لا ينسى واضعو استراتيجيات الأمن القومي في أميركا تلك العبارة التي سبق إلى تأكيدها منذ أكثر من قرنين من عمر زماننا المعاصر «نابليون بونابرت» حين قال:
ــ احذروا الخطر.. الأصفر.
يومها، كان القائد الفرنسي يقصد بداهة مكمن الخطر الذي رآه من جانب شعوب الشرق الآسيوي الأقصى. وفيما عكف المؤرخون على تفسير هذه المقولة بأنها ربما تنصرف إلى الشعب الياباني سواء من حيث تقدمه السريع ولاسيما في النصف الثاني من القرن العشرين، فإن هناك ما ينصرف أيضا إلى التحذير في الوقت الحالي من عملاق أصفر بدوره.. هو الذي يؤرق الآن مضاجع أركان السياسة والتخطيط العسكري في الولايات المتحدة.. وهذا العملاق.. الآسيوي يحمل اسما واحدا يتردد بتكرار مشهود في مجامع البحث وأروقة السياسة الأميركية، وهو: الصين.
وفيما كان «بونابرت» يحذر، كما ألمحنا، من مغبة استيقاظ العملاق الأصفر من غفوة سبات تاريخي كان قد آوى إليها عبر قرون سبقت، فإن القضية الماثلة الآن أمام واضع الاستراتيجية الأميركاني تتجسد حاليا في أن الصين لم تكتف بأن تصبح قوة منتبهة الوعي وحسب، بل أنها انتقلت إلى حيث أصبحت قوة نامية ومن ثم قوة ناهضة Emerging أو بالتحديد قوة صاعدة Rising - وهو المصطلح الذي عمدت إلى استخدامه تحديدا مجلة «الإيكونومست» البريطانية في دراسة ضافية نشرتها مع ختام العام الماضي تحت العنوان التالي: الأخطار التي تتمثل في صين.. صاعدة.
وتكاد هذه الدراسة توجه قضاياها ومناقشاتها إلى أميركا على وجه التحديد.. وكأنما تومئ، وأحيانا تفصح، عن أن خطاب التهديد موّجه إلى القطب العولمي الأوحد المتمثل في الولايات المتحدة، التي ظلت تنعم بهذه المكانة ــ الكوكبية كما نسميها ــ على مدار عشرين سنة أو نحوها استغرقها عقد التسعينات الذي شهدت بدايته اختفاء المنافس السوفيتي من الخارطة الجيوستراتيجية الدولية، ثم استمرت هذه المكانة الفريدة والمرموقة أيضا بصورة أو بأخرى على مدى سنوات العقد الاستهلالي من هذا القرن الواحد والعشرين.
لأن القائد الفرنسي «نابوليون بونابرت» كان ثاقب النظر، فقد سبق منذ أكثر من 200 سنة إلى استرعاء الانتباه إلى ما وصفه بأنه «الخطر الأصفر» مشيرا في ذلك إلى العملاق الصيني حين يستيقظ من غفواته ليطرق أبواب العالم الحديث.. وقد ساعد على تفعيل وتجلي هذه الظاهرة الصينية ما شهده عالمنا خلال النصف الثاني من القرن العشرين من صراع ثنائي بين القطبين الكبيرين في تلك الفترة وهما الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، الذي تعرّض وقتها إلى استنزاف موارده واستنفاد طاقاته لحساب جهود الحشد العسكري وكان ذلك على حساب النهوض بالتنمية الاقتصادية وتيسير حياة مواطنيه الذين ما لبثوا أن انتفضوا في جميع أنحاء المنظومة السوفيتية ــ الشيوعية مما أدى إلى انهيارها وزوالها.. بينما ظلت الصين، وخاصة في مرحلة ما بعد زعيمها المؤسس «ماوتسي تونغ» تركز على جهود التنمية الاقتصادية والبحث العلمي والتطوير التكنولوجي وبناء شبكات التواصل الفعال مع شعوب العالم.. وخاصة في مجال التصدير، ولدرجة باتت تمثل أكبر دائن لأميركا، ولدرجة أن هناك من الدوائر العالمية ما يقدر بأن اقتصاد الصين قد يصبح هو الأكبر في العالم مع حلول عام 2016 الوشيك، وهو ما يدق أجراس التنبيه إلى ضرورة العمل على أن لا يعاود عالمنا الدخول في غمار منافسات ساخنة أو ملتهبة بين القطب الأميركي الحالي والقطب الصيني الصاعد.