في سنة 1923 أعلن الغازي التركي «كمال أتاتورك» سقوط الخلافة العثمانية وعاصمتها في اسطنبول المطلة على ضفاف البوسفور وقيام الدولة التركية الحديثة التي اتخذت عاصمة جديدة لها هي أنقرة الواقعة وسط هضبة الأناضول.
تلك كانت خطوة جذرية من أخطر ما يكون بحيث ترددت أصداؤها في أرجاء العالم العربي والعالم الإسلامي على وجه الخصوص.. فقد كان للدولة العليّة العثمانية صولجانها وهيمنتها، الحامية الراعية في رأي البعض، والإمبريالية الأجنبية في رأي البعض الآخر على معظم مناطق العالم العربي ما بين مشارقه على مغاربه، فيما كانت الخلافة وعلى رأسها السلطان المنحدر من سلالة آل عثمان رمزا في كل حال لنوع من التوحد الذي كان يجمع المسلمين.
والأكيد أن كان للرئيس التركي المستجد «مصطفى كمال أتاتورك» أسبابه التي بررت إنهاء الدولة الخلاقة التي طالما استمدت شرعيتها من كونها رمزا متوارثا لعالم الإسلام.. لأن الأكيد أن هذه الدولة العثمانية منذ أن تم إنشاؤها في القرن الرابع عشر للميلاد وعلى يد غزاة متمرسين جاءوا إلى شرقي البحر المتوسط من أواسط آسيا وكان على رأسهم جدهم الأعلى «عثمان الأول» ــ كانت وقتها ــ الربع الأول من القرن العشرين ــ قد شارفت مرحلة الاحتضار شأنها شأن أي دولة أو كيان سياسي تصدق عليه مثل الكائن الحي مراحل الفتوة إلى الاكتهال ومنها إلى الشيخوخة والزوال.. على نحو ما يذهب إليه رائد علم الاجتماع المسلم «عبدالرحمن بن خلدون». من هنا، انطبقت قوانين الكائن الحي على الدولة ــ الإمبراطورية، التركية بعد أن مال حكامها من انضباط العسكرية إلى حياة الدعة والخمول والانكباب على اقتناص المنافع المادية.. الشخصية بالدرجة الأولى، سواء على شكل مناصب للمحاسيب أو على شكل رشاوى تدفع للولاة والوزراء ومن في حكمهم من المتنفذين..
تغيرت تركيا كثيرا خلال القرن العشرين حتى وصلت إلى المستوى الذي يؤهلها لطلب عضوية الاتحاد الأوروبي، هذه العضوية التي مازالت مرفوضة من بعض الأوروبيين بسبب الموروث التاريخي والديني.
وجاءت الأحداث التي استجدت مؤخرا على المشهد السياسي في تركيا لتلفت اهتمام المحللين السياسيين وخاصة في ضوء الاستقالات الجماعية التي قدمها قادة الجيش التركي وما تبع ذلك من تأكيد قدرة حكومة «أردوغان» في أنقرة على البت في الاستقالات وتعيين رئيس جديد للأركان.. والإقدام على إجراء تعديلات على دستور 1980 الذي سبق وضعه تحت وصاية من جانب جنرالات الجيش التركي الذين ورثوا من أيام الزعيم «أتاتورك» بنودا دستورية جعلتهم أوصياء بشكل أو بآخر على مقاليد الشأن العام وإدارة الدولة في تركيا بعد زوال الدولة الإمبراطورية العثمانية التي جاء انهيارها مع الحرب العالمية الأولى إلى أن أعلن نهايتها وبالتالي نهاية «الخلافة» مصطفى كمال أتاتورك في عام 1923.. وعلى مدار عقود خمسة أو أكثر من سنوات القرن العشرين ظلت تركيا تدفع ثمن هذا المنحى «الكمالي» على شكل علاقات تجمع بين العزلة والسلبية مع الوطن العربي والعالم الإسلامي إلى أن جاءت المتواصلة نحو استرداد الهوية الثقافية ــ الروحية للأتراك مع السنوات الأخيرة من القرن العشرين فضلا عما تحقق على يد حكومة «حزب العدالة والتنمية» بزعامة «أردوغان» من إنجازات اقتصادية مرموقة ولاسيما فيما تجلى من زيادة مطردة في الناتج المحلي الإجمالي اعترف بها صندوق النقد الدولي وهو ما يضع تركيا على الطريق الصحيح لعضوية الاتحاد الأوروبي من جهة فيما يؤههلا للصعود إلى مصاف القوى الاقتصادية الفاعلة في العالم من جهة أخرى.