أحداث الحريق على مر التاريخ عديدة ولها دلالات خطيرة يشير بعضها إلى ما يعانيه المجتمع المعنيّ من حالات أقرب إلى التشنّج عندما يتعذر لاضطلاع المجتمع بمهامه الأساسية لصالح الأفراد الذين يعيشون فيه.. وربما يكون أشهر حرائق المدن في التاريخ هو حريق «روما على يد الإمبراطور «نيرون وكان الحريق إيذانا بالتصدّع ومن ثم انهيار الإمبراطورية الرومانية.. وفي «شيكاغو« جاء حريق المدينة المدمر عام 1871 نذيرا باضطرابات وانتفاضات عمالية وشعبية اجتاحت المدينة الأميركية خلال السنوات التي أعقبت الحريق.. أو جاء حريق «القاهرة في يناير 1952 إيذانا بوقوع الحدث الثوري المشهود في 23 يوليه من نفس العام الذي أطاح بالنظام القائم وقتها وعمل على تغيير وجه الحياة في مصر العربية بشكل عام.. وفيما تداول المحللون مؤخرا شعار «لندن تحترق تعليقا على أحداث العنف والسلب والنهب التي تعرضت لها العاصمة البريطانية وغيرها من المدن الكبرى، إلا أن الحريق كان أقرب إلى الرمز الذي يجسد نوعية وجسامة المشاكل التي تكاد تعصف بالمجتمع البريطاني إلى درجة تكرار نفس المشهد العنيف الذي سبق وشهدته بريطانيا منذ 30 عاما، ولكن مع إضافة عوامل مستجدة من أخطر ما يكون ليس أقلها ما أشارت إليه الصحافة البريطانية بأنه ثقافة الطمع وغياب المساءلة والإفلات من طائلة العقاب وهي ثقافة بالغة السلبية ولكنها اجتاحت المجتمع الإنجليزي من شرائحه العليا في دنيا الاقتصاد والحكم إلى مستوياته الدنيا في عالم المهاجرين والفقراء.
٪ «لندن تحترق.. هكذا بدأت مجلة السياسة الخارجية (فورين أفيرز) تحليلها المنشور بتاريخ 11 أغسطس الحالي لما وقع من أحداث جسام حقا في عدد من أحياء العاصمة البريطانية.
بيد أن كاتب هذا التحليل، وهو البروفيسور «فاتياس ماتيس أستاذ السياسة الدولية بالجامعات الأميركية لا يلبث يوضح أن الحريق لم يكن مقتصرا على لندن وإنما امتدت ذيوله وعقابيله على شكل أحداث من الشَغَب وتعبيرات عن العنف الغاضب لتشمل مواقع وحواضر أخرى ما بين مانشستر إلى برمنغهام وما بين ليفربول إلى بريستول ونوتنغهام وإن كانت الشرارة الأولى قد اندلعت كما أصبح معروفا من منطقة توتنام من ضواحي عاصمة الإنجليز.
وعندنا أنه لا سبيل لأن تأخذ عبارة «لندن تحترق على أساس من حَرفية معناها، ولكن على أساس دلالة هذا المعنى، وإن كان التاريخ قد شهد حوادث من حريق فعلي اندلعت ألسنة اللهب فيها أولا لتدمر المنشآت والممتلكات وثانيا وهذا هو الأهم لتشكل إرهاصا أو بالأدق نذيرا يدق أجراس الخطر التي تنّبه إلى أن هناك قوى وفئات وعناصر اجتماعية فاض بها الكيل وتنازعتها مشاعر غضب مكبوت ظل يغلي في مراجل النفوس، وبالتالي فالأمر يظل بحاجة إلى تغييرات جذرية سواء في بنية المجتمع المعني أو في أساليب تعامله مع مشكلات أبنائه أفرادا كانوا أو جماعات.
الشعوب هي الشعوب في كل مكان في العالم، لها طلبات دائمة لدى الأنظمة والحكومات، ودائما كانت مطالب الشعوب مشروعة، حتى وإن شابها في بعض الأحيان الحدة والمبالغة نتيجة زيادة الضغوط والإهمال المستمر والمتعمد من الحكومات والأنظمة لهذه الطلبات، وعندما تنفجر الشعوب فإن غضبها ينصب دائما على ماهو أمامها من ممتلكات عامة، تحرق وتدمر المحلات والمباني والمؤسسات وتعطل حركة العمل والإنتاج، وتهب الحكومات والأنظمة للدفاع عن الممتلكات العامة والخاصة مستخدمة في ذلك أساليب القمع الأمني، لكن آخر ما يخطر على بال هذه الأنظمة هو الحوار والتفاهم مع الشعوب المحتجة، وهذا في الواقع هو سبب الأزمات التي تراها العديد من الدول الآن في الشرق الأوسط وأوروبا وغيرها، عدم الاهتمام بمطالب الشعوب الغاضبة.