بعد مرور 100 يوم على تكليف نجيب ميقاتي تأليف الحكومة اللبنانية، بات أيّ توقّع في هذا الشأن ضرباً من الوهم. فتارة تكون عقدة وزارة الداخلية هي السبب، وتارة أخرى يوضع التأخير في خانة التطوّرات الإقليمية ومخاوف رئيس الوزراء المكلّف من الإقدام على خطوة ناقصة لا تأخذ في الاعتبار وقائع ما يجري على الساحة السورية، فباتت توقعات تشكيل حكومة «أمر واقع» مدعاة للجدل أكثر منها للقبول، في وقت أكدت مصادر مقربة من مقياتي لـ«البيان» أن «مرحلة حسم القرار ستتخذ خلال فترة قريبة لوضع جميع الأطراف أمام مسؤولياتها».
وإذا كان البعض يربط تعثر تشكيل الحكومة بمعطيات خارجية ضاغطة، إلا أن البعض الآخر من المطلعين على خفايا المشاورات يؤكد أن أسباب التعثر محلية، وتتصل بالخلاف العميق القائم بين الطرفين المعنيّين بحقيبة الداخلية، وهما الرئيس ميشال سليمان والنائب ميشال عون اللذان جعلا من هذه الحقيبة عنواناً للكبرياء الشخصي والحسابات السياسية والانتخابية لكل منهما، بحيث تجاوزت حجمها الموضوعي لتُزجّ فيها كل تعقيدات العلاقة الصعبة بين الجنرالين.
ثقب المركب
وبين هذا وذاك، اعتبر ميقاتي أن التأليف آت، لأن «الثقب في المركب الواحد يغرِق جميع ركابه». وأشار مقربون منه لـ«البيان» الى «مرحلة حسم القرار، لوضع كل القوى والأطراف أمام مسؤولياتها»، رافضين الغوص في التفاصيل أو تحديد سقف زمني، وإن كانوا ألمحوا الى 48 ساعة حاسمة في الاتجاه الحكومي تحت عنوان «الاعتذار غير وارد».
وفيما انتهت مجريات «حفلة المائة يوم» الى التلويح بحكومة «أمر واقع» يعلنها ميقاتي من القصر الجمهوري، اعتبر أحد المراقبين أن «تلويح رئيس الحكومة المكلّف بتشكيلة أمر واقع، لا يعدو كونه طلقة نار معزولة في الهواء، إذ لن يكتب لها على الأرجح أكثر من عمر تلاوة مراسيمها، في حال تجرّأ رئيس الجمهورية على توقيعها، لأنها عملياً لن تحظى بثقة الأكثرية الجديدة».
بدورها، لم تستبعد مصادر مطلعة أن يكون التلويح بخيار حكومة الأمر الواقع مناورة سياسية من قبل الرئيس المكلف للضغط على الكتل المستوزرة الرضوخ لخياراته في عملية تأليف الحكومة، والتخفيف من حدّة الشروط والتجاذبات حول الحقائب، ولا سيما وزارة الداخلية، مع العلم أن الخلاف حول وزارات أخرى، كالطاقة والاتصالات والعدل والإعلام، ليس أقلّ حدّة من الخلاف الظاهر على «الداخلية».
عوامل ومشاكل
وسواء عُزي عدم التأليف إلى عقبة حقيبة الداخلية، أو إلى أسباب خارجية متشعّبة الوجهة، مرة هي ضغوط سياسية أميركية ومرة تهديد بمصالح اقتصادية ومرة بترقّب تطوّر الاضطرابات في سوريا، فإن لا معطيات تنبئ بإحراز حدّ أدنى من التقدّم نحو التأليف، ويعكس هذا الإخفاق ـتمديداً للتكليف ولتصريف أعمال حكومة الرئيس سعد الحريري، وتالياً عدم وجود قرار بإبصار الحكومة الجديدة النور، حسب قراءة أحد المراقبين، والذي رأى أفضل تعبير عن حال الحكومة الجديدة الموعودة والمفقودة حتى الآن قول الرئيس نبيه بري منذ يومين: «أنا يائس وبائس، وحالتي بالويل، ولم أعد أريد التكلّم في موضوع تشكيل الحكومة».
برج بابل
وفي موازاة «برج بابل» السياسية الداخلية، بدأ القلق يعمّ القطاعات الاقتصادية، فدقّت هيئاتها جرس الإنذار محذرة من مغبة الاستمرار في الفراغ الحكومي ومكرّرة مطالبتها القوى السياسية بتحمّل مسؤولياتها «قبل فوات الأوان، وقبل الوصول الى مرحلة تصبح فيها المعالجات صعبة وربما مستحيلة»، وأعلنت هذه الهيئات في اجتماع طارئ عقدته أول من أمس «ثلاث لاءات»، رافضة من خلالها «أن تكون المشاحنات السياسية على حساب الاقتصاد والمجتمع والمرافق العامة، وأن يكون الاقتصاد في خدمة السياسة، وأن نرى الشأن العام مستباحاً كأن الدولة أصبحت من الماضي».
عقدة الداخلية
كانت المفاجأة الأحدث، في سلسلة الأفكار المتداولة والمتبادلة لتخطّي عقبة حقيبة الداخلية، الدائرة في فلك النزاع السياسي والشخصي بين رئيس الجمهورية والنائب عون، أن سليمان اقترح على الغالبية النيابية اسم قائد الجيش العماد جان قهوجي وزيراً للداخلية، ولكن، وعلى أهمية اقتراح توزيره لإحداث صدمة في تأليف متعذّر، أخرج قهوجي نفسه سلفاً من لعبة سياسية باتت مائعة أكثر ممّا يُحتمل، إذ كان ردّ فعله الأوّلي، عندما فوتح باقتراح توزيره، الخروج من هذا السباق السياسي بسبب إصراره على البقاء على رأس المؤسسة العسكرية.