أثارت التسريبات المنشورة الكترونيا في الآونة الأخيرة موجات من الجدل حول أهمية السرية والكتمان مقابل العلانية والانفتاح في مجال العمل الدبلوماسي الذي يرتبط عضويا بواقع العلاقات بين الدول والشعوب.. واسترعى الأنظار بصورة خاصة ردود الفعل التي اختصت بها دوائر الولايات المتحدة إزاء هذه التسريبات ولاسيما بعد ما تردد من العزم على إحالة أمرها إلى دوائر قضائية في أميركا تمهيدا لتجريمها والمحاكمة الجنائية عليها. ويعزو بعض الأكاديميين في أميركا هذا المنحى إلى شغف الأميركيين بشكل عام بتدوين آرائهم في برقياتهم ومراسلاتهم على أساس مبدأ «الشخصنة» الذي يتوخى تصنيع النجوم على طريقة هوليوود، وخاصة في مجالات السياسة الخارجية، وبعدها تخيب الآمال وتُحبط التوقعات في هذا النجم أو ذاك من ساسة أو قيادات البلد الأجنبي، هذا فضلا عن ميل الشخصية الأميركية إلى المبالغة في تضخيم الأحداث على أنها تمثل تحولات جذرية في مسارات التاريخ.
وفي كل حال فثمة اتجاهين إزاء هذه التسريبات يهتم أولهما بأمر العلانية التي يمكن أن تمد العمل السياسي أو الدبلوماسي بتأييد الجماهير حين تعرف وتشارك، فيما يحذر الاتجاه الثاني، الذي يتبناه أكاديميون ومؤرخون أميركيون، من الانسياق وراء مبدأ العلن والانكشاف باعتبار أن علاقات الدول السياسية وعلاقات الكيانات الاقتصادية بل وعلاقات الأفراد الشخصية ـ الاجتماعية هي علاقات تفاوضية بالدرجة الأولى وتستهدف التوصل إلى تسويات أيا كان نوعها ومن ثم لابد من صيانتها من عوامل الانكشاف وتأمين مساراتها من خلال قدر معقول من الموثوقية والكتمان.
في كل حال فلا يزال هناك موجة من التحفظ أو التريث أو التدقيق والتمحيص تواكب حكاية التسريبات.
وبعيدا عن مضامين هذه التسريبات فقد يعنينا مثلا منهج التعامل معها وهو منهج لايزال موزعا، بشكل موضوعي، بين اتجاهين:
الأول يقول بالانفتاح الذي سبق ودعا إليه رئيس أميركي أشهر هو «ودرو ويلسون» الذي ارتبط اسمه بعد الحرب العالمية الأولى بالدعوة الايجابية إلى كفالة حق تقرير المصير للشعوب.. ويومها دعا ويلسون أيضا إلى ما يوصف بأنه السياسة المفتوحة بمعنى المعلنة على رؤوس الأشهاد وخاصة ما يتعلق بما وصفه بأنه «مواثيق السلام المفتوحة المعلنة التي تم التوصل إليها بوسائل مفتوحة ومعلنة أيضا«.. وعلى أساس مبدأ أن إطلاع الجمهور على ما تفعله حكومته من شأنه أن يثمر نتائج ايجابية في التحليل الأخير.
أما المنهج الآخر فيدعو إلى توخي عنصر الكتمان فليس كل ما يعرف يقال.. والمجالس أمانات كما يقولون.. فما بالنا إذا ما كانت مجالس دبلوماسية وتتعلق بمصالح أمم ودول وشعوب..
بل هناك من كان يحيل إلى مبادئ أخلاقية من قبيل ما كان يردده الرئيس الأميركي «فرانكلين روزفلت» «السادة المحترمون لا يفتحون خطابات الآخرين كي يطلعوا على أسرارها».
السرية ما برحت تشكل جانبا لا غنى عنه بالنسبة لأي مفاوضات سياسية أو اقتصادية أو حتى إنسانية أو شخصية، يستوي في ذلك أي عملية تفاوض بين دولتين حول قضية مصيرية أو بين شركتين حول الاندماج بينهما وبين طرفين في مجال نزاع قضائي أو خلاف قانوني وصولا إلى عملية التفاوض بين زوجين وصلا في مرحلة ما إلى قرار بالانفصال أو الطلاق.. والمعنى أن أي عملية للتسوية بين الطرفين على هذا النحو من تباين الهدف والمضمون لابد وأن تتم بمعزل عن صخب العلانية وخطر الكشف أو الانكشاف، ولا سبيل إلى التوصل إلى تسوية.. سياسية.. اقتصادية أو شخصية إلا في ظل قدرٍ ما يتسع أو يضيق من الموثوقية بمعنى