ثلاثة قواسم مشتركة تجمع بين التصعيد على جبهتي تكريت العراقية وعدن اليمنية: التزامن، وحدة القوة الهجومية سواء بالأصالة أو بالوكالة والتوقيت، حيث كلاهما يجري بالتناغم مع «التقدم المهم» في مفاوضات النووي الجارية في لوزان. هل هي مصادفة أم أنها مقدمات للصفقة وعيّنات لما بعدها؟

العملية العسكرية لاسترجاع تكريت من «داعش» دخلت على الخط بصورة مفاجئة. كان المطروح في واشنطن استرجاع الموصل في وقت لاحق من الربيع المقبل. ثم بدأت تتوالى التلميحات بأن استرجاعها متأخر لأن القوات العراقية «لن تكون جاهزة» في حينه.

تلا ذلك تراجع عن التأخير مع إشارات ملتبسة انتهت بالهجوم على تكريت. من الحيثيات أن هذه المعركة ضرورية للتقدم نحو الموصل، باعتبارها محطة لا بدّ من عبورها في الطريق إلى هذه الأخيرة. في تسويق العملية، جرى تجاوز عدم جاهزية القوات العراقية من خلال الاستعاضة عنها «بالميليشيات المدعومة من إيران». وكأنه كان هناك ما يستدعي العجلة لتكريس دور على الأرض لهذه الميليشيات واستطراداً لمن يرعاها.

بموازاة هذا التطور كان التصعيد الحوثي المدعوم من إيران، يتوالى. في صنعاء أولاً وبما أدى إلى هروب رموز الحكم منها، رئيس ووزراء وقيادات عسكرية. ثم تحت ضغط الوقت على ما يبدو، انتقلت مطاردة السلطة إلى عدن، في محاولة لحسم الأمر بالسرعة الممكنة.

القصف الجوي الذي تعرض له القصر في عاصمة الجنوب والذي كان يستهدف الرئيس عبد ربه هادي، تطور بالغ في الأزمة. بل مؤشر على بلوغها نقطة اللا رجوع في التصعيد والاستيلاء.

دعوات الحوار يجري الرد عليها بالحسم على الأرض وتوسيع دائرة السيطرة الميدانية مقدمة لبسط السيطرة السياسية الوحدانية عليها. وهذه المرة يجري الصراع ومحاولة حسمه في مدينة تتمتع بموقع استراتيجي يتحكم بممر مائي إقليمي ودولي وبالتالي يمثل ورقة بالغة الأهمية في حسابات الهيمنة في المنطقة.

تطورات ومواكبة

هذه التطورات المتسارعة على الساحتين العراقية واليمنية، تواكب مفاوضات نووية متسارعة هي الأخرى وتبدو كأنها على وشك الخروج باتفاق إطار «قبل آخر مارس الجاري». على الأقل هذا هو الاعتقاد السائد والمتزايد في واشنطن.

التفسير الراجح أن إيران كلاعب أساسي في الاثنين، التصعيد والتفاوض، تعمل على تعويض تنازلاتها النووية عن طريق زيادة نفوذها الإقليمي. أو بالأحرى ترسيخ وتوسيع هذا النفوذ. والكلام عن سعي طهران لتعزيز حضورها في المنطقة متداول في واشنطن. وبعضه يحذر من التمادي في مثل هذا الحضور بعد الصفقة.

غض النظر

لكن الإدارة الأميركية لا ترى غضاضة في ذلك حتى الآن. هي ترى في مشاركة الميليشيات العراقية في القتال «تطور إيجابي إذا لم ينتج عنه تأجيج للحساسيات الطائفية». في الوقت الحاضر هي تغضّ النظر عن «إذا» الشرطية هذه. صحيح أنه لها حساباتها الميدانية المعروفة بشأن القوات البرية.

لكن غضّ النظر هذا ليس بعيداً عن رغبتها في مراعاة الاعتبارات الإيرانية في الساحة العراقية وغيرها، في هذه اللحظة الحرجة من المفاوضات النووية. ليس بالضرورة من باب التواطؤ. قد يكون من باب الابتعاد عن توتير العلاقة الآن مع طهران التي تدرك حاجة واشنطن إلى التغاضي فتستغل اللحظة لتعزيز تواجدها وسيطرتها. و

كان من اللافت اليوم أن الخارجية الأميركية اكتفت بوضع تطورات عدن في خانة التصعيد الأمني فقط، إذ دعت جميع الأطراف إلى ضبط النفس وبقية المعزوفة العمومية؛ مع أن العملية ذات بُعد سياسي خطير وتهدف إلى فرض معادلة جديدة لصالح القوة الإقليمية التي تقف وراء الحوثيين. وقائع لا تجهلها واشنطن. لكنها تتجاهلها. على الأقل في الوقت الراهن. ولا مشكلة إذا دفع العراقيون واليمنيون لاحقاً الأثمان الباهظة لها.

خلفية

يريد الغرب تبديد الهواجس حول قدرات طهران حيازة القنبلة النووية. وتطالب إيران التي تنفي وجود أي برنامج عسكري سري، بالرفع الفوري للعقوبات وتأمل في إنهاء عزلتها الدبلوماسية المستمرة منذ 12 عاماً.