جاءت الأحداث الأخيرة في ليبيا الشقيقة لتكشف عن مشاكل كانت كامنة تحت السطح في قلب الهيكل الذي طالما تباهت به أطراف الغرب الأوروبي - الأميركي. نقصد الحديث تحديدا عن حلف شمال الأطلسي (الناتو) وهو المنظمة التي عمد الحلفاء من غرب أوروبا والولايات المتحدة إلى إقامتها وتفعيل أنشطتها والتلويح بقدراتها، بعد انتصارهم أولا على دول المحور الثلاثي المؤلفة من ألمانيا الهتلرية وإيطاليا الموسولينية واليابان الإمبراطورية خلال وقائع الحرب العالمية الثانية، ثم بعد انقسام العالم خلال الحرب الباردة التي استطال أمدها إلى تسعينات القرن الماضي إلى معسكري الغرب والشرق، حيث كان «الناتو» يواجه - كما كان معروفا وقتها - غريمه الشرقي الشيوعي الذي حمل في تلك الأيام عنوان «حلف وارسو».

والحق أن أهمية حلف الناتو إنما ترجع في الأساس إلى محورية الدور الذي اختارت الولايات المتحدة أن تضطلع به وخاصة مع انتصاف القرن العشرين وهو دور «الشرطي الدولي».

والحق أيضا أنه لم يكن دورا ينطلق من مجرد أبهة الشكل ولا انسياقا وراء صخب الدعايات.. بقدر ما كان في جوهره انعكاسا لرغبة أميركا في تحقيق مصالحها القومية العليا مستعينة في ذلك بشركاء في إطار محالفة الناتو الأطلسية.. فما بالك وقد كان هؤلاء الشركاء - وفي مقدمتهم بداهة كل من إنجلترا وفرنسا في موقع لم يكن يدعو لأي حسد من قريب ولا من بعيد.

 

الشرطي الزعيم

نعمت واشنطن بدور الشرطي الأوحد، ومن ثم الزعيم بغير منازع لذلك الكيان الذي حمل أيامها وصف «العالم الحر» أو «العالم الليبرالي»، وهو العالم الذي كانت عقيدته السياسية توصف بالديمقراطية اللبرالية تعبيرا عن التعددية السياسية، وكانت عقيدته الاقتصادية توصف بالرأسمالية التي لا تحدها حدود ولا تخضع، ولا ينبغي في رأيهم أن تخضع، لأي ضوابط أو قواعد أو كوابح أو لوائح اللهم إلا قانون العرض والطلب الذي سبق ولخصته العبارة المأثورة من أيام الثورة وهي: «دعه يعمل، دعه يمر».

ولم يكن أمام الحليفين في كل من لندن أو باريس سوى الانسياق وراء هذا الاتجاه أو هو الرضوخ أمام أبعاد الحقيقة الأميركية التي كانت تصدر عن منطق العنفوان ودنيامية الحركة مع تذكير أهل الناتو على اختلاف هوياتهم بأفضال «المحرر» الأميركي على بلادهم وشعوبهم، خاصة وقد تحولت انجلترا من إمبراطورية إمبريالية لم تكن تغرب الشمس عن أصقاعها كي تصبح دولة من الدرجة الثانية فيما تحولت فرنسا إلى نفس الدرجة الأدنى ولا سيما بعد انكشاف تآمر الطرفين ومن ثم إحباط تآمرهما في معركة تأميم قناة السويس في خريف عام ‬1956 التي استطاع بعدها النضال المصري مدعوما بمآزرة معنوية ومادية من شعوب شقيقة وأقطار صديقة أن يستخلص هذا المرفق الملاحي الدولي من براثن المصالح الأنجلو - فرنسية وقد كانت مصالح طائلة واستغلالية بكل مقياس.

 

هوليوود الملونة

ثم كان هناك دور لا سبيل لإنكاره قامت به سينما هوليوود.. وبديهي أن جاءت ترجمة هذا الدور بكل أبعاده المزوّقة بكل ألوان الطيف إلى أفلام هي في نهاية المطاف أوهام ملونة وفاتنة ولكنها رسمت في الخيال الجمعي الدولي صورة للغرب أو الشمال من عالمنا وكأنه جمع القدرة والمَنَعة والنباهة من كل أطرافها.. وقتها تفنّن القوم في هذا كله ابتداء من أفلام بطولات الحرب التي صورت أميركا وحليفاتها في الغرب بأنها وليس غيرها قد حررت برلين وأسقطت ديكتاتورية هتلر.. فيما كانت الحقيقة التاريخية على عكس ذلك تماما.. تلك الحقيقة التي شهدت موضوعيا تحرير برلين وإسقاط هتلر على يد القوات السوفيتية التي واصلت في زحفها مع منتصف عام ‬1945 إلى العاصمة الألمانية بقيادة مارشال الاتحاد السوفيتي زوكوف.

لكن حدث أن استقر في الخَلد الجمعي لدى أجيال كثيرة من شعوب العالم.. صورة «جيمس بوند».. السوبر - جاسوس، صانع المعجزات ورمز الذكاء الخاطف والسحر الآسر والجاذبية التي لم تكن تقاومها حسناوات الشرق والغرب على السواء.

مع هذا كله.. فقد كان للواقع والتاريخ منطق آخر..

صحيح أن انصرفت انجلترا وخاصة خلال اختيارها إدارة وزارية حاكمة من حزب العمال إلى تضميد جراحاتها وترميم علاقاتها، وخاصة مع دول أفريقيا والعالم العربي.. وتجديد هياكلها ومرافقها الاقتصادية. وصحيح أن انصرفت فرنسا وخاصة خلال الجمهورية الرابعة التي قادها الجنرال شارل ديجول إلى تصفية تركتها الاستعمارية العتيقة وهو ما تجلى أساسا في التسليم باستقلال الجزائر التي خاضت حربها الاستقلالية المجاهدة عبر سنوات صعبة طويلة استغرقتها الفترة ما بين اندلاع ثورة التحرير في نوفمبر ‬1954 إلى توقيع اتفاقية إيفيان الاستقلالية في ربيع عام ‬1962.

 

الإجهاد يصيب أميركا

لكن الأصح أيضا أن أميركا لم تكن متعافية أو بعيدة عن عناصر الوَهَن والإجهاد وآفة التباين إلى حد التناقض بين انطلاقة البدايات وعوائد الغايات المتحققة. كان هناك طبعا الغطاء الإعلامي والتبريرات الدعائية والصورة الزاهية لأميركا.. التي شاركت في رْسمها هوليوود على نحو ما أسلفنا.. ومعها أيضا مجلة «ريدز دايجست» (المختار) وسائر الدوريات الأميركاني التي راجت بين مثقفي شعوب الجنوب، وخاصة بعد أن نجحت أميركا في الاستئثار بأهم مرافق منظومة الأمم المتحدة ما بين الأمانة العامة بمقر المنظمة العتيدة في مانهاتن - نيويورك.. إلى أهم مؤسسات التمويل الدولية.. وهي ثلاثي «بريتون وودز» كما يعرف في المصطلح الدولي حيث ضمت العاصمة واشنطون كلا من البنك الدولي + صندوق النقد الدولي + المؤسسة المالية الدولية وهو ما جعل هذه المؤسسات ما بين المقر في نيويورك ومؤسسات المال والاقتصاد في واشنطون محط الأنظار وموئل المتابعة والرصد والتحليل من جانب قطاعات فاعلة وعريضة من انتلجنسيا العالم الثالث.

لكن لأن التاريخ يتطور والدنيا لا تدوم على حال.. فقد آن الأوان لاعتراف بدأنا من جانبنا نتابعه ونرصده وهو يتردد في مواقع ومصادر شتى من أدبيات التحليل السياسي والدرس الاقتصادي في الولايات المتحدة هذه الأيام.

وفحوى هذا الاعتراف يتجسد في سطور تقول:

- «أن تضاؤل أهمية حلف الناتو، بوصفه منظمة طليعية للأمن عبر المحيط الأطلسي، أمر ما برح يسير بخطى متوازية مع انحسار نفوذ أميركا ذاتها على صعيد القارة العجوز (أوروبا).. فلم تعد أميركا ضمن السياق الأوروبي الأوسع تتسلم مقاليد القيادة في قضايا الأمن الرئيسية، وبدلا من ذلك فقد باتت تكتفي بدور التمكين ولكن من وراء ستار...»

هذه السطور وردت مع غيرها ضمن الدراسات التحليلية المهمة التي نشرتها مجلة أميركية رصينة تحمل اسم «أميركان انترست» (المصلحة الأميركية) ويشرف على تحريرها البروفيسور فرانسوا فوكوياما أستاذ علم السياسة الأميركي الياباني الأصل.

 

تحولات في الناتو

وقد استرعى اهتمامنا، ومن منطلق متابعتنا واهتمامنا البديهي بالتحولات الخطيرة التي يتعرض لها وطننا العربي في مشارقه ومغاربه، أن المجلة الأميركية ركزت الكثير من اهتمامها (في أحدث عدد لها صادر عن شهري أيار/مايو - حزيران/يونيه ‬2011). على ما طرأ من تحولات على المحالفة الغربية (الناتو) حيث يشعر القارئ المتابع حالة رصدتها تلك الدراسات العلمية ويمكن وصفها من ناحيتنا بأنها حلة إجهاد (ئفُّىهِّم) تعرضت لها قوائم وركائز حلف الناتو، أولا بسبب المشاكل الداخلية التي أصابت، وأحيانا اجتاحت، عددا من بلدان الحلف، ما بين أفقرها في البرتغال إلى أواسطها في انجلترا إلى أغناها في أميركا بسبب الأزمة المالية - الاقتصادية التي ما برحت متواصلة في كتابه هذه السطور.

 

الرؤية المحدودة

أما العنصر الثاني الذي أصاب الناتو بداء الإجهاد فيتمثل في رأي البروفيسور «أندرو مشتا» أستاذ الدراسات الدولية في ما يمكن وصفه بأنه قِصَر النظر أو محدودية الرؤية لدى أركان الحلف الغربي، حيث ظلوا يطلون على المشاكل من منظور مصالحهم الوطنية أو الإقليمية - الجهوية الضيقة، دون أن يوسعوا هذا المنظور ليسع النطاق العالمي الأشمل وخاصة مع أواخر القرن العشرين، وهي الفترة التي شهدت ثورة جذرية غيرت سبل التواصل وأنماط التفاهم وعلاقات الدول بل وثقافات الشعوب نتيجة الآثار التي أحدثتها، بل فجرتها تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وخاصة مع فجر هذا القرن الواحد والعشرين.

ومن أمثلة ذلك، على نحو ما يسوق الباحث الأميركي الذي أحلنا إليه، أن ألمانيا التي ظلوا يتعاملون معها لفترات غير قصيرة بمنطق أقرب إلى التصغير أو التهميش.. أصبحت ماضية في طريقها إلى حيث تصبح القوة القائدة على مستوى الاتحاد الأوروبي بل يلاحظ الأستاذ «أندرو مشتا» متغيرات طرأت على الخطاب السياسي الأميركي ذاته.. وهو يتوقف مليا عند بيان الرئيس أوباما الذي سبق إلى إلقائه لدى افتتاح دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر ‬2009 (وهو أول خطاب من فوق المنصة الدولية للرئيس الأميركي الشاب).

وفي هذا الصدد، يشير الدكتور «مشتا» إلى أن أوباما عمد إلى تغيير الخطاب التحالفي حيث لم يتحدث عن حلفاء لبلاده، بل قال بالحرف الواحد:

- لم يعد ثمة قيمة أو معنى لإقامة تحالفات بين الدول على أساس ارتباطات جامدة سبقت خلال الحرب الباردة التي عفى عليها الزمن. خاصة وقد أضحينا نعيش في عالم شديد الترابط والتواصل.. ثم يعلق الباحث الأميركي على هذه التصريحات قائلا: - إذا لم نقل إن كان في هذا ما يعبر عن نبذ الناتو أو التخلي عنه، فقد جاء في تصريح أوباما ما يعبر عن هذا الاتجاه على نحو لم يسبق وإن أقدم عليه أي رئيس أميركي منذ أيام التوقيع على المحالفة الأطلسية خلال ولاية الرئيس الأسبق هاري ترومان.

 

العامل الصيني

بيد أن العامل الجوهري الذي تركزت عليه، وربما حذرت منه دراسات هذا العدد من المجلة السياسية الأميركية يمكن أن تعبر عنه كلمة واحدة هي: الصين

هنا يسلم «دان بلومنتال» الباحث المتخصص ومدير فرع الدراسات الآسيوية في معهد «انتربرايز» الأميركي بما أصبح بديهيا في أوساط علماء وراسمي السياسة في أميركا والغرب ومفاده ما يلي:

- سوف تصبح آسيا هي المحور الجيوبوليتيكي (محور الجغرافيا والسياسة) في القرن الحادي والعشرين. وفي هذا الإطار بالذات فلسوف يؤدي التنافس الناشئ حاليا في مجال الأمن بين أميركا والصين إلى تشكيل مستقبل تلك المنطقة، ومن ثم مستقبل العالم بشكل عام.

والحاصل أن هذا الخطر.. الصيني إنما يتخذ مسارين في الأساس:

- الأول: اقتصادي ويتمثل فيما تنبأت به مع أواخر شهر نيسان/أبريل مصادر أميركية متخصصة بأن اقتصاد الصين كفيل بأن يصبح أكبر اقتصاد في العالم مع حلول سنة ‬2016 وهي كما لا يخفى عليك مجرد غمضة عين في تاريخ العالم. وبديهي أيضا أن المسألة لا تدخل في باب الخيلاء الدعائية بقدر ما أنها تصبّ في أوضاع توازن القوى بين الدول من حيث نفوذها السياسي وكلمتها المسموعة وثقلها التصويتي في مجالات شتى من النشاط الدولي في عالمنا.

** الثاني ويتمثل كما ينبه الأستاذ «بلومنتال» فيما تعكف عليه بيجين حاليا من مشاريع تحديث آلتها العسكرية. وفي هذا يقول الباحث المذكور ما يلي:

- هذا التحديث يؤدي إلى جعل استراتيجية أميركا (وتحالفاتها) في آسيا أمرا تجاوزه التطور من زمن بعيد.. كيف لا وهذه الاستراتيجية ترجع إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية (عمرها الآن يصل إلى ‬60 عاما ويزيد)

والمعنى طبعا أن أمر التحديث يحتاج إلى إمكانات مالية ومادية في الأساس.. وإذا ما ارتأت أميركا أن تدعم قوة حلفائها سواء في إطار الناتو الغربي أو في إطار المحالفات الآسيوية.. فهي بحاجة بالطبع إلى موارد مالية طائلة تنوء بها ميزانية قومية ما زالت بحكم العجز الفادح الذي تعانيه، محل جدل محتدم إلى حد التنابذ السياسي بين الحزبين الديمقراطي الحاكم والجمهوري المعارض في أروقة الكابيتول في واشنطون ومن ثم في ساحة الولايات التي تستعد حاليا لانتخابات التجديد الرئاسية.

وعلى صعيد الحلف الأطلسي بالذات فقد ناقش أعضاؤه في أحدث اجتماعاتهم في العاصمة البرتغالية لشبونة، قضية تحديث القدرات العسكرية على ضوء المادة ‬5 من ميثاق الأطلسي التي تؤكد على عنصر الشراكة بين الأطراف.. وخاصة ما يتعلق بإمكانات الدفاع الصاروخي والأمن القائم على استخدام أحدث وسائل الاتصال الحاسوبي الإلكترونية.

حلف الناتو

هي منظمة تأسست عام ‬1949 بناء علي معاهدة شمال الأطلسي والتي تم التوقيع عليها في واشنطن في ‬4 ابريل سنة ‬1949. يوجد مقر قيادة الحلف في بروكسل عاصمة بلجيكا وللحلف لغتان رسميتان هما الإنجليزية والفرنسية ،والدور الرئيسي لهذا الحلف هو حراسة حرية الدول الأعضاء وحمايتها من خلال القوة العسكرية ويلعب دوره من خلال الأزمات السياسية، وكل الدول الأعضاء فيه تساهم في القوى والمعدات العسكرية التابع له مما يساهم في تحقيق تنظيم عسكري لهذا الحلف، ويوجد هناك دول ذات علاقات ممتازة بحلف الناتو إلا أنها ليست جزءا منه بشكل رسمي وتسمى حليف رئيسي لحلف الناتو، ويبلغ عدد الدول الأعضاء في الحلف ثمانية وعشرين دولة جميعها أوروبية باستثناء الولايات المتحدة الأميركية وكندا.