هناك قوى صاعدة جديدة أصبحت تشكل منافساً شرساً للمعسكر الغربي، سواء كانت الصين أو الهند أو البرازيل أو روسيا ؟ هذه القوى التي كانت إلى وقت قريب، إما في حال من اضطراب الأوضاع نتيجة التغير بعد الحقبة السوفييتية (روسيا) أو كانت مشغولة بترتيب البيت الداخلي وبخاصة ما يتعلق بمكافحة ومن ثم استئصال شأفة الفقر (البرازيل) أو كانت تستجمع كل قواها في مجالات العلم والإبداع والتحول التصنيعي (الصين والهند).
لا عجب أن جاء حين من الدهر خلال عقد التسعينات ليشهد ما يقرن بين الصعود الأميركي وبين ظاهرة العولمة.. ولدرجة كان البعض يعد العولمة مرادفة للأمركة في بعض الأحيان.
المحافظون الجدد
في كل حال فقد جاءت العولمة لتبشر منذ تلك الفترة بشعار تحرير التجارة ــ الداخلية. وجاء الشعار بدوره مرادفاً أو يكاد لإجراءات إطلاق العنان لفعاليات القطاع الخاص فيما نادى نفس الشعار بتحرير التجارة الخارجية ــ الدولية مندداً بإجراءات الحمائية ومشيداً بجدوى التنافسية ومؤكداً أهمية الربط بين مبدأ «دعه يعمل» في داخل الحدود ثم مبدأ «دعه يمر» بمعنى التبادل والتفاعل التجاري الدولي دون أي عائق خارج الحدود.
لكن مع مطلع الألفية الثالثة بدأت الأمور تتغير.. وبدأ التغيير من أميركا نفسها: لقد قفزت إلى سدة السلطة في ربوعها عصبة حملت اسم «المحافظون الجدد» الذين أضفوا على السياسات الخارجية والعلاقات الدولية لواشنطن ما كانوا يصدرون عنه من مواقف الاستعلاء السلوكي ودوجما الجمود العقائدي الذي لم يتورع عن إعلان الرغبة في تغيير واقع البلدان والشعوب ولو بالقوة العسكرية إذا لزم الأمر وتحت شعارهم المعروف والمرفوض الذي لخصته عبارة «الفوضى المنظمة» أو «الفوضى.. الخلاّقة!».
ولم يكن غريباً والحال هذه أن كان في هذه المنطلقات التي جاءت بها إدارة الرئيس السابق جورج بوش ؟ الابن منذ عام 2000 ما جاء ليمثل بالتحديد تقويضاً للمكانة الأميركية مكانة القطب الواحد كما أسلفنا وفي عيون شعوب شتى كان من بينها بالذات شعوب الحلفاء في أوروبا الغربية.
الحرب على جبهتين
وكأنما لم يكتف القوم بهذا التآكل والتجريف في الدور السياسي لأميركا.. بل جاء قرارهم من واشنطن بإشعال نيران الحرب بكل مغارم المجهود الحربي في اثنتين من الجبهات في وقت واحد هما ساحتا أفغانستان والعراق.. ومن هنا فقد استجد عامل التقويض الاقتصادي ممثلًا في حالة استنزاف ظل متواصلًا لإمكانات الخزانة القومية الأميركية دون عائد إيجابي أو ملموس يُذكر، دعك مما ظل متواصلًا على مدار السنوات الثماني من حقبة بوش من تآكل في قوى واشنطن «الخشنة» (العسكرية ــ الاقتصادية) وقواها «الناعمة» (صورتها في عقول وقلوب الشعوب) على حد سواء.
ولأن ثمة اقتراناً ظل راسخاً في العقل الجمعي الدولي بين العولمة والأمركة.. فقد كان طبيعياً أن يُلقى هذا التضاؤل لمكانة أميركا السياسية وإمكاناتها الاقتصادية بظلاله الكثيفة على ظاهرة العولمة ذاتها.. من حيث ما رفعته من شعارات وما استجد عليها من تطورات وما ظلت تبشر به من إمكانات ووعود.
هكذا تحولت العولمة من صورة قطار «الاكسبريس» السريع على نحو ما صورناه في الجزء الأول من هذا المبحث.. إلى حيث أصبحت في حال من التراجع أو النكوص.. وكأنما شاءت الأقدار أن يعود القطار نكوصاً إلى الوراء.
دراسة أميركية
وهذا هو المعنى الذي قصد إليه بالضبط مفكر اقتصادي كبير في أميركا هو الأستاذ «روجر ألتمان» الذي عمل نائبا لوزير الخزانة الأميركية في حقبة كلينتون التي أشرنا إليها قرب منتصف عقد التسعينات.
كتب «روجر ألتمان» بحثه تحت العنوان التالي: العولمة في حالة تراجع.
ولم يكن صدفة أن سارع الرجل إلى إصدار هذه الدراسة على شكل مقال نشرته مجلة «الشؤون الخارجية (فورين أفيرز) بعد انقضاء سنة أو نحوها على نشوب الأزمة الاقتصادية في خريف عام ,2008. (عدد أغسطس 2009).
ومن الواضح أن المحلل الاقتصادي الأميركي كان معنياً في دراسته بأحدث ما استجد من عوامل أدت إلى تحول قطار العولمة السريع إلى ما يكاد يشبه عربة متهالكة منهكة القوى بفعل عوامل شتى منها ما أشرنا إليه خلال سنوات بوش - الابن من تهاوي المكانة وتدهور الأدوار.. ثم زاد عليها موضوعياً عامل الأزمة المالية التي اشتعلت شرارتها الأولى في دوائر الرهونات العقارية واشتقاقات الديون في وول ستريت.
من هنا كان تركيز الدراسة الأميركية المذكورة على ما وصفه كاتبها بكل تجربته الفكرية والميدانية في العبارة التالية:
النتائج الجيو سياسية الأخرى الناجمة عن الأزمة المالية.
عندما تسخر الأقدار
ثم تأتي عوامل تعد في نظر دعاة العولمة ومروجيها أقرب إلى سخريات الأقدار: فالحاصل أن دولًا مثل الصين والهند، وهي التي تضم، كما يوضح البحث الأميركي المنشور نظماً مالية محاطة بأسوار من التحصين أو الانعزال، هي التي كانت الأقل معاناة من مغبة العواقب التي ترتبت على الأزمة المالية (في مقابل دول ونظم أخذت بشعار التحرر الاقتصادي المطلق فكان أن عانت ومازالت تعاني سواء وصل بعضها إلى حافة الإفلاس في حالة أيسلندا أو ايرلندا..
أو إلى شبح الإفلاس في حالة اليونان والبرتغال.. أو إلى مواجهة شظف التقشف كما في حالة إنجلترا التي لم تعد تسلم من حركات الرفض الشعبي لإجراءاتها التقشفية أو في حالة فرنسا التي ما برح ناخبوها يتوعدون رئيسها الحالي «المسيو ساركوزي» بعدم تجديد ولايته الثانية.
على الصعيد السياسي تنشغل الدراسة الأميركية أيضاً بحقيقة التداعي الذي أصاب مكانة أميركا ؟ القطب الأعظم والأوحد سابقاً، حيث يرى الكاتب «روجر ألتمان» أن أميركا في طريقها إلى أن تنغلق على نفسها بصورة أو بأخرى كي تعالج ما أصاب اقتصادها القومي من أدواء وسلبيات، وخاصة ما يتعلق بأوضاع البطالة وانهيار مؤسسات مصرفية وتفاقم عجز الميزانية القومية.. وهو ما يؤدي في رأيه إلى تآكل أو تصّدع النموذج الأميركي الذي طالما كان لامعاً.. بل كان باهراً بعد انتصار الحرب الباردة وحرب تحرير العراق.. وتحقيق فائض بالغ السخاء لدى اختتام رئاسة بيل كلينتون.
القدرة التفاوضية
وبديهي أن حكاية النموذج ليست مجرد صورة دعائية أو حتى مكانة أدبية يحرص عليها الفرقاء في أميركا: بل الأهم هو أن مثل هذا النموذج يترجم بالطبع إلى دور قيادي. وهذا الدور يترجم بدوره إلى المزيد والمزيد من القوة التفاوضية لدى صياغة الاتفاقات السياسية وإبرام التعاقدات الاقتصادية وممارسة وقائع التصويت في محافل منظومة الأمم المتحدة ابتداء من مجلس الأمن في نيويورك إلى مجلس حقوق الإنسان في جنيف.. وكله.. كله.. يصّب بداهة في دعم وتحقيق المصالح الوطنية العليا للدولة والمصالح المادية للشعب الأميركي بالدرجة الأولى.
مع ذلك، ولأن صاحب الدراسة التي نحن بصددها خبير اقتصادي يصدر عن تجربة العمل التنفيذي نائباً لوزير الخزانة في بلاده، فلم يكن للرجل أن يكتفي بالتحليق في أجواز البرج العاجي للنظرية الاقتصادية.. بل انه يعمد إلى نوع من النقد الذاتي لسلوك الفرد والأسرة في بلاده على أرض الواقع أو في مسالك الحياة اليومية.
هو يعترف أولًا بأن ديون أميركا في حال من الزيادة المطردة ولصالح الصين على وجه الخصوص.
وهو يذهب ثانياً إلى أن في مقدمة أسباب هذه الديون ما يتصل باختلال ميزان الصادرات والواردات التجاري بين الطرفين.
وهو يفسر ثالثاً هذه المديونية من خلال ذلك الإسراف الإهداري في استهلاك عامة الناس في بلاده قائلاً في إيجاز شديد ما يلي: لقد ارتفعت المديونية لأن الأميركيين كانوا ينفقون بما يتجاوز ما يحوزونه من إمكانات.
ولأن الأزمة المالية الاقتصادية جاءت بوصفها ظاهرة سلبية غير مسبوقة منذ فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ولأنها جاءت أيضاً في ذروة الوهج الذي كانت تختال فيه ظاهرة العولمة التي طالما ربطوا بينها وبين ما حققه العالم مؤخراً من طفرات وبالذات في مجالات مجتمع المعرفة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، فقد كان طبيعياً أن تأتي الأزمة كي تشحب صورة العولمة وتؤدي إلى خفوت أصوات المهللين لها.
بعد 30 عاماً
لقد دام هذا التهليل نحو 30 عاماً، هي تلك الفاصلة بين حقبة «مارغريت تاتشر ــ رونالد ريغان» عند أواسط الثمانينات ثم إلى أواسط العقد الأول من هذا القرن الحادي والعشرين.
ثلاثون عاما كرسوا خلالها كما يقول الأستاذ «روجر ألتمان» النموذج الأنجلو ــ سكسوني في رأسمالية السوق الحرة وفي تضاؤل دور الدولة وفي رفع القيود وإلغاء الضوابط (تحت شعار التحرير الاقتصادي) وفي فتح الحدود بغير أي عوائق أمام تدفقات رأس المال الأجنبي المباشر.. وبالطبع كانت أميركا تمسك بزمام القيادة في هذه المسيرة الاقتصادية التي اندرجت في سلكها أقطار واقتصادات شتى من أوروبا الغربية إلى جنوب شرقي آسيا.
لكن ها هي الصفحة وقد طويت، وها هي أوساط دولية مختلفة تصف هذا النظام الأنجلو سكسوني بأنه فاشل، وبأنه أفضى إلى معاناة مدمرة لقطاعات مليونية من البشر في مواقع شتى من خارطة عالمنا وخاصة في قارة إفريقيا فيما تقدّر دراسة صادرة عن البنك الدولي أن عدد البشر الذين سيعاودون السقوط في هاوية الفقر ربما يصل إلى نحو 53 مليون نسمة بسبب الأزمة الاقتصادية.
دور الدولة
أخيراً.. فلا أحد يبغض أو يعارض العولمة إذا ما كانت تنطوي على مزيد من تعاون الشعوب وتضافر الجهود السياسية والاقتصادية لتحقيق الأهداف الإنمائية للألفية التي انعقد عليها الإجماع الدولي في إطار منظومة الأمم المتحدة.
ولقد جاء في مقدمة هذه الغايات الثماني هدف أساسي وهو القضاء على الفقر والسعي الجاد للوصول بحجم فقراء كوكبنا إلى النصف بحلول عام 2015. ولا أحد يرفض العولمة إذا ما عادت للتأكيد على دور الدولة في ترشيد المسيرة الاقتصادية دون المساس بكفالة حرية الإبداع والابتكار لفعاليات القطاع الخاص. وإذا كانت العولمة قد أفضت كما بسطنا الحديث في هذه السطور وما سبقها - إلى نتائج سلبية فربما جاءت الأزمة الاقتصادية لتطرح أكثر من درس مستفاد يؤكد على ضرورة تنطوي على كل ظاهرة مستجدة على صعيد عالمنا على ما يحقق مصالح البشر ويؤكد كرامة الإنسان.
الهيمنة الأميركية والاقتصاد العالمي
تزامن ازدهار دعوة العولمة مع صعود نجم الولايات المتحدة الأميركية بوصفها القطب الأوحد في تسيير أمور العالم بعد زوال الخصم السوفييتي في مطالع تسعينات القرن العشرين، وقد تعزز الدور الأميركي بالذات بعد نجاح واشنطن في قيادة التحالف الدولي والإقليمي الذي تصدى لقضية تحرير الكويت من الاحتلال العسكري الذي تسبب فيه النظام السابق في العراق. وبعدها نعمت أميركا بحالة من الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي في حقبة الرئيس الأسبق كلينتون، بيد أن سيطرة فصيل «المحافظين الجدد» على مقاليد الأمور في ولاية الرئيس بوش مع مطلع الألفية الجديدة.
وما تبع ذلك من عمليات عسكرية، في كل من أفغانستان والعراق ؟ كل ذلك أدى أولًا إلى تكبد الخزانة القومية الأميركية تكاليف باهظة فيما أدى ثانياً إلى تغييرات سلبية لحقت بصورة أميركا ومن ثم بدورها ومكانتها في عقول وقلوب شعوب العالم، بل لدى حلفاء واشنطن التقليديين أنفسهم في غربي أوروبا، وقد انعكس كله على مفاهيم وتطبيقات العولمة بكل ما انطوت عليه من دعاوى الحرية المطلقة في الأسواق وفي النشاط الرأسمالي .
ومن استبعاد دور الدولة في ترشيد وضبط الأداء الاقتصادي ومن إطلاق العنان لقوى السوق وإملاءات الشركات عبر الوطنية. ثم جاءت الأزمة المالية لتلقي بمزيد من الظلال القاتمة على صورة أميركا ومكانتها فضلًا عن إصابة الخزانة القومية الأميركية بآفة العجز الشديد لحساب الصين وهو ما أرجعته دراسة منشورة لواحد من خبراء الاقتصاد الأميركيين إلى نزعة الإسراف إلى حد الإهدار في استهلاك الأسر المعيشية الأميركية، لهذه الأسباب كلها لابد وأن تتعطل أو تتراجع مسيرة العولمة خاصة في ضوء عواقب الأزمة الاقتصادية وأن تستعيد الدولة دورها وأن يعاود الفرقاء تفعيل الضوابط واللوائح التي تنظم الاقتصاد وهو ما خلق تصورات جديدة للعولمة من حيث المفاهيم والأدوار.
وفي تحليل نشوء العولمة بوصفها ظاهرة سياسية واقتصادية شهدها عالمنا منذ عقد التسعينات الماضي على وجه الخصوص، يمكن الربط بين العولمة بوصفها عنصراً مستجداً على ساحة السياسة الدولية وبين عنصر كان مستجداً وقتها بدوره على الساحة المذكورة متمثلًا في ذلك التحول الذي طرأ على دور ومكانة الولايات المتحدة الأميركية في عالم ثنائي القطبين (أميركا وروسيا) إلى عالم أحادي القطب (َِّىٌُِفْ) وقد جسده انفراد أميركا بوصفها الدولة العظمى الوحيدة التي شاءت أقدارها أو بالأدق حظوظها السعيدة أن تتيح لها الانفراد بمقاليد الأمور على الساحة الدولية.
وربما زاد من تعزيز هذا الدور وتلك المكانة ما أحرزه الطرف الأميركي في أولى سنوات العقد التسعيني من نجاح لدى قيادة التحالف الدولي والإقليمي الذي تعامل مع قرار أصدره حكام النظام السابق في بغداد من موقع الحماقة التاريخية الفادحة بغزو واحتلال الكويت الشقيقة المجاورة حيث كان إحراز النجاح في صد هذا الغزو وتحرير البلد الخليجي الشقيق عاملًا حاسماً في تأكيد الدور القيادي لأميركا على مستوى المنطقة والعالم، فيما زاد هذا التعزيز والتأكيد بفضل ما توازى معه وقتها من زوال الاتحاد السوفييتي.
ومن ثم انفراد أميركا بموقع القطب القيادي الواحد، ولم يكن هذا الانفراد ليقتصر مثلًا على ما أصبحت تتمتع به أميركا ؟ كلينتون من رخاء ووفرة اقتصادية، بل كان من أهم عوامله أيضاً استقرار الأوضاع السياسية في الولايات المتحدة وحسن إدارة كلينتون للقضايا السياسية في الداخل والخارج وانشغال الحلفاء الأوروبيين في إطار اتفاقية الناتو الأطلسية بمشاكلهم الداخلية، فيما انشغل خصوم الأمس في أوروبا الشرقية بأنواء بل أعاصير التحولات العاصفة التي أطاحت بالنظم الشيوعية التي كانت تحكمهم كي يحل محلها نظم تأخذ بالمزيد من أسباب الديمقراطية.