فيما درج كثير من المحللين على الرجوع إلى المصادر الغربية ــ الأوروبية والأميركية من أجل الإطلالة على ما يجري في تركيا.. فقد عمدنا في هذه السطور إلى أن نحيل إلى مصدر مختلف تماما.. من شرق أوروبا هذه المرة.. وإن كان يتميز عن سواه بأنه أقرب إلى متابعة «الحالة التركية» بصورة أو بأخرى.

نحيل تحديدا إلى الدراسة التي نشرها الاقتصادي الروسي «أرتور لوقمانوف» في واحدة من أهم الدوريات العلمية الروسية الصادرة بالإنجليزية وهي «مجلة الشئون الدولية».. عدد يناير عام 2011.

 

دراسة روسية

ترجع أهمية الدراسة إلى أنها تتناول موضوعا له أهميته بغير شك بالنسبة للدوائر العربية المهتمة بالشأن السياسي العام في منطقتنا. والعنوان هو بالتحديد: تركيا: السياسات الجديدة في الشرق الأوسط.

وتبدأ الدراسة بعرض موجز لأهم القضايا التي تركز السياسة التركية الراهنة على التعامل معها في هذه المرحلة: ما بين الملف النووي الإيراني إلى ما عرضته أنقرة في مرحلة ليست بالبعيدة من محاولات وساطة بين سورية وإسرائيل إلى.. حوار مع حركة حماس الفلسطينية.. فضلا عن اهتمام مكثف وحركة دينامية بهدف التعاطي المستمر مع ما يجري وما يستجد من تطورات على ساحتي العراق وليبيا.

صحيح أن تركيا لا تفتأ أحيانا ــ على نحو ما يلمح الباحث الروسي ــ تعود إلى ذكريات الماضي أو هو المجد العثماني ــ الإمبراطوري إن شئت، لكن الأصح أن المجد الأوْلى بالاهتمام والتمّثل وربما الاعتزاز هو ما استطاعت تركيا أن تحققه على مدار العقود الأخيرة ابتداء من سبعينات القرن العشرين.

 

من الفقر إلى النمو

لقد بدأت تركيا مرحلة العقد المذكور بوصفها ــ كما توضح الدراسة ــ بوصفها بلدا فقيرا يعاني العديد من الأمراض الاجتماعية والأزمات الاقتصادية الطاحنة إلى أن استوت مع سنوات العقد الأول من الألفية الثالثة لتصبح بلدا ناميا يتحرك ناتجه المحلي الإجمالي بسرعة ملحوظة نحو رقم التريليون دولار حيث كان هذا الناتج ينمو بمعدل مرموق يبلغ 7 في المائة سنويا على مدار الفترة 2003 ــ 2008 رغم حجم السكان الذي ظل متزايدا إلى أن بلغ مؤخرا نحو 73 مليون نسمة.

لا عجب إذن أن تقف أنقرة على أرضية وطيدة من الثقة في النفس والاطمئنان إلى صحة أجندة السياسات المتبعة. ومن منطلق هذه الثقة المستندة إلى إنجازات جسدتها الإحصاءات وشهادات التقدير من جانب المؤسسات الاقتصادية ــ المالية الدولية، طرحت تركيا نفسها على ساحة جيرانها في منطقة الشرق الأوسط في صورة أكثر إيجابية، لا على أساس توسيع التفاهمات السياسية وحسب ولا على أساس تعميق الشراكات الثقافية والتراثية والروحية فقط، ولكن أيضا على أساس توسيع آفاق التعامل الاقتصادي والتجاري ولدرجة زاد معها حجم التجارة بين تركيا وأقطار الشرق الأوسط بمقدار عشرة أضعاف منذ عام 2000 وحتى الآن، وهو ما رفع نسبة الصادرات التركية إلى المنطقة إلى 22.5 في المائة من مجموع صادرات أنقرة بينما انخفضت النسبة المناظرة من تركيا إلى الاتحاد الأوروبي لتدنو عن الخمسين في المائة التي كانت عليها في الماضي وكانت تلك هي المرة الأولى خلال العقود الأخيرة.

 

سياسة حاذقة

ومن عجب أن تلاحظ الدراسة الروسية استمرار الازدهار في علاقات تركيا مع أقطار من منطقة الشرق الأوسط فيما يواجه بعضها مشاكل وأزمات سياسية اجتماعية. ومع ذلك فما برحت أنقرة تتعامل مع العديد من أقطار المنطقة مستفيدة في ذلك من إجماع شتى الأطراف المعنية على التعامل معها، خاصة وهي تحرص ــ كما تسجل الدراسة المذكورة ــ على الحفاظ على درجة معقولة من التوازن في إدارة هذه العلاقات وبحيث لا يسَّجل عليها أي تحيز لأي من أطراف المعادلات التي مازالت متفاعلة في أنحاء منطقة الشرق الأوسط بصورة أو بأخرى.

تقول الدراسة في هذا السياق:

ــ لدى تعاملها مع جيرانها الشرق أوسطيين، تحرص أنقرة باستمرار على تخفيف تركيزها على المشاكل المثارة وكأنها تتبع مبدأ «لا غالب ولا مغلوب»، وبمعنى تفضيل التركيز على تطوير سبل التعاون الاقتصادي فضلا عن إضفاء الطابع المؤسسي على هذا التعاون، وبمعنى أن «مأسسة» هذا التعاون كفيلة بأن تصونه بعيدا عن متغيرات اللحظة وإرادات الأفراد وصراعات الفئات.

بل لقد مضت أنقرة في أشواط بعيدة حين دعت في مثل هذه الأيام بالضبط من العام الماضي (10/6/2010) إلى عقد مؤتمر إقليمي مهم في اسطنبول ضم وزراء خارجية كل من لبنان وسورية والأردن وتركيا واستهدفت فعالياته إنشاء آلية جديدة يصار إلى اتباعها من أجل تطوير العلاقات التركية العربية وتتمثل في مجلس استراتيجي رفيع المستوى يطمح إلى إقامة منطقة مشتركة تسمح بحرية انتقال الأفراد والسلع ورؤوس الأموال والخدمات فيما بين الدول المشاركة.

 

تكامل تركي ــ عربي

أكثر من هذا.. تسجل نفس الدراسة التي نحن بصددها فحوى ومغزى التصريحات التي أدلى بها خلال وقائع الاجتماع المذكور كل من السيد «أردوغان» رئيس الحكومة ووزير خارجيته السيد «أحمد داود أوغلو» وأعربا فيها عن نية أنقرة في توسيع أوجه التكامل العربي ــ التركي كي تصل إلى مشارف أبعد آفاقا وأوسع طموحا.. ولدرجة أن يصل هذا التكامل ــ التعاون إلى حدود أفريقيا ــ العربية.. ما بين المغرب إلى السودان.

هنا يعلق الأكاديمي الروسي «أرتور لقمانوف» قائلا في هذا الخصوص:

ــ كانت تلك هي المرة الأولى التي يتناول فيها شخصيات على مستوى القمة (في تركيا) مواضيع من قبيل أشكال التقارب العسكري ــ السياسي إلى حيث التطرق نحو إقامة «حزام أمني» عبر وطني ــ بمعنى عابر للحدود، يضمن بدوره سبل التطور المستقر والمستقل لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

في هذا الإطار أيضا ينبغي طرح السؤال الهام:

- ما هو موقف الأطراف في غرب أوروبا إزاء هذه التحركات التركية؟ وبالتحديد هذا التقارب الذي تحرص أنقرة ــ أردوغان أو تركيا ــ العدالة والتنمية على تفعيله مع دول المشرق والمغرب العربية.. من العراق والخليج وحتى السودان.. بل إنها تحرص على تجسيده وتركيزه في أطر مؤسسية بحيث يظل مع الزمن صامدا بوجه ما قد يهب من عواصف المتغيرات..؟

 

تشجيع أوروبي

ورغم أن إجابة مثل هذه التساؤلات ليست بالأمر الهين.. خاصة في ضوء العقبات التي لا تفتأ تضعها أركان الاتحاد الأوروبي بوجه انضمام تركيا عضوا أصيلا في الاتحاد المذكور، فالحاصل ــ على نحو ما ترصده الدراسة الروسية ــ هو أن هناك من أعضاء الاتحاد الأوروبي من يتعامل بمنطق التشجيع مع خطوات التقارب والتعاون بين تركيا وأقطار العالم العربي والشرق الأوسط.

دوائر الخارجية الألمانية على سبيل المثال قامت بتحليل هذه العلاقات وأطلقت على السياسة التركية الوصف التالي:

ــ تركيا هي الجسر المفضي إلى الشرق الأوسط.

وفي إطار هذا التوصيف كانت عيون برلين تتطلع إلى الاستثمارات والأنشطة التجارية بالدرجة الأولى.. وهنا سارعت ألمانيا بإيفاد ممثلين عن كبرى شركاتها لعقد منتديات الاستثمار في اسطنبول لمناقشة إنشاء مشاريع مشتركة في العراق وسورية وغيرهما يتم تنفيذها في ميادين النقل وهندسة الطاقة وإقامة البنى والهياكل الأساسية.

وهنا أيضا تضيف سطور الدراسة الروسية ما يلي:

ــ ولا يتورع الألمان عن إعلان نواياهم باستخدام الأراضي التركية والقوى العاملة من الأتراك فضلا عن المصالح والدوائر التجارية في أنقرة من أجل توطيد مركزهم في أسواق العراق وسورية ومن ثم تتحرك ألمانيا لتقطع أشواطا أوسع وتنتقل إلى ساحات أخرى في الشرق الأوسط والى أصقاع شبه الجزيرة العربية.

 

قطار برلين ــ الحجاز

ذلك هو في تصورنا هو المتن الرئيسي الذي تتحرك على محاوره مصالح ألمانيا وتركيا في هذا المضمار.

ومن حواشي هذا المتن.. ما يشير إليه مراقبو الشأن التركي ــ العربي ــ الألماني ويتمثل في مشروع طموح في مجال النقل والمواصلات.. وهو إحياء شبكة الاتصالات بالسكك الحديدية التي سبق إنشاؤها أيام التعاون الذي كان قائما عند أواخر القرن 19 بين الإمبراطورية الألمانية (الإمبراطور غليوم) والدولة العلوية العثمانية (السلطان عبدالحميد). وحمل المشروع أيامها اسمه المعروف في تاريخ منطقتنا الحديث:

٪ شبكة سكة حديد اسطنبول ــ بغداد وخط سكة حديد اسطنبول ــ الحجاز (المدينة المنورة).

ومرة أخرى يعلق الباحث «أرتور لقمانوف» قائلا:

ــ الأهمية الاستراتيجية واضحة لمثل هذه المشاريع.

فلأول مرة منذ فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى، تستطيع اقتصاديات السكة الحديد.. وقاطرتها المحركة الأوروبية أن تحصّل سبيلا بريا مباشرا يفضي بها إلى الأسواق الغنية في مناطق الشرق الأوسط والخليج.

لا يفوتنا في هذا المجال أيضا ملاحظة أن هذه الجهود الحثيثة.. الطموحة والمتنوعة التي مازالت تبذلها انقرة على جبهات شتى.. تتوزع إلى الاقتصاد والسياسة.. إضافة إلى الثقافة والإعلام (التليفزيوني على وجه الخصوص).. إنما يُقصد بها في التحليل الأخير توطيد مكانة تركيا، وحيازتها أوراقا متنوعة تكفل لها إمكانات التأثير العميق والمكانة المتميزة.. وكلها تضيف إلى أوراق اعتمادها عضوا كامل العضوية في الاتحاد الأوروبي..

 

أخطاء الماضي

ولا يفوت المحللين الأوروبيين ملاحظة ما تتمتع به تركيا من موقع جغرافي حاكم وحيوي وبوصفها محورا لمفترق الطرق الواصلة بين أوروبا والعالم العربي ــ الإسلامي وهو ما أدركت القيادة التركية الراهنة قيمته.. لا من الناحية الاستراتيجية وحسب.. ولكن من النواحي الروحية والعقائدية والتاريخية والثقافية وما في حكمها.

وثمة تسليم يسود الدوائر المعنية في أنقرة واسطنبول.. ومفاده بأن تركيا الحديثة أهدرت عقودا ثمينة من زمن القرن العشرين، وخاصة عقدي الخمسينات والستينات حين خضعت لانقلابات عسكرية ولحكومات مدنية لم تتورع عن معاداة حقبة النهوض العربي ــ القومي أيامها فانضمت إلى الأحلاف المعادية لحركات الاستقلال والتحرر العربية وانغمست في حمأة صداقة مع الكيان الصهيوني المغتصب لأراضي العرب وحقوق الفلسطينيين ثم أمعنت في تكريس نزعات الاغتراب والتغريب بعيدا عن الأنساق الثقافية والمعرفية والتراثية التي طالما كانت وشائج تربط بينها وبين الجماعة العربية على اختلاف الأنظمة والسياسات والأقطار.

من هنا يجوز النظر إلى السياسات المستجدة التي تتبعها أنقرة في اللحظة الراهنة بوصفها «اختراقا» بالغ الرشد والحكمة ومن شأنه تحقيق المصلحة التركية الوطنية من جهة كما أن من شأنه أن يضيف فيما نرجو رقما جديدا واعدا ومؤثرا إلى معادلة القوة العربية ــ المسلمة من جهة أخرى. أمجاد الماضي

صحيح أن تركيا تركز حاليا على الميادين الاقتصادية وعلى آفاق التبادل التجاري مع أطراف منطقة الشرق الأوسط.. ولكن الصحيح أيضا أن أنقرة لا تلبث بين حين وآخر.. تستدعي ذكريات الماضي.. طبعا بمنطق انتقاء الأفضل وهو ما تعكسه بحنكة دبلوماسية التصريحات التي يدلي بها في بعض الأحيان وزير خارجية تركيا «أحمد داود أوغلو» في معرض التذكير بأمجاد الدولة العثمانية التي تعاملت مع المنطقة على امتداد فترة طويلة تزيد مساحتها الزمنية على 400 سنة من عمر العصر الحديث.