جاءت حادثة التدمير التي وقعت مؤخرا في العاصمة النرويجية "أوسلو" كي تعيد الى الأذهان ما سبق وقوعه من حوادث إرهابية في أمريكا وكان أبرزها قيام الإرهابي "تيموثي ماكفي" بنسف المبنى الحكومي الرئيسي في مدينة "أوكلاهوما" وإزهاق أرواح العشرات من مواطنيه الأمريكيين. يومها نجح الرئيس الأسبق "كلينتون" في إلصاق تبعات هذه الجريمة الإرهابية بدعاوى اليمين المتطرف والمتعصب التي يتبناها خصومه في الحزب الجمهوري المعارض. وفيما كان كلينتون، بحكم مهاراته السياسية، يعمد الى استغلال مثل هذا الفعل الإرهابي للنيْل من منافسيه الجمهوريين بغرض الفوز في انتخابات الفترة الرئاسية الثانية.

 

اليمين الراديكالي

أحداث أوسلو الأخيرة جاءت كي تنبه الأوساط المعنية في أوروبا الى النتائج السلبية الى حد التدمير، الناجمة عن خطاب "الزينوفوبيا" أو بُغض الأجانب وجموع المهاجرين والوافدين الى أوروبا للعمل وكسب الرزق من أنحاء العالم الثالث، حيث وقع ضحية هذا الخطاب السلبي جموع المسلمين الذين لاحقتهم مشاعر الكراهية والتبغيض وخاصة من جانب الأحزاب والجبهات اليمينية الأوروبية.

وهي التي كانت تبادر الى الربط التلقائي، وبمنطق الافتراء، بين المسلمين والإرهاب. من هنا فقد عمد المحللون السياسيون الى رصد بدايات المتغيرات في خطاب التعصب الصادر عن جبهات وأحزاب اليمين الراديكالي المتعصب في أوروبا الغربية حيث تلوح بشائر مراجعة أو معاودة النظر بعد أن ثبت بالفعل أن من حوادث الإرهاب البالغة الخطورة ما يرتكبه مواطنون من صميم تلك المجتمعات الغربية وقد تأثروا بدعوات التعصب وتحريضات الكراهية النابعة من صفوف اليمين.

 

خوف المسلمين

من هنا فقد كان طبيعيا أن يعمد محللو التطورات السياسية في الغرب الى استدعاء تلك الخطوات التي سبق إليها "بيل كلينتون" وهم يتعاملون مع ما أصيبت به النرويج البلد النوردي بكل وداعته واستقراره الاقتصادي من كارثة فادحة أودت بدورها بحياة العشرات من جراء حادثة إرهابية شديدة البشاعة أقدم عليها المواطن النرويجي "أندز بيرنغ بريفيك" ودوت أصداؤها المؤسية في جنبات عالمنا خلال الفترة القريبة الماضية.

وغني عن الذكر أنه فور إذاعة أنباء هذا الذي حدث في المعسكر الشبابي بالعاصمة أوسلو.. بادر الملايين من المسلمين الى وضع أيديهم على قلوبهم خشية أن تسفر الأمور عن اسم أو أسماء تحمل إيقاعا مسلما أو جرْسا عربيا.. وبما قد يصلح لمواصلة مخطط أو مؤامرات الشيطنة أو التبغيض أو التبشيع بحق عقيدة الإسلام وجماهير المؤمنين بيقين من المسلمين.

 

آية قرآنية

في السياق نفسه كان لابد من جانبنا أن نستعيد صورة المذيع الأمريكي الشهير "بيل مار" (أو مهْر) الذي لم يتورع عقب واقعة الحادي عشر من سبتمبر 2001، وفي غمار "فتنة" العداء للمسلمين في أنحاء العالم، من أن يستهل برنامجه التليفزيوني المذاع في ساعات السهرة من كل يوم بأن عرض على ملايين مشاهديه، في طول الولايات المتحدة وعرضها كتابا أنيقا هو ترجمة إنجليزية للمصحف الشريف.. وقد بادر المذيع الى وصفه بأنه "قرآن المسلمين". ثم عمد الى قراءة ترجمة آية منه قدم بين يديها بأنها موقف المسلمين من أبناء الديانات الثقافات الجماعات الإنسانية الأخرى..

وحين أرهف المشاهدون أسماعهم.. قرأ "بيل مار" ترجمة للآية التي تقول: "واقتلوهم حيث ثقفتموهم".. وبديهي أن لم يشر عمدا أو جهلا يستويان الى ملابسات الآية الكريمة ولا أسباب النزول ولكنه خلص في معرض التعليق للقول بأن المسلم مأمور بأن يبادر الى قتل "الآخر" حيثما وجده وأينما كان.. و.. لنا أن نتصور وقع مثل هذا الافتراء العنصري الجهول على أفئدة ملايين من متلقي مثل هذه الرسالة وخاصة وسط عوامل من التوترات والضغوط العصبية والتخليط الإعلامي، كانت قد خيمت بظلالها الكئيبة على المشهد السياسي والخَلَد الشعبي في أمريكا بعد واقعة المركز التجاري في نيويورك.

 

الإرهاب والجهاد

على العكس من ذلك تأتي حادثة أوسلو في النرويج، وربما تأتي من قبلها حوادث مماثلة شهدت فيها أمريكا هجمات إرهابية في مضمونها وراح ضحيتها العشرات من الأبرياء على يد أفراد مهووسين أو متعصبين أو غريبي الأطوار.. وكان من الضحايا تلاميذ في المدارس أو طلاب الجامعات أو مواطنون ومواطنات في مراكز التسويق يأتي هذا كله بوصفه عاملا من عوامل تفتيح الأعين وشحذ الاهتمام وربما تحويل وتركيز الانتباه على أن العنف الإرهابي لا يرتبط بالضرورة مع مصطلح "الجهاد" الذي لا يلبثون يستخدمونه في أدبياتهم ومطبوعاتهم وإعلامهم في ميديا الغرب على جانبي الأطلسي.

ولكنه يصدر أيضا على نحو ما أكدته حادثة أوسلو، عن تنامي أفكار ودعوات اليمين السياسي الذي ظل ينعم بحالة من المدّ الى حد التغلب، والانتشار الى حد الاستشراء في نظم الحكم على مستوى أقطار لا يستهان بها من أوروبا الغربية ما بين انجلترا حيث كانت الغلبة لليمين من حزب المحافظين .

وفي ألمانيا حيث دعوات النازية الجديدة وإيطاليا حيث دعوات الفاشية الجديدة التي عاودت نموها ونفاذها الى الشارع السياسي، دعك من اليمين في فرنسا الذي أورث دعاواه العنصرية نقلا عن السياسي الراحل "لوبوان" الى ابنته التي مازالت تتخذ مواقف معادية للعرب والأفارقة وجموع المسلمين.. وحيث اتشح هذا كله برداء الدعوة الى وقف الهجرات من الشرق الأوسط والقارة الأفريقية بالذات بدعوى حماية الاقتصاد والثقافة والمجتمع الأوروبي بشكل عام.

 

تطرف ضد أوباما

وعلى الضفة الأخرى من الأطلسي، للمحلل السياسي أن يتابع تحركات اليمين الجمهوري في أمريكا ضد رئيسها الحالي "أوباما" ولدرجة أن الحزب الجمهوري المعارض لم يعد ليتورع، في سبيل حرمان أوباما من الانتخاب والنجاح في الولاية الثانية والأخيرة، عن وضع العصي في الدواليب كما يقول المثل العربي اللبناني، بمعنى إعاقة أي تحرك يقوده الرئيس الأمريكي الشاب، من موقع مسئوليته الدستورية لخفض الدين القومي العام وإنقاذ الخزانة والحكومة الاتحادية في بلاده من خطر الإفلاس.

مع هذا كله فالصورة اكتسبت مؤخرا أبعادا أخرى.. إيجابية أو معقولة في التحليل الأخير.

لقد رصد المراقبون السياسيون مؤخرا تلك الظاهرة التي استجدت على المشهد السياسي في الغرب متمثلة فيما وصفته دوائر العاصمة الألمانية برلين بأنه تحوّل في الخطاب والحوار الدائر بشأن الإسلام من ناحية وفي النظرة الى اليمين الأوروبي ومواقفه المرفوضة إزاء ما حدث في أوسلو من ناحية أخرى.

 

إشادة بالتطرف

عرض الكاتب "نيكولاس كوليش" لهذه التحولات المستجدة في أحدث مقال نشرته جريدة "نيويورك تايمز" الأمريكية (عدد 27/7) حيث أوضح مقدار اللوم الذي لاقته الدوائر والزعامات اليمينية، وفي مقدمتها "جبهة لوبوان الوطنية" في فرنسا عندما لم يتورع أعضاؤها عن الإشادة نعم الإشادة بصاحبهم النرويجي الذي تسبب في حادثة أوسلو الأخيرة!

على الضفة الأخرى من القضية لم يتردد رئيس الحزب الديمقراطي الاجتماعي في ألمانيا، "سيغمور غابريل" من التصريح مؤخرا لوكالة الأنباء الألمانية بأن من أسباب ودوافع حادثة أوسلو ما يتمثل في ذلك الاتجاه الذي ظل يجسد كراهية الأجانب ورفض التعددية الثقافية وانتشار تيار التعصب القومي.

في السياق نفسه أكد الزعيم السياسي الألماني أهمية تفعيل تيار الوسط في المجتمع وهو التيار الذي أناط به مهمة التصدي لما وصفه بانتشار المشاعر المناهضة للإسلام وتفشي نزعة الاستبعاد والانعزالية.

هو نفس التيار الذي ما برح يدعو الى التمعن في قراءة وتحليل وثيقة الألف وخمسمائة صفحة التي سبق الى كتابتها الإرهابي النرويجي "بريفيك" وفيها من دعوة العنف الشئ الكثير. وفيما يظل هذا التيار المستجد أو التصحيحي كما قد نسميه أقرب الى المتغير الوليد فلا شك أنه جدير بأن يومئ الى تغيرات في مسار الخطاب الأوروبي الذي طالما سادته توجهات معادية للهجرة الوافدة وربما للمسلمين بشكل عام.

 

الإرهاب والسياسة والتطرف اليميني

 

منتصف عقد التسعينات من القرن الماضي: كان الرئيس الأميركي الأسبق "بيل كلينتون" يستعد لخوض معركة انتخابات ولايته الثانية والأخيرة في البيت الأبيض.. ورغم ما كان قد حققه لبلاده من إنجازات، ولاسيما في مجال الاقتصاد، إلا أن خصومه من الحزب الجمهوري كانوا يستعدون ويحشدون امكاناتهم المالية واللوجستية لحرمانه من رئاسته الثانية..

في تلك الفترة من صيف عام 1995.. وقعت حادثة تفجير بالغة البشاعة في المبنى الحكومي لمدينة أوكلاهوما.. وفور الحادثة بدأت تتسرب وتتناثر أقاويل وشائعات، بلغت أحيانا حدود الافتراءات وكانت تحاول إلصاق هذا الحادث الإرهابي بكل معنى بجماعات المسلمين.

كان الهدف ولا يزال بالطبع هو تبشيع شخصية المسلم.. أو هو "شْيطنة" أبعاد هذه الشخصية كما يقولون في مصطلح الإعلام الذي لا يلبث يدور حول ما يوصف بأنه "الصورة المنطبعة" أو القولبة الفكرية أو الإطار الجامد أو المجمد عنوة من أجل طرح صورة فادحة التنميط تختصر، أو بالأدق تبتسر من باب التحامل والافتراء بالطبع مفهوم "مسلم" في صورة العنف الإرهاب بل الوحشية وسفك الدماء في بعض الأحيان.

ما لبثت أن تكشفت الأحداث وأسفرت التحقيقات كما أصبح معروفا بأن حادثة أوكلاهوما بكل بشاعتها إنما كانت من فعل "تيموثي ماكفي" الإرهابي الأمريكي الشاب لحما ودما، قلبا وقالبا كما يقولون.

يومها سارع "كلينتون"، بحكم ما كان يتمتع به من قدرات ديناميكية في التفكير والمبادرة الى صنع القرار الى الربط بين حادثة أوكلاهوما الإرهابية وبين مخططات خصومه في الحزب الجمهوري. والحق كما يوضح مثلا الكاتب الأمريكي "روس دوثات" في مقال منشور يوم 24 يوليه - أن الإرهابي "ماكفي" لم تكن تربطه صلات وثيقة، دعك من أن تكون وشائج، تنظيمية مع منظومة الحزب الجمهوري.

. ولكن الحق أيضا أن كلينتون لم يتورع عن الربط بين الطرفين وعلى أساس أن السلوك الإرهابي الذي دفع الى تدمير المباني المدنية ونسف المرافق الحكومية وإزهاق أرواح العشرات من المدنيين الآمنين الأبرياء ما هو إلا نمط سلوكي لا يصدر سوى عن فكر يميني يناهض التنظيم الحكومي ويكرس مصالح الفرد مهما كان ضيقها ومحدودية نظرتها ولو على حساب المجموع.. فضلا عن كراهية متأصلة ضد الأجانب زينوفوبيا كما يقول المصطلح المعتمد في العلوم السيكولوجية والسياسية.. الى آخر ما يصم التوجهات اليمينية من أفكار تصل في تطرفها وعنجهيتها وبُغضها تجاه "الآخر" الى حد إزهاق الأرواح وسفك الدماء.

ورغم تهافت الصلات، على ما أشرنا بين الإرهابي "ماكفي" والحزب الجمهوري، إلا أن كلينتون نجح وقتها في تأكيد مثل هذه الصلات مستخدما في ذلك على وجه الخصوص البرامج الحوارية المسموعة عن طريق محطات المذياع المنتشرة في طول أمريكا وعرضها.. خاصة وأن الرسالة المنقولة عن طريق جهاز الراديو هي الأيسر من نوعها من حيث البث والانتشار والتأثير حيث لا تتطلب بداهة تكريسا أو تخصيص من حيز الوقت أو حتى التفرغ من جانب جمهور المتلقين..

فيما يظل من السهل المتاح الاستماع إليها ومن ثم التأثر بمضمونها خلال قيادة السيارة على مدار المسافات الطويلة في شعاب القارة الأمريكية الشمالية أو في مطبخ الأسرة المعيشية وإبان دقائق إعداد طعام العشاء أو حتى قبل أن يأوى المستمع الفضولي الى النوم عند حلول الليل.

المهم أن ارتسمت الصورة المطلوبة، وهي التي أدت، كما هو معروف طبعا، الى فوز بيل كلينتون بالرئاسة الثانية صورة الربط العضوي بين الإرهاب فكرا وسلوكا وبالطبع عنفا وتدميرا، وبين الاتجاهات اليمينية المتطرفة في أروقة السياسة العامة بالولايات المتحدة.