دقت في الأيام القليلة الماضية أجراس إنذار عديدة محذرة من خطر دخول العالم في أزمة اقتصادية مستجدة يمكن أن تنجم عنها عواقب بالغة السلبية بالنسبة لأقطار شتى في الشرق والغرب وذلك بعد إعلان مؤسسة «ستاندارد آند بورز» تنزيل الرتبة الائتمانية لاقتصاد الولايات المتحدة، وهو ما يؤدي بدوره إلى ما أصبحت دوائر اقتصادية شتى في العالم تصفه بأنه «قنبلة المديونية» التي دفعت الصين بالذات بوصفها أكبر دائن لأميركا إلى أن تحث واشنطن بإلحاح على إتباع سياسة جديدة تتسم بمزيد من الترشيد ولاسيما من خلال تخفيض الإنفاق العسكري الأميركي بالدرجة الأولى.

على أن الأمر يتجاوز مجال الاقتصاد باعتبار التداخل، إلى حد التشابك، بين السياسة والاقتصاد، حيث بدت واضحة مخططات الحزب الجمهوري المعارض في التصدي لأي مقترحات إصلاحية يمكن أن تصدر عن الإدارة الديمقراطية الراهنة في البيت الأبيض، وحيث المستهدف في الأساس هو حرمان الرئيس أوباما، رمز الحزب الديمقراطي من ولاية رئاسية جديدة. مع ذلك فثمة دوائر في الغرب ترى أن التقييمات الصادرة عن تلك المؤسسات المتخصصة يمكن أن تشوبها عيوب قد تنال من موضوعيتها. ومن هذه العيوب مثلا تضارب المصالح وتداخل مخططات السياسة مع قضايا الاقتصاد، وهو ما يدعو أساسا إلى نظرة أوسع، وأرحب على مستقبل الاقتصاد الرأسمالي بحيث لا تتحمل الأعباء الطبقات الفقيرة في المجتمع.

الاتفاق الذي توصل إليه الديمقراطيون والجمهوريون في واشنطن ما هو إلا مجرد مسكن مؤقت سوف ينتهي مفعوله قريبا، وبعده سيصعب اتخاذ قرارات أو إبرام اتفاقات أخرى وستنكشف الحقائق وتنفجر الأزمة الحقيقية التي يحاولون في واشنطن إخفائها، هذه الأزمة التي على ما يبدو أن العالم كله يخشاها أكثر مما تخشاها واشنطن نفسها، فالأضرار ستصيب الجميع في مشارق الأرض ومغاربها، والولايات المتحدة بالقطع سوف تكون أكبر المتضررين، ولن تجد دول مثل روسيا والصين، ولا حتى إيران وفنزويلا وكوريا الشمالية وقتا للشماتة والفرح من الانهيار ألأميركي، لأنه للأسف الشديد سيكون له تداعياته على الجميع بنسب مختلفة، أعلاها على الدول المرتبطة بقوة بالدولار ألأميركي وبصناديق الاستثمار الأميركية.

الأزمة الأميركية سياسية واقتصادية في آن واحد، وقد عبر عن ذلك المفكر الأميركي المعروف ناعوم تشومسكي في آخر مقالاته منذ أيان حيث قال ان مؤشرات انهيار أميركا قد ظهرت بوضوح وأن المشهد القادم مرعب للجميع، حتى للشركات العملاقة التي سينهار الصرح الكبير فوق رأسها، وقال تشومسكي ان تركيز الثروة أنتج قوة سياسية أكبر، وهو ما أنشأ دائرة مغلقة جهنمية قادت إلى تجمع كمية كبيرة من الثروة بيد 1% من السكان، وهم أساسا المديرون التنفيذيون لكبار الشركات، بينما استقرت مداخيل الأغلبية في القاع.

هذا الشكل الذي يصوره تشومسكي معناه أن السياسة الأميركية مستمرة بلا توقف في أخطائها، ولا أمل في تراجعها، والأثرياء لن يسددوا ديون أميركا، بينما الشعب الأميركي نفسه مفلس تماما. اليمين الأميركي داخل الحزب الجمهوري يريد من أوباما تخفيض النفقات الاجتماعية كحل لتفادي عجز الميزانية، بينما أوباما وإدارته يرون أن هذا لا يكفي، بل لابد من فرض ضرائب عالية على الأغنياء، وقد يتصور البعض أن هذه هي نقطة الخلاف المحورية بين الاثنين، والتي لو تم حلها بالتوافق بينهما فسوف تحل أزمة الديون الأميركية.

ولكن واقع الحال أن كلا الطرفين يخفيان الحقيقة التي يعرفها الجميع، وهي أن الإنفاق العسكري هو السبب الرئيسي وراء تضخم المديونية الأميركية، ولكن كلا الطرفين الديمقراطي والجمهوري لا يريدان الاقتراب من الإنفاق العسكري، ويعتبرانه قدس الأقداس، وهذا في حد ذاته يكشف زيف منظومة الديمقراطية الأميركية القائمة على مدى قرابة قرن من الزمان على حزبين يختلفان فيما بينهما في القضايا الثانوية بينما يلتقيان في جبهة واحدة في القضية الجوهرية.