عندما تقع الأزمات السياسية والعسكرية.. تتجه الأنظار منطقيا وموضوعيا إلى التحالفات الإقليمية ؟ الجهوية والعالمية، وهي الأطر التي تعين الدول على اتخاذ ما تستلزمه ظروف الأزمة من قرارات واستعدادات. وقد جاءت أزمات وقعت مؤخرا في العالم العربي لتكشف عن حالة من الوهن أو الإجهاد التي تعانيها منظمة حلف شمالي الأطلسي (الناتو) التي سبقت إلى إنشائها في أعقاب الحرب العالمية الثانية دول الحلفاء الغربيين وعقدوا لواء قيادتها إلى الولايات المتحدة الأميركية، خاصة وقد أدت الحرب العالمية إلى النزول بمكانة الدول الإمبريالية الأوروبية العتيقة ؟ انجلترا وفرنسا بالذات ؟ إلى مرتبة الدرجة الثانية ولصالح صعود نجم واشنطن، ولا سيما في مواجهة حلف وارسو بقيادة روسيا السوفييتية الذي قام الناتو لمواجهته على مدار سنوات الحرب الباردة.

وقد نُشرت مؤخرا دراسات تحليلية لعدد من الأكاديميين المتخصصين في العلوم السياسية تحاول رصد وتفسير حالة الإجهاد التي أصابت المحالفة الأطلسية ومنها ما توّصل إلى أن في مقدمة الأسباب وقوع الأزمة الاقتصادية التي أصابت اقتصادات أوروبا وأميركا.. وتحولات الخطاب السياسي الأميركي بعيدا عن التمسك بالتحالفات التقليدية الموروثة من حقبة الحرب الباردة، فضلا عن العامل الخطير المستجد على ساحة السياسة والاقتصاد الدولية ويتمثل في صعود نجم الصين التي تتوقع المراصد الأميركية أن يصبح اقتصادها هو الأكبر في العالم مع حلول عام ‬2016، فيما يتمثل التحدي الآخر في ما تعكف عليه الصين حاليا من تحديث آلتها العسكرية، وهو أمر لا تستطيع قوى «الناتو» مجاراته بسبب الأزمة المالية.

هذا إلى جانب العديد من المشاكل الداخلية في حلف الناتو، والتي ظهرت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام ‬2001 ، وانطلاق الحملة العسكرية الأميركية على العدو الجديد المسمى بـ « الإرهاب الدولي» ، هذا العدو الغير واضح المعالم والحدود والإمكانيات، حيث قررت واشنطن ومعها رفيقتها الدائمة لندن جر حلف الناتو في حرب واسعة النطاق ضد هذا العدو الجديد، ولكن الحلفاء داخل الحلف لم يستطيعوا فهم ماهية هذا العدو الجديد، ولم يتقبلوا ما طرحته واشنطن حوله، وساورتهم شكوك كثيرة حول مدى خطورة هذا العدو، وأيضا حول وجوده من عدمه، وجاءت الحرب على العراق بما فيها من الأكاذيب والاتهامات الباطلة لنظام صدام حسين بحيازته لأسلحة دمار شامل، لتثير الشكوك أكثر لدى أعضاء حلف الناتو حول نوايا واشنطن وإستراتيجياتها الخاصة، ثم عادت الحملة على أفغانستان لتشكل خطرا جديا على حلف الناتو، خاصة بعد انقسام الدول أعضاء الحلف على العمليات في أفغانستان، ورفض بعضهم المشاركة في العمليات العسكرية، وأيضا تهديد بعضهم بسحب قواته من أفغانستان، الأمر الذي دفع وزير الدفاع الأميركي جيتس إلى اتهام بعض الدول أعضاء الناتو بالتآمر ضد الحلف.

وتأتي عملية الحلف في ليبيا التي أطلقها استنادا لقرار مجلس الأمن رقم ‬1973، هذه العملية التي تشوبها الكثير من الشكوك ويثور حولها جدلا كبيرا حول أهدافها، ويتوقع البعض أن هذه العملية سوف تدق مسامير أخرى في نعش حلف شمال الأطلسي.

في نفس الوقت هناك قوى دولية صاعدة وعائدة للساحة الدولية مثل الصين وروسيا والهند وغيرها، توجه العديد من الانتقادات لحلف الناتو وسياساته وأهدافه، وترى أن الحلف تجاوز التاريخ والجغرافيا، وذلك بخروجه عن الأهداف والسياسات التي وضعها الحلف لنفسه عند تأسيسه، والتي تحدد هدف الحلف الرئيسي في الدفاع عن أعضائه في القارة الأوروبية وعبر المحيط الأطلسي ولا تتجاوز هذه الرقعة الجغرافية، وأن تكون خطط الحلف في أساسها دفاعية وليست هجومية، بمعنى أن يكون خناك خطرا واضحا ومحددا يستحق المواجهة.