الكاتب الأميركي من أصل هندي «فريد زكريا»، في المقدمة الإضافية التي كتبها للطبعة الأحدث من كتابه «عالم ما بعد أميركا»، يؤكد على أن الأزمة الاقتصادية التي شهدتها أميركا في خريف عام 2008 جاءت لتشكّل أخطر، أو أسوأ ظاهرة انهيار مالي أصابت العالم منذ عام 1929 وكأنها بمثابة شاهد كما أضاف زكريا - على أسوأ تباطؤ في النمو أو التطور الاقتصادي أصيب به العالم منذ حادثة، أو كارثة الكساد الرهيب التي حلت بالعالم مع مطلع الثلاثينات من القرن العشرين.
تبعات الأزمة
المحلل السياسي الأميركي الهندي الأصل لم يكن مغاليا باعتبار أن الاقتصاد العالمي العولمي إن شئت فقد في غمار هذه الأزمة (أو الكارثة) ما يصل إلى 50 تريليون دولار من الأصول الثابتة والمنقولة.. وفيما يمكن كتابة هذا الرقم المهول ويمكن بالطبع قراءته أو حتى تفهّم أبعاده.. فلابد أن يتوقف المرء قليلا بقدر من التأمل أو استقاء العبرة حين يفكّر في مبلغ وحجم المعاناة التي كابدتها عشرات وربما مئات الملايين من البشر.. عائلات وأفرادا ممن ضاعت ممتلكاتهم ودمرت حياتهم وتحولوا في ومضات زمنية صاعقة من مواطنين إلى متسولين لا يملكون شيئا لا في الحال، كما يقولون ولا في الاستقبال.
في نفس السياق يدفع الكاتب «زكريا» ومعه الأكاديمي «ستيفين زابو» بأن أميركا لا يمكن أن تحافظ على المكانة القيادية أو الطليعية التي استمتعت بها اعتبارا من سقوط غريمها السوفيتي في فاتح تسعينات القرن الماضي.. وانّى لها أن تواصل هذه المكانة وقد حاق بها كما يؤكد «فريد زكريا» - أكبر أو أفدح عملية إفلاس في التاريخ (وخاصة ما أصاب كبرى البيوت والمؤسسات المالية العملاقة وفي مقدمتها «ليمان برزرز» على سبيل المثال).
القرن 21
وبديهي أن ليس ثمة مجال للتأسي على أحوال بلد كبير مثل الولايات المتحدة.. فأهلها أدرى بمصالحهم، ولكن الأهم بالنسبة لنا في العالم الثالث هو وعي الدرس المستفاد الذي طالما أشار إلى أن هذا القرن الواحد والعشرين كان قد بدأ على نحو أكثر من واعد وكأنما كان يترجم المقولة الشائعة في متن البلاغة العربية وهي: براعة الاستهلال.
لقد بدأ اقتصاد العالم بحجم 31 تريليون دولار في عام 1999. وما أن حل عام 2008، أو فلنقل ما أن حلّت بداياته، حتى تضاعف حجم الاقتصاد العالمي إلى نحو 62 تريليون دولار. وكانت تلك نتيجة أكثر من مرموقة خاصة في ضوء استمرار الانخفاض، المشهود في معدلات التضخم مع التوسع الذي كان مشهودا بدوره في إيرادات الأسر واستهلاك الأفراد والجماعات.. وزيادة إنفاقها، لا على لقمة الخبز وحسب ولكن من هذه العائلات من توسع في حجم السكن ومن عمد إلى شراء أجهزة الحواسيب الشخصية (لاب توب) وأجهزة الهواتف المحمولة وما إلى ذلك بسبيل.
العالم الثالث
ومن عجب أن لم يقتصر هذا السلوك التوسعي في الاستهلاك.. الضروري والكمالي على أقطار الغرب في أميركا وأوروبا» لقد شهدت أقطار شتى من قارة آسيا زيادة في فرص العمالة وارتفاعات في معدلات التشغيل.. وشهدت قارة أميركا اللاتينية حركة تعمير واسعة النطاق ارتفع معها أيضاً مؤشر ظاهرة التحول الحَضَري بمعنى الحراك الذي يتحول فيه البشر من سكنى الأرياف والبوادي والفيافي النائية إلى سكنى المراكز الحضرية التي زاد بها عدد المدن البازغة في ذلك الجزء الجنوبي من نصف الكرة الغربي. بل كان لقارة أفريقيا نصيب، أو بعض من نصيب، ولو على شكل قضمة أو قضمات من تلك الكعكة العالمية الشهيثة والواعدة بالازدهار.. وتجّسد هذا النصيب بالذات في إتاحة فرص واسعة نسبيا أمام أقطار أفريقيا كي تصدّر منتوجاتها من المواد الأولية والخامات المحورية والسلع التحويلية نصف المصنعة إلى أسواق العالم الخارجي.. وهو ما أدى إلى تزويد عجلة النمو في أفريقيا بدفعات من الحمية والنشاط.
بيد أن هذا النشاط كانت ترتبط عافيته بقدر العافية التي يتمتع بها الاقتصاد الأميركي على وجه الخصوص.
ربما لم يكن هناك من يولي اهتماما موضوعيا ومركزا لذلك التوازي الذي كان حاصلا بين نشاط وفاعلية أو حتى عافية الاقتصاد العالمي وبين التحولات الجذرية، غير المسبوقة التي كانت تطرأ عبر سنوات الثلث أو الربع الأخير من القرن الماضي على حركة الاقتصاد وإيقاع السياسة في العالم.
ميزة هذه التحولات، ومشكلتها أيضا، تمثلت في أنها كانت تتم بخطى وئيدة ودون صخب أو جلبة، وتتحاشى أسلوب الطفرة المفاجئة التي كانت كفيلة، لو حدثت، بجذب الانتباه ولفت الأنظار.
ثورة الحاسوب
وكم تعّود العالم أن يرصد التحولات الناجمة عن أحداث صاعقة جسام كان في مقدمتها الحروب الشاملة بطبيعة الحال.. ويكفي أن القرن العشرين وحده شهد أكبر وأخطر حربين عالميتين لم يكد يفصل بينهما سوى عشرين عاما وربما أقل.
لكن سنوات العقود الثلاثة الأخيرة من القرن شهدت تحولات بالغة الخطورة كانت تطرأ على بنية عالمنا بغير كثير من صخب، وعلى أساس نمط ربما نَصِفه من جانبنا بأنه كان أقرب إلى «التواطؤ» الايجابي المثمر والمحمود. نتحدث بالذات عن ثورة الاتصالات التي تحولت مثلا من البث الإذاعي المسموع على الموجات القصيرة إلى الإرسال المرئي الواضح والمؤثر باستخدام الأقمار الاصطناعية.
نتحدث عن ثورة الحاسوب التي أدخلت هذا الكائن شبه الأسطوري بكل امكاناته التي تحاكي ملكات الإنسان العقلية مع تكبيرها وتعظيمها مئات الآلاف من المرات والامكانات والقدرات.. ومرة أخرى عاش العالم، ذروة انبهاره بهذا الكائن المستجد من كائنات الذكاء الاصطناعي.. وقد تطور من حجم لا يكاد تسعه صالات المؤسسات المكيفة الهواء.. ولا يستطيع التعامل معه سوى زبدة النخبة من صفوة الاختصاصيين إلى حيث أصبح كائنا طيعا ورفيقا ورقيقا يقدم خدماته في كل لحظة والى مختلف الأعمار والمشارب والمتطلبات... وهنا كان العالم ولا يزال يواكب ثورة الاتصال التي وضعت الهاتف الأصغر حجما والأكفا تشغيلا كي يتحول هذا العالم قولا ثم فعلا إلى قرية صغيرة.
الاعتماد المتبادل
هنالك كان لابد من أن ينطبق ما نسميه في تراثنا بأنه «أخلاق القرية».. وفي مقدمتها الأعراف الموروثة التي تحمل التسمية التالية: التكافل.أو الاعتماد المتبادل.
لقد أصبح كل طرف في العالم يعتمد على سائر الأطراف الأخرى في العالم.. وأصبحت كل الأحداث في هذا الجزء أو ذاك من العالم.. تتردد أصداؤها بصورة أو بأخرى في جنبات الأجزاء الأخرى من نفس الكرة الأرضية، وفي إيقاع متواتر أقرب إلى تطبيق نظرية الدومينو الشهيرة في عالم السياسة وهي نظرية سلسلة التأثيرات.. وهي بدورها ترجمة لمأثور تراثنا الروحي الطيب الذي يشّبه جماعة المؤمنين بأنها بنيان مرصوص يتبادل فيه الأطراف.. أو تتبادل لبِنات هذا الصرح ضروب التأثر والتأثير على السواء.
ولأن لكل شيء ثمنه.. فقد كان على العالم أن يدفع مقابل هذه الحالة من الاعتماد المتبادل التي آلت إليها أموره وتحولت إليها أوضاعه.. وخاصة مع مغيب قرن مضى ومطالع قرن جديد.
لقد أفاد الكثير من دول الشرق والغرب، ودول الشمال والجنوب من اتساع أسواق المعاملات.. ومن السيطرة على جموح التضخم بصورة أو بأخرى ومن انتعاش حركة التجارة والمبادلات الدولية، فضلا عما المحنا إليه من انجازات وصلت أحيانا إلى مستوى الاختراقات ومراقي الفتوحات في مجالات العلم والابتكار والتكنولوجيا. وكانت أميركا في موقع الصدارة من هذا كله.
وعندما تعيّن على أميركا أن تدفع الثمن وتصاب بآفة الأزمات الدورية التي لا تفتأ تصيب النظم الرأسمالية.. فإنها لم تدفع الثمن وحدها.. بل كان على العالم أن يدفع الثمن أيضا.. وبحكم أوضاع التكافل التي أومأنا إليها.. وهي ترجمة دقيقة لشراكة اليُسر وشراكة الأزمة سواء بسواء.
المهم أن حطّت الأزمة الاقتصادية بأشباحها السوداء على أميركا ومنها إلى أوروبا الغربية والى أقطار شتى من عالم اليوم: صحيح أن المؤثرات تباينت ما بين مؤثرات خفيفة أو معتدلة كما حدث مثلا لكثير من البلدان في العالم الثالث.. إلى مؤثرات قاسية كما عانتها أسبانيا أو اليونان ومؤثرات فادحة كما حدث بالنسبة للبرتغال فما بالك بمؤثرات كارثية أوصلت إلى حافة الإفلاس بلدا في أقصى الشمال الأوروبي اسمه ايسلندا.
الأمن العالمي
على مهاد هذه الصورة بدأ المراقبون والمحللون السياسيون يتوقعون فراغا في القيادة العالمية وخاصة بسبب انشغال أميركا بمشكلتها الاقتصادية الداخلية وأيضا في تحمّل مغارم حروبها في ساحات العراق وأفغانستان، فيما يرصد بعضهم أيضاً تهيؤ القوى المستجدة والصاعدة أو الطامحة كي تدخل إلى ساحة التأثير في مجريات أمور عالمنا.
في هذا السياق يوضح «ستيفن زابو» أن الأهم في هذا المضمار هو تحولات نظام الأمن في عالم اليوم، وهو النظام الذي يتوقف على صحته بالطبع تطورات السياسة والاقتصاد والثقافة.. وبغير هذا الأمن تضطرب الأمور في بحر السياسة وفي ساحة الاقتصاد وفي دنيا الثقافة والإبداع بشكل عام.
ويقول «ستيفن زابو» في هذا الخصوص ما يلي: إن صعود آسيا هو المفتاح الرئيسي في نظام الأمن الآخذ في النشوء في الوقت الحالي.
ويمضي المفكر السياسي المذكور ليوضح أن صعود الصين في إطار النظام الجديد سيظل مرتبطا بالمصالح القومية للولايات المتحدة وخاصة لأن آسيا لا تملك قوى منفردة مرشحة دون غيرها لدور العنصر المهيمن الوحيد، كما هو الحال مثلا مع أميركا بالنسبة لنظام الأمن الغربي على جانبي المحيط الأطلسي. والمعنى أن آسيا تضم قوى منافسة للصين مثل الهند وقوى متوسطة القدرة ولكنها حيوية التأثير مثل كوريا الجنوبية وكوريا الشمالية (النووية حتى لا ننسى) ثم هناك أيضاً قوى يُعتد بها من حيث منعة الاستقرار ودينامية الاقتصاد، ويأتي في طليعتها بلد مثل ماليزيا.
في نفس السياق أيضاً يتعرض المحللون إلى أحوال الشرق الأوسط والى القوى الدينامية الصاعدة على صعيده.. سواء على شكل دول مستقرة مثل تركيا أو على شكل أوضاع مازالت تتخذ طريقها نحو التبلور ومن ثم الاستقرار مثل الوضع في مصر.
وفيما يصدق مثل هذا التحليل على الحالة السياسية فربما يقال إنه سبق إلى الانطباق على الساحة الاقتصادية، وبعد أن ترجمته الأطراف المعنية حين تحولت من مجموعة الدول الثماني التي كان موكولا إليها احتكار قيادة النظام العولمي بزعامة أميركا.. إلى حيث توسعوا في ضم الأطراف الواعدة أو الصاعدة فكان أن تشكلت كما هو معروف مجموعة العشرين التي أضيفت فيها فضلا عن الثمانية الكبار دول أخرى من آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية وهي ترجمة بليغة كما نراها لحقيقة تقول بأننا أصبحنا نعيش في عالم متعدد الأقطاب.
تحولات تاريخية هامة
شهد القرن الماضي تحولات تاريخية محورية وهامة تدعات أثارها على القرن الجاري بشكل أو بآخر، الحرب العالمية الأولى (1914-1918) أسفرت عن اختفاء الإمبراطوريات الأربع الكبرى من خارطة عالمنا والى الأبد.. فيما أسفرت الحرب العالمية الثانية (1939-1945) عن تحطيم الذرّة وتفجير أول قنبلة ذرية في التاريخ، وإتاحة الفرصة لظهور قوى عالمية مستجدة ما بين الهند بعد استقلالها (1947) والصين بعد ثورتها (1949)، ومن ثم ظهور قوى العالم الثالث بعد معركة السويس (1956) وكل حدث منها كان أقرب إلى التسونامي السياسي بصورة أو بأخرى.