لقد ارتأت الجمعية العالمية المعنية بالمستقبل أن تبسط وترسم صورة المستقبل ؟ القريب نسبيا عبر 10 مجالات أساسية من النشاط والكسب البشري.. نحاول أن نعرض لها بما قد يسع من التوضيح والتبسيط في هذا الجزء وفي الجزء الذي يليه من معالجة هذا الموضوع الذي نراه مهما، لا لمجرد استشراف الآتي، ولكن أيضا من أجل تنوير البصيرة الفردية والجمعية في أقطارنا ولتعزيز الوعي العربي بما يدور من حولنا من تيارات واتجاهات في جنبات هذا العالم.
مجالات رئيسية
ويجدر القول ان هذه العملية من الاستشراف ؟ العلمي، كما قد نسميها، تغطي المجالات الرئيسية التالية:
الاقتصاد والأعمال التجارية - دنيا الحاسوب الالكتروني - التربية والتعليم - الطاقة - البيئة - الأغذية والزراعة - الصحة والدواء - مجتمع المعلومات - العلم والتكنولوجيا - القِيَم والمهن. تطور القيم والاتجاهات والمؤشرات العامة على مستوى العالم.
وفيما يلي نعرض لأهم التيارات المستقبلية المتوقع أن تضطرم وتتجلى خلال سنوات العقد الزمني الذي بدأ مع مطالع عامنا الحالي.
أولا- الاقتصاد والتجارة: تظل الشركات والمؤسسات الكبرى في أميركا والعالم يحدوها التفاؤل بشأن أحوال السوق في الصين خلال السنوات الخمس المقبلة وخاصة ما يتعلق بزيادة الطلب بين صفوف المستهلكين في ذلك البلد الآسيوي الصاعد باستمرار.
النانو تكنولوجيا
في نفس المضمار يحمل المستقبل القريب وعودا بالنسبة للصناعات المستجدة، بمعنى المبتكرة وغير التقليدية.. ومن أمثلة ذلك صناعات وخدمات النانو تكنولوجيا ؟ أو تكنولوجيا الصُغريات المتناهية. ومن الأمثلة أيضا صناعات توليد الطاقة من مصادر غير تقليدية ومصادر متجددة وغير قابلة للاستنفاد أو النضوب وفي مقدمتها بداهة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.. وهناك أيضا نظم توفير المياه من مصادر غير تقليدية مثل محطات تحلية مياه البحار.. هذا فضلا عن ازدهار قطاعات السياحة وأنشطة إصلاح البيئات الطبيعية التي سبق ودمرتها أخطاء الإنسان بكل ما تعد به هذه المجالات المستجدة من فرص عمل ومهارات وتخصصات مبتكرة وغير مسبوقة.
ثانيا- دنيا الحاسوب: تشهد الفترة المقبلة أجيالا جديدة وغير مسبوقة من كائنات الذكاء الاصطناعي المحاكية للإنسان وهي كائنات «الروبوت» بفضل ما يمكن التوصل إليه في مجال السيطرة الواعية على حركة الروبوت من خلال تطوير العقل الالكتروني المرَّكب في داخل هذا الكائن العجيب.
في نفس المجال يتوقعون تطوير استخدامات شبكة الانترنت بما يتيح لك أن تمضي وقتا أقصر أمام شاشة الحاسوب وأن تبذل جهدا أقل وأيسر للحصول على ما تلتمسه من بيانات ومعلومات.. فما بالك عندما يتوصل العلماء ـ كما هو مرتَقب ـ إلى جهاز حاسوبي بالغ الدقة شديد الرهافة بحيث يتسنى تركيبه باللصق مثلا فوق راحة اليد لزوم تيسير الاستخدام(!).
وفيما شهدت قرون سبقت تطوير آلات الحرب والدمار من البارود إلى المدفع ومن الدبابة إلى القنابل.. فمن المنتظر تطوير آلات حاسوبية متخصصة في الاشتباك على ساحة القتال.. وبحيث لا يُدفع الجنود البشر في الأماكن أو إلى المهام الفادحة الخطورة.. وهو ما قد ـ نقول قد ـ يجعل من الحرب مهمة أخف وطأة وأقل كارثية بالنسبة للبشر.
لا لدكتوراه الإنسانيات
من تيارات المستقبل التعليمية أيضا ما يتوقع زيادة عدد الحاصلين على درجة الدكتوراه الذين بلغوا في أميركا عام 2008 ما يصل إلى 49 ألف «دكتور» وإن كان ثلثهم من العناصر القادمة وفودا أو هجرة إلى الولايات المتحدة.
لكن من المتوقع أن يزداد في هذا الخصوص عدد درجات الدكتوراه في علوم الحاسوب والتخصصات الهندسية المتقدمة فيما يقل باطراد عدد حائزي أو دارسي الدكتوراه في مجال العلوم الإنسانية.. من الأدب إلى التاريخ.. إلى الفلسفة وما في حكمها وباستثناء مجال واحد ستظل الحاجة إليه مستمرة وهو مجال: التربية والتعليم.
في نفس السياق يتوقعون أن تتفوق الصين لتصبح ؟ كما تضيف مجلة «المستقبلي» - أول بلد ينجح في إشاعة أنوار التعليم ـ الفني بالذات ـ عن طريق الانترنت.. والحاصل أن الصين أنفقت مليار دولار بالتمام والكمال على مدار الفترة 2003 ؟ 2007 لتنفيذ مشاريع التعلم عن بُعد في مناطق الأرياف الصينية.
يلفت أنظار الباحث في هذا المضمار تلك الملاحظة الهامة الواردة في هذا التقرير المستقبلي، فإذا كان صحيحا وموضعا للترحيب ما يَعِد به المستقبل القريب من توسعات في استخدام الحواسيب الالكترونية والأجهزة الرقمية (ديجيتال) وشبكات المعلومات العالمية.. وإذا كان هذا التطور سيقتضي من أجيال المستقبل الناشئة أن تمضي أوقاتا طويلة في صحبة لوحة المفاتيح إياها (كي بورد) فالمشكلة السلبية هي أن هذه الأجيال ستصبح عازفة إن لم تصبح عاجزة بصورة أو بأخرى عن استخدام مهارات الكتابة، فضلا عن تدني مهارات قراءة الكتب والاطلاع على الوثائق والمستندات.. وهو أمر بدأ الاختصاصيون في تنبيه المؤسسات التربوية إلى إدراكه من خلال تنظيم دورات علاجية تتلافى هذا النقص الخطير، والكفيل بأن يلحق أضرارا في تسيير العمل في دواوين الحكومات وفي دنيا التجارة وعالم الأعمال.
في عالم الطاقة
رغم كل التهليل الذي لا تخلو منه مطبوعة متخصصة وغير متخصصة ترحيبا بحكاية السيارات المدارة بطاقة الكهرباء وهو تهليل لا نبرئ منه شركات انتاج هذه السيارات الكهربائية.. ورغم الترويج لمقولة إن هذه المَرْكبات كفيلة بتخفيض مقادير الانبعاثات الكربونية الناجمة عن تشغيل سيارات زماننا على أساس نظرية الاحتراق الداخلي بطاقة البنزين، إلا أن راصدي المستقبل يتصورون أن هذه السيارات لن تتكفل وحدها بحل مشكلة الانبعاثات الكربونية إياها، ويقولون ان عالم العقد الذي بدأناه لن يشهد تحولا جماعيا عن استخدام أنواع الوقود الأحفوري (النفط والغاز الطبيعي) لصالح استخدام المركبات أو الماكينات التي تشتعل بطاقة الكهرباء: ببساطة لأن التوسع في المجال الأخير يستدعي بالضرورة زيادة الطلب على الكهرباء ذاتها وهي تتولد باستخدام الأنواع السابقة الذكر من ذلك الوقود الأحفوري.. فما بالك بالتوسع الهائل المرتقب في استخدام الحواسيب الالكترونية والأجهزة المنزلية وما في حكمها من متطلبات الحياة العادية في زمننا! مع ذلك فثمة انتظار مفعم بالأمل في نجاح تطوير وتعميم استخدام الخلايا الفولطاضوئية المستمدة من طاقة الشمس وبحيث تصبح ميسورة الاستخدام حجما من جهة.. فضلا عن تيسير أسعارها لتصبح في متناول عامة المستهلكين من جهة أخرى.
الطاقة النووية
يتوقع المستقبليون أيضا ؟ وعلى مسؤوليتهم طبعا ؟ اتساع استخدام الطاقة النووية التي يصفونها بأنها «تنمو بسرعة في طول العالم وعرضه«.. ويشيرون في هذا السياق إلى روسيا بالذات التي تفيد أحدث المعلومات بأنها تخطط لإنجاز بناء وتشغيل 26 محطة جديدة لتوليد الكهرباء باستخدام الطاقة النووية بحلول عام ,2030. ومن ثم يتوقعون تحديد أسعار البترول على أساس استخدامات هذه المصادر المستجدة من الطاقة التي يضيفون إليها في هذا الخصوص طاقة الشمس والرياح والأمواج البحرية وما إليها.
خامسا - البيئة: هنا يتوقعون، من باب التشاؤم، استمرار انقراض سلالات وأنواع بعينها في دنيا الحيوان وخاصة إذا كان عدد أفراد (أو رؤوس) هذه السلالة الحيوانية أو تلك قد انخفض إلى خمسة آلاف أو أقل من هذه الكائنات.. وهو ما ينطبق بالدرجة الأولى على حيوان الباندا الذي أصبح أفراده حسب الاحصاءات البيطرية العالمية يتراوح عددهم بين ألف وألفي رأس فقط.
يحذرون أيضا مما أصبح يوصف بأنه «المناطق المّيتة» في محيطات الكرة الأرضية.. ويتفاقم هذا النذير عندما يؤكدون أن هذه المناطق الميتة في حال من الاتساع والازدياد.. والسبب يتمثل فيما أسفر عنه ذلك النشاط الاستثماري والإنتاجي الذي أصبح يعرف باسم «الزراعة الصناعية» متمثلا في الإفراط في استخدام الأسمدة الكيماوية مما أدى ؟ كما يقول المستقبليون ؟ إلى تلويث مصادر المياه العذبة وتدنّي نوعية النظم الأيكولوجية الساحلية وهو ما أفضى بدوره إلى نفاد عنصر الأوكسجين اللازم بداهة لإدامة حياة الأسماك وسائر الأحياء ؟ الكائنات الحية من حيوان ونبات في قاع البحار والمحيطات.. بكل ما تكفله تلك الحياة البحرية من أرزاق ومصادر لحياة عشرات بل مئات الملايين من بني الإنسان.
مناخ القطب
من ناحية أخرى ؟ لا تفوت المستقبليين ظواهر تغير المناخ.. وبصرف النظر عن الخلافات المندلعة بين فريق الإنذار وفريق التطمين بشأن هذه التغيرات المناخية، فالاتفاق معقود، أو يكاد يكون معقودا، على ارتفاع درجة حرارة المناطق القطبية من الكرة الأرضية خلال أشهر الصيف التي لوحظ أنها تستغرق موسما أطول عن ذي قبل. والخطورة هنا أن طول مواسم الصيف عند قطبي الشمال والجنوب تعني وقتا أقصر من أن يتيح توالد ونمو سلالات بعينها من صنف الحيوان التي تتغذى عليها أنواع من الكائنات البحرية التي مازالت مصدرا جوهريا لحياة الإنسان. من ناحية أخرى تتوقع جمهرة الاختصاصيين قائلة في نذير حاسم ومخيف ما يلي:
كلما ذاب الجليد في القطب الشمالي فلسوف تتجمد قارات أوروبا.. ذلك لأن مؤثرات تغير المناخ تختلف حسب خطوط الطول وبمعنى أن ضياع ثلوج البحر المتجمد عند منطقة القطب من المرجح أن يسفر عن شتاءات أقسى بردا وجليدا في أوروبا وفي شرقي آسيا وفي شرق وشمال أميركا.
بعد هذا كله يبقى السؤال مطروحا.
ماذا إذن عن الغذاء والزراعة، وعن الصحة والعلاج، وعن مجتمع المعلومات، وعن القيم وأساليب الحياة، وعن العلم والتكنولوجيا وعن أحوال الشؤون الدولية بشكل عام؟
والأسئلة مشروعة.. وكلها تتعلق بداهة بمستقبل هذه «القرية» التي نعيش فيها وتحمل اسم «العالم«.. ومن ثم تستحق الإجابة في الجزء الثاني، المتمم من هذا المبحث.. إن شاء الله.
ما ينتظره العالم في العشرية الثانية من القرن
حلت سنة 2011 لتشكل استهلالًا لعقد جديد ـ العقد الثاني من هذا القرن الواحد والعشرين.. وربما جاءت بداية عام مستجد، ومن ثم استهلال عقد مرتقب ليفتح شهية أصحابنا الاختصاصيين في علم استشراف المستقبل لا من خلال الرجم بالغيب الذي لا يعرف أسراره وكوامنه سوى خالق الكون عز وجل، ولكن من خلال اجتهادات البشر.. الذين يصَّنفون في خانة الاختصاصيين في مهنة المستقبليات أو من كانوا مثلنا من أهل الانتلجنسيا المهتمين وربما المهمومين بأمر المستقبل.. وسواء انطلق الأمر من واقع المهنة الاحترافية أو من واقع الاهتمام الثقافي العام.. فثمة مؤسسة مازلنا نتواصل معها بحكم العضوية لأنها معنية بهذا الأمر الجوهري في حياة عالمنا.. وهي «جمعية مستقبل العالم» أو فلنسمها «الجمعية العالمية للمستقبل».. التي تحرص على إصدار مجلتها الدورية شهريا من مقرها في ميريلاند بالولايات المتحدة تحت عنوان المجلة الشهير «المستقبلي» (ذي فيوتشرست).
وكان بديهيا أن يحتوي أحدث الأعداد الصادرة من المجلة على استشراف آفاق عام 2011 الوليد ومن ثم آفاق السنوات التي تعقبه على مدار هذا العقد الثاني من القرن الجديد، ويتم ذلك عبر مجالات متنوعة شتى بقدر تنوع أنشطة واهتمامات ومشكلات وطموحات البشر في طول الكرة الأرضية وعرضها.
نبادر فنقول ان كل ما قد يتوصل إليه أهل «المستقبليات» إنما يشكل في التحليل الأخير «اجتهادات» انسانية تستخدم أحدث أساليب الإسقاطات.. العلمية والحسابات الرياضية استناداً إلى ما يتوافر لديها من حصائل المعلومات والبيانات المستقاة من مراكز الإنتاج ومؤسسات البحث والتطوير ومواقع الخدمات، ومن ثم فهي تتبع مزيجا من أساليب التقصي والقياس والاستيفاء (ٍُّّْفٌُِفُّىَُ) للتوصل إلى رسم صورة لعالم السنوات القليلة المقبلة بالسلب وبالإيجاب على السواء.
ويمثل عام 1102 بداية العقد الثاني من هذا القرن الواحد والعشرين الذي يتوقع علماء المستقبليات أن يكون حافلا بالمزيد من التطورات التي يمكن أن تضيف بالإيجاب إلى ركب الحضارة الإنسانية بقدر ما يمكن أن يحفل العقد الجديد أيضا بأخطار وسلبيات ينبغي الحذر إزاءها واتخاذ الاحتياطيات التي تكفل التصدي لها.. وعندما تنشر المؤسسات المعنية باستشراف المستقبل نتائج ما تتوصل إليه من توقعات، فهي لا تصدر في ذلك عن محاولات للتنجيم أو الرجم بالغيب ولكنها تنطلق من واقع الدراسات المستقبلية التي تبلورت بوصفها تخصصات علمية تستند إلى الاحصاءات الرياضية والبيانات القابلة للمقارنة أو للقياس عليها، من أجل التوصل إلى رصد ما يمكن أن ينطوي عليه مستقبل التطور في عدد من المجالات والميادين المحورية بالنسبة للنشاط البشري، وفي مقدمتها الميادين العشرة التي سيتم معالجة وتحليل تياراتها المستقبلية في هذا الجزء وفي الجزء الثاني ومن ثم المتمم له من الدراسة الحالية.. وتتوزع هذه الميادين العشرة بين رصد التيارات المستقبلية في مجالات الاقتصاد والتجارة والأعمال وفي دنيا الحواسيب الالكترونية وتطوراتها واستخداماتها في حياة الناس، إضافة إلى مجال التربية والتعليم وعالَم الطاقة الذي تتطلع فيه البشرية إلى موازاة استخدام الوقود الأحفوري بموارد مستجدة ومستمدة من طاقة الشمس أو الرياح.. ثم هناك أيضا مجال البيئة وخاصة ما يتعلق منها بالتوسع السلبي في استخدام الأسمدة الكيماوية التي تؤدي ـ كما يقول الاختصاصيون ـ إلى نضوب عنصر الأوكسجين في المياه رغم كونه عنصرا أساسيا لاستمرار الحياة البحرية، اللازمة بدورها لسد احتياجات الإنسان. وهذا يقود إلى تقصي مستقبل الأغذية والزراعة على مدار سنوات هذا العقد الجديد وهو ما سيبدأ به الجزء الثاني من الدراسة الحالية.