قبل السابع من يونيو الماضي، موعد الانتخابات البرلمانية التركية، طالب الرئيس التركي أنصاره بأن يأتوا له بـ400 مقعد برلماني. الخيبة التي نالها الحزب كانت مروّعة، فحصوله على 258 مقعداً وحلوله في المركز الأول كانت هزيمة ساحقة.
لكن، سلوك ما بعد الهزيمة أخطر من الهزيمة الانتخابية، إذ إنها تحمل مخاطر نهاية مدوية للحزب على مذبح طموحات شخص الرئيس أردوغان بأن يكون رئيساً مطلق الصلاحيات، أشبه بصلاحيات الرئيس السوري بشار الأسد.
بعد إعادة رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو التفويض بتشكيل الحكومة لأردوغان، لم يعد أمام الحزب سوى ما يريده: الانتخابات المبكرة.
يراهن حزب العدالة على تصحيح الشعب لخطأ عدم التصويت له، وأن المصوّتين الذين انفضوّا من حوله سيعودون مرة أخرى إلى «جادة الصواب»، مراهناً على أحداث داخلية وإقليمية يقول خصومه إن أردوغان هو من قام بهندستها بعناية، في سبيل إعادة هندسة الأصوات الانتخابية مجداً بما يضمن بقاءه رئيساً غير مسبوق لتركيا.
الإدارة الذاتية
يقضي سيناريو نجاح أردوغان بفتح جبهة الحرب ضد حزب العمال الكردستاني، ومنذ إعلانه الحرب على الحزب الكردي وداعش، شن أكثر من 100 غارة جوية على معاقل الحزب الكردي وثلاث غارات غير مركزة على «داعش».
ورغم أن توريط تركيا في الحرب الكردية مجدداً ارتدت سلباً على علاقات أنقرة الأمنية مع الغرب، وكانت من عوامل إنهاء مهمة الباتريوت الأطلسي في تركيا، فإن نتائج العمليات تسير باتجاه تقليص كتلة أصوات حزب العدالة أكثر مما كانت في حال أجريت الانتخابات المبكّرة.
السبب الرئيسي في ذلك أن قدرة حزب العمال الكردستاني على الرد العسكري كانت فوق تصورات الفريق الاستشاري الذي شجع الرئيس التركي على هذه المغامرة، فبات للحزب القدرة على نصب حواجز مؤقتة على الطريق الرئيسية في المناطق الكردية، بل إنه سيطر على مدينة جزير (جزيرة بوطان) وخلت من عناصر الأمن لفترة وجيزة.
كانت الحركة الأخيرة رسالة إلى الحكومة بأن المضي في السيناريو الأردوغاني الذي يتضمن أيضاً إمكانية حظر حزب الشعوب الديمقراطي، سيقابله إعلان الكردستاني «الإدارة الذاتية» في المناطق الكردية، ما يعني مواجهة عسكرية مباشرة وحرب شوارع ستكون تكاليفها باهظة على الجميع، ومنهكة لتركيا.
لكن يبدو أن الكردستاني يرى في ذلك الطريقة الوحيدة الباقية لإسقاط أردوغان من السياسة. فمن شأن علو كعب العمال الكردستاني عسكرياً في المواجهات، وارتفاع خسائر الجنود الأتراك، أن يفرغ السيناريو الأردوغاني من مضمونه، بل إن كتلة انتخابية أردوغانية ستغير مسار صوتها من حزب العدالة إلى حزب الحركة القومية المتطرف.
نابليون الثالث
أجرى الكاتب مراد يتكين في مقالة له مقارنة بين أدروغان ونابليون الثالث. سنة 1848 انتخب الفرنسيون في استفتاء شعبي لويس نابليون رئيساً لفرنسا. اعتمد نابليون الثالث على نيل دعم الطبقة البيروقراطية والعسكرية للبقاء في الحكم، لكن لم تكن لديه أغلبية برلمانية تسمح له بذلك، ومع اقتراب نهاية ولايته الرئاسية حل البرلمان ونشر قوات عسكرية وزج المعارضين في السجن في عملية انقلابية نتج عنها تنظيم استفتاءين: الأول لتغيير الدستور، والثاني لإعلانه إمبراطوراً على فرنسا.
بعد سنوات، وتحديداً سنة 1870، تسببت سياسة نابليون باندلاع حرب مع بروسيا كان ينتظرها المستشار الحديدي أوتوفون بسمارك. كانت النتيجة تدمير القوات الفرنسية ونفي نابليون الثالث إلى بريطانيا.
قد تبدو المقارنة بعيدة عن مقولة «التاريخ يعيد نفسه»، لكن تلفت إلى أمر آخر يجعل من المقارنة مستحيلة التكرار إنما تعين على فهم الفروقات بين الزمنين الفرنسي والتركي.
لا يملك أردوغان أمر السلطة العسكرية حتى يحيل الأمر إلى انقلاب ثم تغيير الدستور ثم إعلان نفسه «رئيساً نابليونياً» كما يشتهي، وبدلاً من ذلك أدخل تركيا في حرب داخلية تعوض عن عجزه في تحقيق الانقلاب النابليوني رغم أن وقائع عديدة تشير إلى قرب تجرعه مصير نابليون الثالث: الهزيمة.
خيارات
طبقاً للدستور التركي سيتمكن حزب العدالة والتنمية من مواصلة العمل كحكومة أقلية إلى حين إجراء الانتخابات إذا صوتت غالبية في البرلمان لصالح إجراء انتخابات جديدة.
أما إذا استخدم أردوغان حقه في الإعلان عن إجراء انتخابات مبكرة بنفسه، فإنه سيتم تشكيل ما يعرف بـ«حكومة انتخابات» حتى إجراء الانتخابات بحيث تضم الأحزاب الأربعة الممثلة في البرلمان.