الأكيد أن الاختصاصيين والمهتمين بأمر المستقبليات مازالوا يعانون ويكابدون خلال ما يمارسونه من عمليات قراءة، أو بالأدق، استشراف المستقبل، استنادا إلى ما يتوافر لديهم من حقائق وإحصاءات تشكل صيغة الحاضر الذي نعيش فيه.
ولا تكاد منطقة من مناطق عالمنا تنجو من مغبة الغيوم والسلبيات وتعقيد المشاكل التي تكتنف زوايا هذا الحاضر، لدرجة قد تفضي إلى التباس هذه المحاولات المضنية التي ما برح يبذلها المستقبليون في قراءة سفر الغد، بكل ما قد يبشر به من إيجابيات وبكل ما قد ينذر به من سلبيات.
الأزمة متفاقمة
في الغرب والشمال مازالت الأزمة المالية، ومن ثم الاقتصادية، ممسكة بخناق المؤسسات الكبرى في دول أوروبا وفي أقطار قارة أميركا الشمالية، ولاسيما الولايات المتحدة الأميركية التي يلاحَظ فيها مخططات ومحاولات الجمهوريين من الحزب المعارض من أجل تشديد النكير على إدارة ونظام أوباما الديمقراطي الحاكم ولاسيما من خلال استغلال ذلك الارتفاع الملحوظ في معدلات البطالة فضلا عن الارتفاع المخيف - كما يحذر خبراء الاقتصاد في واشنطن - في اختلال ميزان العلاقات التجارية بين أميركا والصين استيرادا وتصديرا ولصالح الطرف الآسيوي الذي ما برح يواصل صعوده المطرد في مضمار الاقتصاد الدولي. في أقطار الجنوب ترتبط الأزمة الاقتصادية بحالة الاحتقان السياسي - الاجتماعي، وتشهد بذلك الأحداث والتطورات التي استجدت مؤخرا على ساحة الوطن العربي الكبير ما بين مغربه في تونس إلى وسطه في مصر إلى مشرقه في العراق ومن ثم إلى جنوبه في أصقاع اليمن الكبير.
رغم هذا كله، فمازالت جهود المستقبليين متواصلة ودؤوبة من حيث الاستمرار في استشراف المستقبل.. وخاصة في الميادين الحيوية من النشاط الإنساني.. وفي مقدمتها المحاور الخمسة الأخيرة التي نعرض لها في هذه الحلقة من مبحث صورة العالم خلال سنوات العقد المستجد، الذي استهل سنواته العشر مع بداية شهر يناير 2011.
وفي هذا الجزء الثاني والأخير من هذا المبحث- نعرض للمحاور الخمسة التالية:
الغذاء والزراعة
أولاً: في مجال الأغذية والزراعة: يتوقع المستقبليون استمرار الدوائر المختصة بطعام البشر في عالمنا في ممارسة عمليات الهندسة الوراثية بالنسبة للمحاصيل التي يهتم بها اختصاصيو الصحة والتغذية.. على أن استمرار التعديل في جينات المحاصيل لم يعد مقتصرا على تعظيم الغلات ومقادير الحصاد.. بقدر ما أصبح لازما من أجل التكيف مع تغيرات وأحياناً بدورات وتقلصات المناخ التي باتت تنتاب كوكب الأرض وأجواءه.
أكثر من هذا.. هناك من أنصار البيئة من يرحبون على نحو أو آخر بهذه التعديلات في جينات المحاصيل، وخاصة ما يتيح منها تخفيض انبعاثات الكربون الضارة بصحة الأحياء على سطح كوكبنا.. وفي هذا السياق.. من المتوقع أن يتسع نطاق الدعوة إلى استزراع أسطح البنايات ومساحات الحدائق الخاصة الملتحقة بالمساكن للحصول على جزء مفيد من الإنتاج المحصولي من جهة ولتغيير المحيط المناخي لمدن العالم ومستوطناته البشرية من جهة أخرى.
في نفس السياق.. لا يفتأ اختصاصيو الزراعة والأغذية يحذرون من أن العالم مقبل في فترات وشيكة، ربما تبدأ في عامنا المستجد الحالي، على حقبة جديدة من «اللاأمن الغذائي» وهو أمر لابد وأن ينبه إلى ضرورات تعظيم الإنتاج فيما يحرص على تعديل أنماط وأساليب التغذية كي تجمع، كما هو مأمول، بين الجدوى الصحية وبين التقشف الاقتصادي.
المدن الذكية
- ثانيا: في مجال السكن وأساليب المعيشة: يعيش في عالمنا حاليا 7,8 مليارات إنسان ويستخدمون 800 مليون سيارة تدار بالبنزين.. ويتطلع الاختصاصيون للتوصل إلى استخدام السيارات الكهربائية مع حلول عام 2020 حيث ينكمش حجم العربة وتقل انبعاثاتها وربما.. مجرد ربما، تصبح حركة المرور أقل تكدسا وأخف صداعا وأكثر انسيابا وهو ما قد ينعكس إيجابا على أنماط الحياة في المدن والحواضر في طول العالم وعرضه.
في السياق نفسه، يتطلع المستقبليون إلى ما أصبح يدعي باسم «المدن الذكية» وهي التي يتسع فيها استخدام الحواسيب وأجهزة الاستشعار الإلكترونية من أجل التخلص من سحابات الغبار والتصرف في النفايات وتشغيل شبكات الصرف الصحي.. هذا فضلا عن استثمار ما توصلت إليه مثلا جامعة «كارديف» البريطانية من تصميم بناء حوائط وجدران ذكية تمتص الضجة والأصوات العالية بما يزيد من معدلات الصمت أو الهدوء أو السكينة على الأماكن المطلوب أن يتحاور البشر في داخلها.. ما بين البيت إلى المكتب وما بين النادي إلى المقهى.
الصحة والدواء
- ثالثاً: الصحة والدواء: مع انتشار وتطوير أجهزة التواصل المرئية - السمعية.. وخاصة أجيال الآي باد والآي فون وسائر أفراد هذه العائلة الإلكترونية الذكية يبشر المستقبليون بإمكانية الوصل بين جهازك الخاص وبين طبيبك.. الخاص أيضا، بحيث يتسنى للطبيب أو مساعديه أن يرصدها مثلا ضربات قلب المريض أو معدلات نبضه وتلك أمور قد تكون ضرورية للتعامل مع بعض الإصابات الطارئة.
في نفس الميدان ثمة من يبشر أيضاً بحدوث انخفاض معقول في أسعار الأدوية وخاصة مع اشتداد ساعد البحوث العلمية في مجال ما أصبح يعرف باسم «البيولوجيا التخليقية» التي تقوم على أساس تكنولوجيا الهندسة الوراثية وتستهدف تطوير أصناف الأدوية بحيث تتعدد أنماطها وتنخفض أسعارها فيما ينتج عنها نفس الأثر العلاجي المطلوب. وبالنسبة لتنشئة الأطفال.. من المتوقع، بقدر ما أنه من المطلوب، أن تضم مدينة المستقبل أو قرية المستقبل مساحات أوسع لملاعب الأطفال.. وبما يكفل مزيدا من حركة هذا الجيل الناشئ الذي أصبح الاختصاصيون يحذرون من إصابته بآفة البدانة التي تهدد صحة الطفل الجسمية والنفسية على السواء.
تكنولوجيا الاتصالات
- رابعاً: مجتمع المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات: وداعا للكلمة المكتوبة - العبارة المخطوطة في عام 2050(!) هكذا يتوقع المستقبليون. ولسنا ندري أهم يسوقون هذا التوقع تحذيرا أو تعزية.. أم.. تشفيا- المهم أن هذا التوقع يذهب إلى أن العالم ما برح منساقا.. بل سادرا، في التوسع باستخدام شبكة الإنترنت وبريدها الإلكتروني والفيديو الشبكي وألعاب ونصوص وحوارات الحاسوب (تشاتنغ) فضلا عن تسلل، ومن ثم تسيّد الفيس بوك والتويتر في حياة الناس و.. البقية تأتي.
في هذا السياق، يقول البروفيسور «ويليام كروسمان» وهو في طليعة علماء المستقبليات إن هذه التطورات من شأنها أن تقود البشر بعيدا عن القراءة التقليدية أو المطالعة التي تعودنا عليها، على نحو ما يحدث في هذه اللحظة من قراءة ما نخطه وننشره هنا من كلمات وعبارات تعبر يقينا عن سوانح وأفكار. وكل هذا- كما يقول واحد من أهم الكتب الصادرة في هذا المجال - كفيل بأن يدفع الأجيال الناشئة إلى التخلي عن الأساليب التقليدية للحصول على المعارف والمعلومات بما في ذلك تكنولوجيا الكلمة المكتوبة والعبارة المطبوعة.
تحذيرات المستقبل
وبالمناسبة: الكتاب الذي نشير إليه يحمل عنوانا له دلالته الخاصة إذ يقول:
- تباشير عصر ما بعد القراءة والكتابة.
- هل مطلوب منا إذن أن نحتفل بهذا التطور.. مشيدين مثلا بعبقرية الحاسوب وفعالية التويتر وسائر سلالات العصر الرقمي الموشك على أن يهيمن على حياتنا؟
- الجواب هو بالنفي.. لماذا؟
لأن من علماء المستقبليات أيضاً من يحذر من جانب آخر من مغبّة هذا الاغراق، إلى حد الإسراف بل الغلو والمبالغة في استخدام هذه الأدوات الفعالة والجذابة أيضا، لأن هذا الاسراف في استخدامات التشبيك الإلكتروني كفيلة بأن يلحق آفات بنفس الجيل الذي نتصور بداهة أنه محظوظ بفضل تلك المكتشفات الناجمة - كما هو معروف - عن ثورة التكنولوجيا التي ما برحت تطرح ثمارها منذ النصف الثاني من القرن العشرين.
هذا الخطر على عقولنا
ولقد أمعن القوم في الاعتماد على خدمات مواقع المعلومات التي أتاحتها مؤسسة «جوجل» الشهيرة ولدرجة أن دخل معاجم الإنجليزية لفظ «الجوْجلة» أي على هذه الحالة حيث يعد بداهة قرينا لأشقائه من قبيل الحوْسبة مثلا.
في هذا السياق بالذات يضيف الأستاذ «نيكولاس كار» قائلاً: فيما قد نتعود باستمرار - وفي إطار من الرضا والارتياح - على التماس المعونة من «جوجل»، للحصول على خبر هنا أو معلومة هناك، وهو أمر أصبح متيسرا إلى حد ليس بالقليل، فإن الخطر هنا يتمثل في تقليص قدرتنا على أن نفكر.. أن نتأمل.. أن نقارن ونُناظر وأن نحلل محتوى ما نلتمسه وجوهر ما قد نحصل عليه من أفكار وآراء ومعارف ومعلومات.
والخلاصة يحذر الأستاذ «كار» قائلاً بالحرف: كلما أوغلنا في استخدام الشبكة العنكبوتية، فكأننا ندرب أدمغتنا على أن تصبح أكثر تشتتا! وانصرافا.
الشباب والمستقبل
- خامساً : عن القيم والمهن وأساليب الحياة: ثمة توّقع غريب يراود أهل المستقبليات ويشير ـــ في الغرب وأميركا بالذات ـــ إلى ما قد يتعرض له خطاب العقيدة الدينية من انتقادات.. ولدرجة يشتد معها ـــ كما يتوقعون ـــ ساعد الملحدين أو اللاأدريين. وربما يرجع هذا إلى ما سوف تمارسه به التكنولوجيات المادية من هيمنة في حياة الناس.
وبعيدا عن هذه التصورات المرتبطة بالعقائد، فمن أهل الاستشراف المستقبلي من يهبط إلى أرض الواقع حيث يتوقع حربا تدور بين الدول على سبل تصريف النفايات (طرق التخلص من «الزبالة» إذا ما وضعنا الأمر على بلاطة كما يقول المثل العامي المتواتر).. ومنهم من يتوقع أيضاً ارتفاع حجم الشباب بين سكان عالمنا بحيث يصل عدد شباب العالم إلى 3,5 مليارات نسمة في عام 2020 من واقع 3 بلايين شاب في الوقت الحالي، بكل ما يقتضيه ذلك من أساليب متجددة ومناهج مبتكرة للتعامل مع هذه الظاهرة بكل ما تنطوي عليه من تحديات.
- أخيراً.. تكاد توقعات المستقبلين تنحاز، على نحو أو آخر، لصالح الشرق الآسيوي على حساب الغرب الأورو- أميركي.
ومن هنا جاز لمجلة الجمعية العالمية للمستقبل أن تنهي تنبؤاتها أو إسقاطاتها تحت عنوان بارز تقول فيه (عدد ديسمبر 2010):
- إن ميزان القوى الاقتصادية يتحول حاليا من الغرب إلى الشرق.
وفي معرض التلخيص تضيف مجلة «ذي فيوتشرست» ما يلي:
- إن آسيا تعيد الآن رسم خارطة التقدم (في العالم).
موازين القوى تتجه شرقاً
في هذا الجزء الثاني المتمم للبحث بشأن استشراف صورة العالم من جوانب وزوايا شتى خلال سنوات العقد الجديد الذي استهل أيامه مع حلول يناير 2011، نواصل الإحالة إلى الدراسة الاستشرافية التي عرضت لها المجلة الناطقة باسم «الجمعية العالمية للمستقبل»، وخاصة عبر محاور أساسية تهم سكان عالمنا جميعا وهي، محاور: الأغذية والزراعة المتوقع أن تشهد المزيد من تدخلات الهندسة الوراثية من أجل تحوير المحاصيل بما يجعلها تتكيف مع تغيرات المناخ الكوكبي، إضافة إلى المحور الذي يتنبأ بالتغير في معمار مدن المستقبل القريب وصولا أو طموحا إلى ما أصبح يعرف باسم «المدينة ـــ أو المستوطنة الذكية» التي تتيح جدرانها امتصاص الضجة ومن ثم صفاء الحوار والتواصل بين سكانها، وبعدها يأتي التنبؤ بالتوسع في استخدام السبل الإلكترونية في مجالات التشخيص والعلاج، فضلا عن سيادة أساليب مجتمع المعلومات والتواصل الإلكتروني بكل محاذيره التي يتمثل أهمها، أو أخطرها، في تضاؤل مَلَكة التفكير التحليلي عند البشر بسبب إفراط اعتمادهم على استقاء المعلومات من الحاسوب أو الموقع الشبكي.. وأخيراً نعرض للنبوءة السياسية التي تفيد بأن ميزان القوة الاقتصادية مع انقضاء سنوات العقد الجديد من شأنه أن يتحول لصالح الشرق (الآسيوي) وعلى حساب الغرب في أوروبا وأميركا على السواء.
على ما يبدو أنه الآن بات شبه اتفاق على أن مسرح السياسة الدولية وموازين القوى ينتقل من الغرب إلى الشرق، وأن القارة الآسيوية ستكون في المستقبل القريب هي القارة الأم التي توجه السياسة العالمية وتحرك الأحداث على الساحة الدولية، خاصة وأن القوى الكبيرة في هذه القارة كثيرة ومتعددة ويتوسطهما ثلاث قوى هامة، إحداهما قوة اقتصادية عملاقة وهي اليابان، والثانية عملاق اقتصادي وعسكري في الوقت نفسه وهو الصين، والثالثة قوة وريثة للقوة السوفيتية العظمى بطموحاتها واستراتيجياتها وهي روسيا.
وقد دخلت آسيا مرحلة التغييرات السريعة. ويعود ذلك بشكل أساسي إلى تنامي النفوذ الصيني الذي خرج عن نطاق السياسة الإقليمية وأصبحت الصين بذلك لاعبا مؤثرا على الساحة الدولية. كان السياسي الصيني دينغ سياو بينغ يوصي بأن تبقى الصين على مدى سنوات، بل عقود لاعبا غير ملحوظ لا يلفت الأنظار. وعلى الصعيد الرسمي لا يزال هذا التوجه قائما، إذ إن المسؤولين الصينيين كثيرا ما يتحدثون عن بلادهم باعتبارها قوة نامية تحتاج إلى سنوات عديدة لحل مشاكلها الداخلية، وينفون تماما أي تطلعات عالمية. حتى إذا كان ذلك حقيقة، فإن النوايا لم تعد لها أهمية على خلفية النفوذ الذي قد حققته الصين. تعد الصين أكبر بلد في العالم من حيث عدد السكان، ويفوق معدل النمو الاقتصادي 10٪ سنويا، وتبلغ احتياطاتها من الذهب والعملات الصعبة تريليوني دولار، كما أن لها استثمارات في كل أنحاء العالم ونفقاتها العسكرية في ازدياد مستمر. إن كل هذه الوقائع في حد ذاتها ستغير المنظومة الدولية بأكملها. ولم تعد لدى الصين فرصة للاختباء وراء أحد، إذ إن الاتحاد السوفييتي لم يعد موجودا منذ تفككه، واقتربت الصين من الولايات المتحدة من حيث بعض المعايير. يعني ذلك أن الاهتمام ببكين سيكون في ازدياد مستمر، في الوقت الذي يتحول فيه القطب السياسي للعالم إلى منطقة «آسيا- المحيط الهادئ». إذن قيمة الرهان في اللعبة الآسيوية في ازدياد.
وكانت اليابان في الثمانينات من القرن الماضي تعتبر قوة اقتصادية كبرى ستبدأ بتحويل إمكانياتها الاقتصادية إلى نفوذ سياسي. ولكن ذلك لم يحدث نظرا لفترة التراجع التي تعيشها البلاد منذ بداية التسعينات. كان يبدو أن التغييرات في العالم تمنح طوكيو فرصة لتحقيق الاستقلالية السياسية بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وانشغال الولايات المتحدة بعملية إعادة بناء مناطق أخرى من العالم. ولكن طوكيو لم تتمكن من التأقلم في الوضع الجديد.