كان بديهيا أن يلجأ المجتمع العالمي إلى عقد سلسلة مهمة من الاجتماعات والمؤتمرات طالما عرضنا لفعالياتها وما أفضت إليه من نتائج تم إدراجها ضمن أجندات وبنود عمل، سواء على المستوى القطري أو الإقليمي أو العالمي، وأن تقوم على أمر هذه المؤتمرات وتفعيل هذه الأجندات أركان منظومة الأمم المتحدة.. ابتداء من مؤتمر البيئة والتنمية في الحاضرة البرازيلية، ريو دي جانيرو في مقتبل عقد التسعينات، إلى أحدث هذه المناسبات الدولية وهو المؤتمر الذي جاء انعقاده في المنتجع المكسيكي كانكون في شهر نوفمبر الماضي، وما بينهما من صكوك دولية كان في مقدمتها مثلا اتفاق مونتريال وبروتوكول كيوتو بشأن تغيّر المناخ، إضافة إلى فعاليات عالمية كان آخرها قمة كوبنهاجن عاصمة الدنمارك. رغم هذا كله فقد تسامع الناس في الأسابيع القليلة الأخيرة من عام 2010 بمن يقول في نبرة تجمع بين دهشة التساؤل.. وسخرية المفارقة ومشاعر الحيرة التي ساورت أوساطا شتى من عالمنا.. وربما عبرت عن هذا الخليط المستجد والغريب من التصورات.. جريدة «النيويورك تايمز» الأميركية التي نشرت في ملحقها السياسي الأسبوعي (عدد 26/12/2010) مقالة مهمة تحت العنوان التالي الذي لا يخلو من طرافة وهو: تدثرْ بالملابس الدافئة.. من أجل مواجهة ظاهرة تساخن المناخ العالمي!
بين الحرارة والبرودة
والمعنى بالطبع يدور حول السبيل الذي يتيح الملاءمة أو التوفيق بين مقولات التحذير من ارتفاع درجة الحرارة الكوكبية على نحو ما أسلفنا، وهو ناجم بدوره عما يوصف في الأدبيات العالمية بأنه «الاحتباس الحراري» أو «ظاهرة الدفيئة»، وبين ما شهده وعاناه العالم في الشرق وفي الغرب من موجات الصقيع والبرد والعواصف الجليدية، لدرجة أن ظلت أوروبا أسيرة أو سجينة محبس ثلجي أصاب ميادين العمل وسبل النقل على اختلافها بل وأساليب الحياة بعامة بأخطر آفات الشلل على مدار أيام وأيام.. وبعدها انتقلت العواصف الجليدية بكل ما أسفرت عنه من تراكم الثلوج وبكميات بلغت من حيث السماكة عدة أقدام من الجليد وهو ما لا نزال نعانيه خلال إقامتنا الراهنة في ربوع الساحل الشمالي الشرقي بالولايات المتحدة.
تستهل «التايمز» مقالها الذي أشرنا إليه بسطور تقول:
كوكب الأرض لا يزال معرضا لارتفاع درجة الحرارة، ولكن سطحه يعاني في الوقت نفسه من درجة مطردة من البرودة.
وفي معرض التفصيل توضح الجريدة الأميركية أن مسألة البرودة لم تأت هذا العام بشكل يقتصر على ما اعتاد عليه الناس من أهل الشمال الأوروبي ـــ الأميركي بالذات من قسوة الزمهرير بما قد يؤدي إلى تجمد الأسطح المائية (طفُّمْ ُلىمَّ) من أنهار أو بحيرات، ولكن أمر هذه الدرجات الممعنة في برودتها أسفر عن أوضاع بالغة الخطورة. والأمثلة على ذلك عديدة:
** في بولندا ـــ شرق أوروبا انخفضت درجة الحرارة، أو بالأدق درجة البرودة وبشكل مستمر عبر أسابيع وكان أن راح ضحيتها 66 إنسانا.. وفي مدينة مينا بوليس الأميركية وصلت درجة البرودة إلى الحد الذي تداعت معه أركان أكبر المباني التاريخية في المدينة، هذا فضلا عن إغلاق معظم المطارات الأوروبية ومحاصرة آلاف المسافرين الذين كانوا ينشدون قضاء أيام عطلات الأعياد مع ذويهم ـــ ما بين لندن إلى باريس إلى فرانكفورت.
توقيت .. كوميدي!
ولقد كان بالإمكان أن تواجه هذه الظواهر الثلجية القارسة بما تستحقه من استعدادات أو تحذيرات لولا أنها شهدت ما وصفته التايمز بأنه «توقيت كوميدي بكل معنى» متمثلاً في صدور تقرير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية وهي إحدى الوكالات المتخصصة والرصينة ضمن أسرة الأمم المتحدة حاويا سطورا تقول من ناحيتها بما يلي:
ـــ ربما يكون عام 2010 واحداً من «أسخن» ثلاثة أعوام تم تسجيلها منذ نشوء علم الأرصاد الحديث. وربما تكون السنوات العشر الفاصلة بين عامي 2001 و 2010 هي أشد العقود الزمنية سخونة على مر التاريخ.
وهنا تتساءل الصحيفة الأميركية قائلة:
ـــ فكيف نوفّق بين هذين الجانبين: جانب «أسخن» الأعوام على نحو ما يؤكد تقرير الرصد العالمي، وجانب «أبرد» الفترات تلك التي ودع بها عام 2010 روزنامة العالم الراهن.
من هنا تحاول المقالة التي نشير إليها أن تفسر هذه الظاهرة التي تبدو متناقضة للوهلة الأولى. إنها توضح أن سبب هذه الموجات من الصقيع الثلجي القارس كما نسميه إنما يرجع لما يحدث في سيبريا، المنطقة المغطاة بالثلوج في شمالي روسيا.. المتاخم للمحيط المتجمد الشمالي من كوكب الأرض.
ومع ارتفاع حرارة الأرض ـــ وهي ظاهرة مناخية حقيقية بغير مراء، وبالتالي مع ذوبان وانصهار ثلوج البحر القطبي على نحو ما شهده ربع القرن الأخير، زادت كميات الصقيع ومعها زادت بالطبع مساحة الغطاء الجليدي الذي ظلت تشهده سيبريا باطراد على مدار تلك السنوات الأخيرة الخامسة والعشرين.. هذا الغطاء الثلجي اللامع يعكس أشعة الشمس ـــ كما يضيف مقال التايمز ـــ بحيث ترتد هذه الأشعة الشمسية إلى الفضاء الخارجي.. وهو ما يفضي بدوره إلى انخفاض درجة الحرارة.. وبهذا تشكل «قبة» واسعة النطاق وشديدة البرودة على صعيد سيبريا لا تلبث أن تنتشر أفقيا إلى الجزء الشمالي من الكرة الأرضية.. فيما تواصل الانتشار رأسيا صاعدة إلى طبقات الغلاف الجوي المحيط بكوكبنا، ومنها نزولا إلى سطح الكوكب المهيض، وبعدها تندفع موجات الهواء القارص البرودة من مناطق الشمال إلى مناطق الجنوب.. من سيبريا في شمال أوروبا إلى شرق آسيا وإلى غرب ثم جنوب أوروبا، ومن مناطق جرينلاند وألاسكا القطبية جنوبا إلى سائر أنحاء الولايات المتحدة، حيث فصول الشتاء أصبحت أشد قسوة وأبرد زمهريرا، وحيث تحار المراصد والتحليلات في تبرير أسباب هذه الظواهر بكل عواصفها وأعاصيرها وكُتلها الجليدية المتراكمة فيما تتجاهل ما يحدث بالذات في مناطق التندرا، بادية الجليد كما يمكن أن نسميها، في سيبريا بالشمال الروسي. وتصل سطور النيويورك تايمز إلى غايتها حين تختتم تحليلها بعبارات تقول فيها:
- في الأيام الأخيرة من عام 2010، طلبت الحكومة البريطانية من كبير مستشاريها العلميين تفسيرا لهذه الموجة غير المسبوقة من ظاهرة الشتاء الجليدي. ونحن من جانبنا نشير على المستشار الإنجليزي بأن يوجه نظره ناحية الشرق، حيث تقع سيبريا.. صحيح أن المسألة جليد في جليد، لكن الحقيقة هي أننا نتجمد لا برغم ظاهرة تغير المناخ واحترار الكوكب، بل نتجمد بسبب هذه الظاهرة نفسها على وجه التحديد.
قالت الإيكونومست
وبمناسبة التماس الحكومة البريطانية تفسيرا من أكبر خبير بريطاني.. تحرص مجلة «الإيكونومست» البريطانية على عرض الإيجابيات التي أسفر عنها اجتماع «كانكون»، وهو المؤتمر الذي اتهمته دوائر شتى في عالمنا بأنه لم يسفر عن أي نتائج يُعتد بها فيما يتعلق باتخاذ إجراءات فعالة وتدابير ناجزة لمواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري التي ألمحنا إليها، وهي التي تسببها الانبعاثات المنتشرة من غازات أكاسيد الكربون بكل خطورتها المعروفة على مجالي حياة البشر والحيوان والنبات.
في هذا المجال.. فالمقارنة معقودة بين مؤتمر قمة عقده في كوبنهاجن عدد أكبر من رؤساء الدول والحكومات وحرص على المشاركة فيه شخصيا الرئيس الأميركي أوباما في إشارة مفهومة إلى أن سياساته في المجال الإيكولووجي ـــ وخاصة ما يتعلق منها بقضية تغير المناخ ـــ ستكون على خلاف سلفه الرئيس بوش ـــ إلا أن نتائج كوبنهاجن لم تكن على المستوى المطلوب، ولا سيما من حيث الالتزام المالي من جانب أكبر الدول القادرة في عالمنا ومعظمها دول الشمال المتقدمة النمو.. فضلاً عن الالتزام الإجرائي من جانب أكبر الدول المسببة لآفة تلوث البيئة الكوكبية وهي بداهة كبرى الدول الصناعية في عالمنا وفي مقدمتها، كما هو معروف كل من الصين والولايات المتحدة الأمريكية.
صحيح أن انعقاد مؤتمر كانكون المكسيكي جاء عند مستوى أقل من نظيره أو سَلَفه الدنماركي، حيث ضم عددا من الوزراء الاختصاصيين في الشأن البيئي، إضافة إلى عدد من الدبلوماسيين والعلماء وممثلي الدول العاملين في نفس المضمار، لكن كانكون «أسفر عمليا عن اعتماد 001 مليار دولار سنويا لصالح الدول النامية بحلول عام 2020 تحت بند المساعدة المناخية، إضافة إلى إنشاء صندوق مالي لشئون المناخ.
وصحيح أن التفاصيل ما زالت غامضة كما تعترف «الإيكونومست» إلا أن الأمر يشكل تقدما ملموسا وإن كان يقتضي المتابعة الواعية من جانب المنظومة الدولية من أجل ترجمته إلى برامج عمل فعالة مع التأكيد على أهمية صرف ما تم إعلانه من مساهمات.
أوامر.. كيوتو
أما جانب الالتزامات الإجرائية بخفض الانبعاثات فهو خاضع لبنود بروتوكول كيوتو الذي سبق إصداره ملحقا باتفاقية الأمم المتحدة بشأن تغيّر المناخ. وهذه الالتزامات تفرض على الدول الصناعية (وهي بالمصادفة غنية بشكل عام) تخفيض مقدار الانبعاثات الناجمة عن أنشطتها الصناعية بدورها، دعك من تأكيد أن الالتزامات الحالية التي يفرضها بروتوكول كيوتو من المقرر أن ينتهي أجلها في عام 2012 المقبل، وهي فترة تراها الأطراف المعنية من الاختصار لدرجة قد يقصر أمدها عن اتخاذ ما يلزم من إجراءات.
في كل حال فالأوساط الأميركية بدأ يساورها القلق مع مطلع العام الجديد: لقد ظل الأميركيون يرددون من خلال ميديا الدعاية العملاقة التي يملكونها أن أكبر طرف يلوث بيئة العالم يحمل اسما واحدا هو: الصين، وبعدها قد تأتي أميركا تالية في هذا الترتيب. لكن القوم بانتظار كتاب يصدر في الفترة القريبة القادمة ليحمل العنوان التالي: «مشكلة أميركا المناخية.. السبيل إلى الأمام».
والمحلل الاقتصادي الذي تولى تأليف الكتاب ـــ «روبرت روبيتو» يعمل زميلا باحثا في إحدى المؤسسات الكبرى المعنية بالقضايا الدولية. وقد عمد، في رأي منشور، إلى تفنيد مقولة أن الصين هي المتهم الأول أو الرئيسي في قضية إطلاق كميات ضخمة من الانبعاثات الكربونية إلى الغلاف الجوي المحيط بكوكب الأرض. وأوضح المحلل الأميركي أن الصين اتخذت بالفعل إجراءات أكثر حزما وأشد صرامة للحد من تلك الانبعاثات بأكثر مما فعلته أميركا.. وقد ضمت هذه الإجراءات شروطا شديدة الصرامة بالنسبة لمعايير عوادم المركبات، واشتراط حد أدنى على الصعيد القومي لنسبة الكهرباء المولدة من مصادر الطاقة المتجددة (غير البترولية) وطرْح سعر مضمون (تشجيعي كما نتصور) لهذا الحد الأدنى واتخاذ ترتيبات تقضي بإغلاق المحطات العملاقة لتوليد الطاقة باستخدام الفحم الذي يعد أخطر مصدر للانبعاثات الكربونية بحيث يواكبها تدابير لتشجيع مصادر الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
أخيراً.. وفي نوبة مصارحة علمية ومكاشفة موضوعية يصل الاقتصاديّ الأميركي روبرت روبيتو إلى خلاصة يقول فيها:
- وهكذا.. فلم تعد الصين هي القضية الرئيسية بوجه التعاون الدولي من أجل استقرار حالة المناخ في العالم.. بل العقبة هي عدم إقدام هذا البلد (أميركا) على سن تشريعات قومية لمعالجة قضية المناخ.
العالم الساخن بين القطبين الباردين
من المفارقات التي قد تصيب المهتمين بقضايا تغير المناخ والأحوال البيئية في كوكب الأرض، سواء كانوا من الأفراد العاديين أو كانوا من العلماء الاختصاصيين ـــ ما يتمثل في ذلك التناقض الحاصل ما بين الدعوات المتواترة والتحذيرات المتكررة خلال السنوات الأخيرة إزاء ارتفاع درجة حرارة الكوكب وانهيار الجبال والكتل الجليدية في مناطق القطبين الشمالي والجنوبي، بكل ما يؤدي إليه ذلك من أخطار على البيئة والبشر، وبين ما شهده، ويشهده العالم، في فصل الشتاء الحالي من موجات، غير مسبوقة في معظمها، تتمثل في هبوب العواصف القارصة وتراكم الكتل الجليدية في معظم مناطق وعواصم الشمال ما بين بولندا في شرق أوروبا إلى لندن وفرانكفورت في غربها، إلى مناطق الشمال الشرقي المطل على المحيط الأطلسي من الولايات المتحدة، حيث أدت ظواهر الشتاء الثلجي إلى تعطيل حركة النقل وتكدس المسافرين في المطارات بعد أن حوصروا وتقطعت بهم سبل الوصول إلى مقاصدهم، وخاصة في موسم الأعياد الموافق نهاية عام 2010. وفي هذا المضمار يخلص تحليل منشور إلى أن السبب يرجع إلى نشوء قُبة جليدية تنبعث تياراتها الباردة من منطقة سيبريا في شمال روسيا أفقيا ورأسيا إلى جهة الجنوب والغرب لتسبب ظاهرة البرودة القارصة في الشتاء الحالي، وهو ما يستوجب مزيدا من الاهتمام العالمي مجسدا في سلسلة المؤتمرات الدولية التي يتمثل واجبها في بحث ومواجهة مثل هذه الظواهر المناخ الكوكبي وآخرها مؤتمر كانكون المعقود مؤخرا في المكسيك.
في التراث الكلاسيكي الغربي يقولون: ان الطبيعة هي أمّنا، ولكن هذه الأم قلما تبوح لأحد بأسرارها. وكم درج الناس على أن يتعاملوا مع مثل هذه الأقوال بمنطق الطرافة وقد يصرفون النظر عنها في بعض الأحيان باعتبارها من ميراث الزمن المنقضي أو حتى من أقوال العوام من الناس الذين لا يتساوون بداهة مع ما يذهب إليه صفوة العلماء ونخبة الاختصاصيين. مع هذا كله فقد جاء الهزيع الأخير من عام 2010 المنقضي لتوّه لكي يؤكد من جديد هذا القول، البسيط إلى حد السذاجة بأن الطبيعة هي مستودع سر الخلق وعبقرية الخالق سبحانه وتعالى ـــ ومهما اجتهد الكائن البشري سيظل هذا الكون الفسيح حافلا بالأسرار أو حتى بالألغاز.
من هنا يسود الأوساط العلمية والفكرية والإعلامية في الغرب الأوروبي ـــ الأميركي تيار يتمحور حول تساؤل يبدو عفويا ولكنه يمس جوهر الظواهر المُعاشة في كل حال. والتساؤل يقول ببساطة ما يلي: لقد أسهب العلماء واجتهد الاختصاصيون في مجال التحذير من التغيرات ـــ السلبية في تصورهم ـــ التي تعتري حالة المناخ فوق سطح الأرض، وعمدوا ـــ وهو واجبهم بالطبع ـــ إلى استشراف النتائج التي يمكن أن تترتب بالذات على زيادة درجة حرارة الكوكب ـــ بكل ما قد تنطوي عليه هذه العقابيل من ارتفاع منسوب سطح البحر وذوبان أو انصهار الكتل الجليدية على مشارف القطبين الشمالي والجنوبي (القارة المتجمدة الجنوبية ـــ أنتاركتيكا).
وما كان من سبيل إلى تجاهل هذه الظواهر المرصودة وما قد يترتب عليها من غرق عدد من دلتاوات الأنهار وما يحف بها من أراض واطئة، فما بالك بخطر أن يتعرض للإغراق إلى قاع المحيط عدد من الدول الجزرية بكل ما تحفل به من شعوب ومرافق ومنشآت جاهدت من أجل إنشائها وتشييدها أجيال من بعد أجيال.