصوات إسرائيل ومستجداتها في الأيام القليلة الماضية تشغل بؤرة اهتمام كثير من المحللين، سواء في ضوء الصراع المتواصل بين الكيان الصهيوني وبين الشعب الفلسطيني صاحب الحق والأرض أو بين إسرائيل والجماعة القومية العربية بشكل عام التي ثبت أن إسرائيل مازالت شوكة مسمومة في خاصرة كيانها القومي، ودون أن نحيل إلى طرف فلسطيني أو عربي فقد نحيل إلى محلل سياسي إسرائيلي هو «بيني بريسكين» الذي كتب في معرض التعليق على مظاهرات «العدالة الاجتماعية» التي احتشدت مؤخرا في إسرائيل يقول:
- «لقد جاءت هذه المظاهرات لتحطّم الأسطورة التي تقول (أو كانت تقول) إن المجتمع الإسرائيلي مجتمع متماسك الأواصر وموحد الأجزاء..».
وقد نعلق بدورنا على مثل هذا التعليق لنوضح أن الكيان الصهيوني قام بالعمد على عدة أساطير طالما طرحوها وتداولوها وروجوا لها بكل ما وسعهم من أساليب و.. أكاذيب ولم يكن أولها أسطورة مأوى المضطهدين فإذا بها تصبح مباءة العنصريين المغتصبين.. ولا كان ثانيها أنها تملك جيشاً رهيباً لا يقهر فإذا بأسطورة الجيش المذكور تتحطم على يد الجندي العربي في أكتوبر 1973.
ولا كان آخرها أنها واحة الديمقراطية والمساواة فإذا بها تثبت مؤخراً أنها مجتمع أو بالأدق تجمّع فيه ما فيه من الظلم والتمييز وضيق المعيشة وغياب العدل فما بالنا بمجتمع يقوم أساساً على الاغتصاب والاحتلال. ولن تكون هذه هي الأسطورة الأخيرة بحال من الأحوال.
إضاءة
شرعنة الجريمة
وصلت الجرأة الصهيونية إلى حد اغتيال دعاة الحرية غير المسلحين من الأتراك.. وبدم بارد مع سبق الإصرار.. ثم رفض الاعتذار الرسمي، مجرد الاعتذار، عن ارتكاب مثل هذه الجرائم، فضلاً عن محاولة تبريرها بدعوى الدفاع عن النفس، وهو ما يفضي إلى «شرعنة» هذه المبادرة من ارتكاب جرائم القتل بغير وازع أو تحقيق أو تروٍّ، حيث لا يرادف هذا المسلك سوى الإقدام على المسلكية المرفوضة في متن القانون الدولي تلك التي يطلق عليها مصطلح (Impunity) بمعنى الإفلات من الحساب والعقاب.