تكاد الدراسات الحديثة تجمع على أن اللغة المكتوبة بالذات هي التي تشكل الوشيجة المحورية التي تحفظ على الأمة وحدتها وتصون كيانها القومي من غوائل التفتت والتخلف، بحكم ما يكفله هذا النسق اللغوي المكتوب من إمكانية الحفاظ على التراث الثقافي الذي يحوي إبداعات أبناء الأمة وابتكاراتهم وعلى عطائهم في مجالات العلم والفكر والفن، وهو ما يحفظ للجماعة القومية بالتالي عنصر الاستمرار بمعنى عنصر التواصل بين الأجيال.
من هنا اختارت المدرسة القومية الألمانية على يد فيلسوفها »فخته«.بالذات رابطة اللغة بوصفها المحور الأساسي لتجسيد الهوية القومية ومن ثم لتجسيد كيان الوحدة الألمانية التي عمل «بسمارك».على بنائها خلال الثلث الأخير من القرن التاسع عشر وفي إطار محيطنا العربي.
تأثرت أيضا نظريات الفكر القومي العربي على يد رائدها »ساطع الحصري«. بالتجربة الألمانية وأكدت على محورية اللغة العربية بوصفها الضامن الأساسي لصيانة هوية الأمة العربية وخاصة بوجه المؤثرات أو الهجمات التي تعرضت لها الجماعة القومية العربية، وما برحت تتعرض لها، بفعل الاهتمام المفرط باللغات الأجنبية وخاصة الإنجليزية المتأمركة في ميديا الإعلام والإعلان بل في مؤسسات التعليم وهو ما يهدد الكيان العروبي القومي ذاته فضلا عن كونه تجاهلا وإهدارا لقيمة اللغة العربية التي عاشت وازدهرت بفضل القرآن الكريم على امتداد أكثر من 17 قرنا من عمر الزمان.
لأن الكيان القومي العربي حضاري بامتياز، فإن الأمة العربية، وهي التجسيد الإنساني لهذا الكيان القومي لا تقوم على أسس عرقية ولا تستمد قوامها من أصول أثنية وإنما تقوم الأمة العربية كما ينبغي أن نؤكد باستمرار ــ على أساس حضاري بالدرجة الأولى، أو فلنقل على أساس وحدة الخطاب الثقافي المتواصل والمتجدد أيضا عبر مراحل التاريخ.
ولا شيء يضمن وحدة وتجانس واستمرارية هذا الخطاب الثقافي المتجدد سوى عنصر جوهري تعبر عنه كلمة واحدة وجامعة في آن معا وهي: اللغة.
اللغة ليست فقط وسيلة للتواصل بين البشر بل هي رابط فكري يقرب الأفراد في المجتمع الواحد من بعضهم البعض، ويجعل من السهل التفاهم بينهم، كما يوحد مشاعرهم وأفكارهم، وبالتالي يلعب الدور الأساسي في توحيد ثقافة الأمة، واللغة عامل فطري، فهو يولد مع الإنسان وينمو معه منذ الصغر، ومن الصعب على اللغة الأجنبية المكتسبة في الكبر أن تجذب من اكتسبها إلى روح شعبها الأصلي، حتى لو استطاعت جذبه للثقافة نفسها.
نقصد بالطبع اللغة القومية التي تُعد في التحليل الأخير الوشيجة التاريخية والحضارية والمحورية المشتركة التي تجمع أفراد الأمة على مهاد دينامي من التوافق المجتمعي الذي لا يستند إلى سلطة غاشمة، ولا حتى إلى »شوكة«.الدولة إذا استخدمنا التعبير الخلدوني المتواتر، بقدر ما تنهض هذه الوشيجة وتعيش وتنمو وتزدهر على أساس وحدة اللسان المعبِّر عن فكر الجماعة البشرية وعن وجدانها وهمومها ورسالتها نحو عصرها واستيعابها لدروس الماضي وتعاملها الفاعل والإيجابي مع الحاضر وقدرتها الواثقة على استشراف المستقبل.
ويكاد يجمع مؤرخو المدارس والكيانات القومية في العصر الحديث على أنه ما كانت وحدة ألمانيا لتقوم وتصمد لأنواء الزمن وتقلبات الأحداث، إلا بعد نضالات فكرية وثقافية وفلسفية خاضتها النخبة المؤمنة بالقومية الألمانية في ميدان اللغة الألمانية على وجه الخصوص.