ما إن أعلنت نتيجة الاستفتاء الاسكتلندي صباح الجمعة الماضية، حتى اندلعت الاسئلة عما يحمله اليوم التالي لإسكتلندا التي فشلت في الاستقلال، وللمملكة المتحدة التي نجت من جحيم التشرذم والانهيار.

وما هي إلا دقائق قليلة بعد الإعلان الرسمي عن النتائج النهائية، حتى بدأ النقاش في العاصمتين البريطانية لندن والاسكتلندية ادنبرة حول ماذا بعد قرار اكثر من مليوني اسكتلندي رفض الاستقلال، وماذا بعد أن عبر أكثر من مليون ونصف مليون اسكتلندي عن رغبتهم بالاستقلال عن المملكة المتحدة.

ثورة دستورية

رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، وبعد ثلاثين دقيقة من الاعلان عن النتائج النهائية لاستفتاء اسكتلندا، التزم بقيادة ثورة دستورية عبر بريطانيا العظمى تعيد تنظيم عمل المؤسسات الدستورية والإدارية في كل أقاليم المملكة المتحدة.

من جانبه، حذر زعيم الحزب القومي الأسكتلندي أليكس سالموند، الذي خسر معركة الاستقلال، ومع اعترافه بالهزيمة واعلانه الاستقالة من رئاسة حكومة اسكتلندا، حكومة كاميرون من مخاطر عدم التزامها بالعهود والوعود والمواثيق التي قطعتها للشعب الاسكتلندي، والتي تتضمن منح مؤسسات اسكتلندا التشريعية والتنفيذية المزيد من السلطات في الاقتصاد والتشغيل والحكم المحلي والضمان الاجتماعي وغيرها من الجوانب التي تمس الناس وحياتهم اليومية.

تفويض صلاحيات

ومع أن كاميرون قال إنه شرع بعيد الإعلان عن نتائج الاستفتاء بالتشاور مع عدد من أعضاء السلطتين التشريعية والتنفيذية والخبراء الدستوريين، إلا أنه أردف قائلا إن أيا من هذه الاصلاحات لن يتم تنفيذها فعليا الا بعد الانتخابات العامة في مايو المقبل، وبالتوازي مع اصلاحات دستورية اخرى تخص انجلترا العضو الاكبر في الاتحاد البريطاني، وتتضمن المزيد من «تفويض الصلاحيات» للمدن والمناطق في المملكة المتحدة.

خطوات أولى

غير أن إعلان رئيس الوزراء البريطاني عن البدء في أولى خطوات «الإيفاء بالوعود» لم يمنع بعض الاسكتلنديين القوميين من التشكيك في نوايا لندن التي قد تتراجع عن كل الوعود الترغيبية التي قطعتها في حملاتها الدعائية لثني الاسكتلنديين عن التصويت لصالح الاستقلال عن المملكة المتحدة.

وفي ردها على المشككين، أكدت رئاسة الوزراء البريطانية التزام كاميرون بالوعود التي قطعها بشأن منح صلاحيات وسلطات للبرلمان الاسكتلندي طبقاً ‏للجدول الزمني المعلن عنه.

وسارع ناطق باسم رئاسة الوزراء إلى نفي الاتهامات الموجهة إلى كاميرون بأنه يتملص من ‏الوعود.

وأكد كاميرون الالتزام بالجدول الزمني لمنح برلمان اسكتلندا صلاحيات جديدة بشأن الضرائب والانفاق والرعاية الاجتماعية، بعد أن اتهمه الوزير الأول ألكس سالموند بخداع الناخبين.

جدل سياسي

إن الجدل السياسي الجاري في بريطانيا يشير إلى أن استفتاء اسكتلندا، وإن كان لم ينجح في فصل الاقليم عن الاتحاد البريطاني بصفة تامة، إلا أن تداعياته الكبرى امتدت الى كافة ارجاء الاتحاد البريطاني، وشرعت الابواب أمام نقاش دستوري قد يعيد صياغة المؤسسات والسياسة البريطانية، على حد تعبير شين ثوماس الذي كتب في صحيفة «التلغراف» أنه «ربما أنقذنا الاتحاد، ولكن علينا الان اعادة صياغة السياسة في بريطانيا».

إعادة صياغة يطالب فيها نواب في البرلمان البريطاني لتشمل جميع سلطات جميع أقاليم الاتحاد، وهو ما من شأنه أن يتجه بالمملكة المتحدة الى شكل دستوري أقرب الى الاتحاد الفدرالي، حيث يكون للاقاليم سلطات واسعة في كل جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، يستثنى من ذلك السلطات السيادية التي تبقى بالأساس من اختصاص الحكومة المركزية.

تجربة كيبيك

يرى الصحافي في صحيفة «ذي غارديان» البريطانية نيكولاس وات أن الحكومة البريطانية لن تتلكأ في تطبيق وعودها حتى لا تكرر الاخطاء التي حصلت في الاستفتاء الاول حول استقلال اقليم كيبيك الكندي في العام 1980، عندما وعد رئيس الوزراء الكندي آنذاك بيير ترودو الاتحاديين بسلسلة من الإصلاحات الدستورية خلال الحملة الدعائية، ثم أخفق في تنفيذها، ما حرض الانفصاليين على الدعوة الى استفتاء جديد في العام 1995 كاد أن ينجح في فصل كيبيك عن كندا.