الابتكارات في مجال استيلاد المحاصيل، بمعنى تغيير خصائصها لإنتاج السمات المرجوة فيها، تشكل حلاً قصير الأمد لتراجع المحاصيل، فيما التنوع الزراعي وحده كفيل بأن يضمن الأمن الغذائي والتكيف مع التحولات الحاصلة.
ومن الصعب ألا ننبهر بالوتيرة الحالية للتغير التكنولوجي في مجال الغذاء والزراعة. ففي ديسمبر 2016، ترددت أنباء عن عملية رش للمحاصيل بإمكانها زيادة محتوى النشا في حبوب القمح، مما يسمح بتحقيق زيادة في الإنتاجية تصل إلى نسبة 20 %. وجاء هذا التطور في أعقاب تطورات تكنولوجية كبرى حدثت في عام 2016 في مجال تقنيات تعديل الجينات هندسياً، باستخدام أداة قوية تعرف باسم «كريسبر».
مشكلات حقيقية
ويبدو أننا أمام مستقبل من الإمدادات الغذائية المستمرة، وحتى التلاعب الأكثر تطورا في النظم البيئية الزراعية. لكن هناك مخاطر في أن تعمينا تلك التكنولوجيات عن المشكلات الحقيقية التي تواجه الزراعة الحديثة، مشكلات تقوض على وجه السرعة دورة التطورات التكنولوجية السابقة. فقد ارتفعت غلة المحاصيل العالمية بسرعة في العقود الأولى من «الثورة الخضراء»، لكن الإنتاجية وصلت الآن إلى نقطة المراوحة في مناطق عدة في العالم. وقد وجدت دراسة في عام 2012 أن ما نسبته 24 ـ 39 % من المحاصيل الزراعية من مناطق زراعة الذرة والأرز والقمح وفول الصويا، إما عجزت عن إحداث زيادة، أو راوحت مكانها بعد تحقيق مكاسب أولية، أو تدهورت بالكامل.
وتحقق نصف مناطق الأرز (57 %) والقمح (56 %) في العالم زيادة في المحاصيل. أما المناطق حيث الغلة تراوح مكانها، فتشمل بعضاً من نظم الإنتاج عالية التقنية والمناطق الأكثر صناعية وثراء: أي أكثر من ثلث محصول القمح في الولايات المتحدة (ومعظمه في غريت بلاينز) وأكثر من ثلث محصول القمح الأرجنتيني، والمحاصيل في أنحاء أوروبا.
وفي غضون ذلك، فإن محاصيل الأرز تراوح مكانها في كاليفورنيا ومعظم مناطق زراعة الأرز في أوروبا. وهذا الاتجاه واضح أيضاً في 80 % من محاصيل الأرز في الصين وإندونيسيا، وهما من منتجي الأرز الرئيسيين في العالم. وهذا مجرد غيض من فيض.
أما السبب في كون إنتاجية الزراعة الصناعية تتعرض الآن للتهديد فيعزى إلى أن هذه الزراعة كانت تحط من شأن الرأسمال البشري والطبيعي الذي تعتمد عليه. وكانت الآفات والفيروسات والفطريات والبكتيريا والأعشاب الضارة تتكيف مع إدارة الآفات الكيميائية أسرع من أي وقت مضى: وقد تم التعرف على 210 أنواع من الأعشاب المقاومة للمبيدات. وفي غضون ذلك، تقوم الأسمدة الاصطناعية بتدمير الكائنات الحية في التربة واحتمالات إعادة تدوير الغذاء فيها. وهذا يولد تأثيرا خطيرا: فزيادة مقاومة الآفات تؤدي إلى زيادة استخدام المبيدات الحشرية، مما يزيد التكاليف على المزارعين ويحدث مزيدا من التدهور البيئي. وهذا بدوره يتطلب جرعات إضافية من المواد الغذائية للاستمرار في عصر الإنتاجية من التربة.
الاحتباس الحراري
وفي هذه الأثناء، تعد النظم الغذائية مسؤولة عن حوالي %29 من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، وهي بالتالي تقود إلى عدم الاستقرار المناخي، الذي هو بحد ذاته التهديد الأكبر على مستقبل الإنتاجية الزراعية. ويأتي قسم كبير من تلك الانبعاثات من الزراعات الأحادية لمحصول واحد على نطاق واسع ومن الحظائر الصناعية للحيوانات في شمال الكرة الأرضية، كما من فقدان بالوعات الكربون في جنوب العالم فيما يجري جرف الأراضي، لإفساح المجال، غالباً لزراعات أحادية من الذرة وفول الصويا لتصديرها كأعلاف للحيوانات.
الابتكارات الحالية في استيلاد المحاصيل قد تكون مثيرة للإعجاب، لكنها لا تملك الإجابات على السؤال الأكثر إلحاحاً، وهو كيفية الابتعاد عن الزراعات الصناعية الأحادية، وما تسببه من دمار وضعف حتميان. وتشير إحدى الدراسات إلى أن تكرار ظروف «دست بول»، أي العواصف المغبرة التي قضت على الزراعة والبيئة في الولايات المتحدة وعلى المروج الكندية في ثلاثينات القرن الماضي، المرجحة بشكل متزايد في سياق التغيير المناخي، سوف تقضي على حوالي 40 % من محاصيل الذرة والصويا الأميركية، و%30 من محصول القمح. وأكثر ما يهم هو القدرة على التكيف، التي لا يمكن تحقيقها دون إعادة النظر بالمبادئ الجوهرية لأنظمتنا الغذائية والزراعية.
تأخير التحول
الخطر هو أن التكنولوجيا الجديدة تمنح الزراعة الصناعية فرصة جديدة للحياة وتؤخر التحول الحتمي لنموذج مختلف جذرياً.
ويوجد بديل قابل للتطبيق في شكل نظم بيئية زراعية تتسم بالتنوع، بمعنى تنويع المزارع والطبيعة الزراعية، واستبدال المدخلات الكيميائية الاصطناعية بأخرى، وتعظيم التنوع البيولوجي، وتحفيز التفاعلات بين الأنواع المختلفة، كجزء من استراتيجيات شاملة ومتجددة لبناء خصوبة التربة والنظم البيئية الزراعية الصحية، وسبل العيش الآمن على المدى الطويل.
هناك حاجة إلى التحول لنظم بيئية زراعية متنوعة، سواء كانت نقطة البداية الزراعة الصناعية أم أسلوب زراعة الكفاف، فضلاً عن أن البديل البيئي الزراعي هو بديل كثيف التكنولوجيا والمعرفة، ويتطلب بناؤه واستدامته بناء جهود متضافرة معقدة بين مختلف أصناف المحاصيل وأنواعها، وبين نظم الزراعية المختلفة.
مجموعة متزايدة من الأدلة التي استعرضها فريق الخبراء الدولي بشأن النظم الغذائية المستدامة يظهر الإمكانيات الهائلة لتلك النظم في النجاح، حيث النظم الصناعية تفشل في التوفيق بين المخاوف، مثل الأمن الغذائي، وتكيف البيئة وسبل العيش، والكفاية الغذائية والعدالة الاجتماعية.
حيثما تزيد النظم المتنوعة الإنتاجية وتحسن سبل العيش، فإنها تفعل ذلك بشكل دائم، وتنتج بصورة جيدة تحت ظروف الإجهاد البيئي وتوفر زيادة في الإنتاج، حيث هناك حاجة ماسة إلى غذاء إضافي. فعلى سبيل المثال، نهج النظام البيئي الزراعي لتكثيف إنتاج الأرز، باعتماده مياهاً منخفضة وعمالة كثيفة وشتلات متباعدة وإزالة الأعشاب الضارة بأدوات خاصة، هذا النهج يوفر ويزيد إنتاج الأرز في جميع أنحاء العالم، فيما نظم «الدفع والسحب» بمعنى مكافحة الآفات من خلال إبعادها بنباتات طاردة أو جرها نحو محاصيل تمثل اشراكا لها، تضاعف أو حتى تزيد بمقدار ثلاثة أضعاف إنتاج الذرة في أفريقيا. هذه النظم تمهد الطريق أمام إعادة تقييم الزراعة المحلية في إطار سلسلة توريد أقصر في الغالب، مما يوفر للفئات السكانية الهشة بديلاً أمام ارتفاع وتقلب تكاليف الإنتاج لزراعة السلع الصناعية وغموض الأسواق العالمية.
وفيما يعود لأنصار الزراعة الصناعية إظهار كيف يمكن أن تكون زراعتهم منتجة ومستدامة، من دون تحقيق اختراقات سحرية، فإن بديلاً بيئياً زراعياً أقل إبهاراً، لكنه أكثر إقناعاً للغاية، يتشكل الآن ويحول النظم الغذائية في العالم. وهو يستحق اهتمامنا العاجل.
اندماجات كبرى
ثمة مشاريع اندماجات كبرى مطروحة في القطاع الزراعي، وتتمثل بشراء شركة باير الألمانية لشركة «مونسانتو» الأميركية، واندماج الشركتين الأميركيتين «داو» مع «ديبونت»، وشراء «شركة الكيماويات الوطنية الصينية» لشركة «سيجنتا» السويسرية، إذا سمح بها المشرعون الأوربيون والأميركيون، فإنها سيضع 60 % من البذور و70 % من المبيدات الكيميائية، وكل الخصائص للمحاصيل المعدلة جينيا، بأيدي ثلاث شركات.
نتاج
التنوع البيولوجي هو أساس الزراعة، وقد مكن النظم الزراعية من النشوء والتطور منذ نشأة الزراعة وتطورها لأول مرة منذ حوالي 10000 سنة. والتنوع البيولوجي هو أصل جميع أنواع المحاصيل والحيوانات الداجنة والتنوع بينها، كما أنه القاعدة التي ترتكز عليها خدمات الأنظمة الأيكولوجية الضرورية لاستمرار الزراعة ورفاهة البشر. والتنوع البيولوجي هو نتاج التدخل البشري.
«استمرار فقدان التنوع البيولوجي وتدهور خدمات النظام الإيكولوجي سوف يقوّضان قدرتنا على تحقيق الكثير من أهداف التنمية المستدامة، لاسيما تلك المتعلقة بالحد من الفقر، وصحة الإنسان، كما الأمن الغذائي والمياه»
روبرت واتسون
رئيس منبر العلوم والسياسات الحكومية الدولية المعنية بالتنوع البيولوجي وخدمات النظام الإيكولوجي
تعود حالات التجارب الناجحة إلى محصول واحد معين، لكن توسيع مثل هذا النموذج على القطاع الزراعي في أنحاء أفريقيا اقتراح مختلف تماما. مزارع السرغم في كينيا قد تزدهرأعمالها بالعمل مع الشركات متعددة الجنسيات، لكن هذه لا تفعل شيئاً لمزارع الأرز أو مربي الحيوانات.
بيل فولري
باحث رئيس في معهد البيئة والتنمية الدولي
من أهداف حقوق الإنسان لأهداف التنمية المستدامة: «الحفاظ على التنوع الجيني للبذور، والنباتات المزروعة، والحيوانات الأليفة وما يتصل بها من الأنواع البرية، والتقاسم بعدل للمنافع الناجمة عن استخدام الموارد الجينية»
براوليو فيريرا دي سوزا دياس
السكرتير التنفيذي لاتفاقية التنوع المناخي
براءات اختراع في البذور
في البلدان النامية خصوصاً، قد تؤدي أدوات براءات الاختراع إلى رفع التكاليف، وتقييد التجارب من المزارع أو الباحث، مع إمكانية تقويض أيضاً الممارسات المحلية التي تعزز الأمن الغذائي والاستدامة الاقتصادية. وهناك مخاوف من أدوات حقوق الملكية الفكرية التي تعمل على تثبيط ادخار البذور وتبادلها وبيعها وإجراء التحاليل والتجارب على تأثيراتها. ويجب استخدام التكنولوجيا الحيوية للحفاظ على الخبرات المحلية والمادة الوراثية لتكون قادرة على إجراء مزيد من البحوث.
مشروع «التقييم الدولي للعلوم والتكنولوجيا الزراعية » التابع للبنك الدولي ـ 2008
صفحة متخصصة تصدر عن قسم الترجمة
